لندرك و نفهم الديمقراطية والحرية كي لانخسر عطاءاتهما *
    الأربعاء 11 ديسمبر / كانون الأول 2006 - 13:30:19
    نوري علي
    حينما تسير قيادة البلد, أي بلد, في اتجاه معاكس لتجارب شعوب كانت قد تجاوزت المحن والانتكاسات التي صادفتها ولتحقق التقدم والرقي والقوة, فإن هذا السير المعاكس لابد أن يكون نتيجة قراءة خاطئة لمعطيات العصر والتأريخ بسبب الموروث الثقافي والحضاري, حيث يكون فيه هامش الوهم والخرافة كبيراً, لاعتماده قراءة الحاضر على الخلفيات التاريخية ورموزها التي لعبت دورها ضمن ظروف موضوعية ومعطيات وآليات محيطة ومتوفرة في حينها , وبالتالي أدت ما أدت إليه سلباً أو إيجاباً على المستوى الشخصي أو على مستوى الأمة أو على كليهما معاً.
    إن استذكار الماضي واستذكار رموزه ومن ثم اعتبار جيل اليوم قادر على الإتيان بما فعله وبما صنعه أولئك العظام الأولين , هو كالنفخ في كيس متهرئ. فعرب اليوم ليسوا كحملة رسالة الإسلام من أجدادهم, ولا اليونانيين اليوم قادرين على الإتيان بمثل فلسفة أسلافهم, وهكذا الحال مع الإيطاليين والفرس والأتراك حيث سادت إمبراطورياتهم شرقاً وغرباً.
    لقد تطور العالم بسرعة وبمتغيرات مستمرة ودائمة تختلف حساباتها وآلياتها وحتى مبادئها عن القديم الموروث. إن متطلبات العصر و أولوياته ومفاهيمه قد طرأ عليها تحولات وإضافات جذرية كالكرامة والقوة والعظمة والمجد والرقي والحقوق الإنسانية , حيث ارتبطت هذه المفاهيم مع بعضها كحلقات لسلسة واحدة وفق ضوابط من الأخلاقيات والقواعد والمعايير متفق عليها من كل السائرين بتوازٍ مع العصر, بما يمنع الشطط والخروج عما متفق عليه ضمن حلقات السلسلة.
    لقد نجحت أُمم من هذا العصر قد لا يكون البعض منها من المفتخرين أو المتبجحين بماضيه لعدم امتلاكه أساساً تأريخاً, نجحت في تخطي انهزامها وانهيارها, حيث استطاعت أن تجد آليات وأسباب أخرى للقوة غير السلاح للنهوض وتحقيق عظمتها ومكانتها بين أُمم العالم.
    إن اكبر المهزومين في العصر الحديث هي الولايات المتحدة حين تلقت الضربة القاصمة على قاعدة بيرل هاربر البحرية من قبل القوة الجوية اليابانية حيث دُمِّـرَ معظم الأسطول البحري الأمريكي الذي كان ذراعها وسلاحها الاستراتيجي ووسيلتها لوصول قواتها إلى ساحات القتال خارج حدودها, و أيضاً هزيمتها المخزية في فيتنام... وبريطانيا حين هربت قواتها أمام القوات النازية في معركة دنكرك وخسارتها أمام القوات اليابانية في الملايو وانهزامها أمام شيخ الهند العجوز النحيف غاندي... وفرنسا حيث احتلت القوات النازية نصفها بضمنها باريس, وانهزام قواتها أمام الفيتناميين في معركة ديان بيان فو... أما ألمانيا واليابان , فبقدر ما استطاعتا من تحقيق انتصارات كبيرة , كانت هزيمتهما ساحقة ومدمرة توجت بالإذلال من خلال احتلال ألمانيا من قبل الحلفاء ومحاكم نورنبرك لمجرمي الحرب لكبار قادتها... ومن خلال التوقيع نيابة عن إمبراطور اليابان (المؤله من قبل الشعب الياباني) وثيقة الاستسلام للقوات الأمريكية على ظهر البارجة العسكرية الأمريكية ميسوري ومحاكمة كبار القادة اليابانيين كمجرمي حرب في مانيلا بالفليبين . وقد كبل كلا البلدان بشروط قاسية بما لا يعطيهما الفرصة لإعادة بناء قوتهما العسكرية إلا بما حددته هذه الشروط عدةً وعدداً , ولم يسمح لهما بإرسال قواتهما المسلحة خارج حدود بلديهما, وفي العام1999 سمح لألمانيا بذلك شريطة أن تكون بإمرة حلف الناتو.
    هذه الدول تختلف مع بعضها جذرياً من حيث التأريخ والتقاليد والطبيعة... فالولايات المتحدة لا تمتلك تاريخاً... وبريطانيا العريقة التي لم تغب الشمس يوماً ما عن مستعمراتها... وألمانيا الدولة الحديثة التي ظهرت كدولة موحدة في العام 1871 واليابان ذات الأرض الفقيرة زراعة ومعادن...وفرنسا الثقافة والجمال والمودة وأجنحتها الممدودة على معظم دول أفريقيا... هذه الدول تتفق في قراءة صحيحة واحدة للواقع وحقوق مواطنيها ومتطلبات هذا العصر والصراع مع هذا الواقع , ونتج عن ذلك أن تصبح كل من هذه الدول عملاقاً بين الأُمم...
    إن إفرازات الواقع تستوجب الفهم السليم لمسببات بروز هؤلاء العمالقة , حيث سيتضح ايضا عدم ضرورة خيار قوة السلاح خياراً وحيداً لتجاوز حالة الانهزام ورفض القعود والخذلان وبالتالي تحقيق رفاهية وتقدم شعوبها... إذ تأكد من تجربة ألمانيا واليابان أن القوة الاقتصادية سبباً كافياً (بعد أن اغلقت في وجهيهما الأسباب الأخرى) لعظمة ارتقاء شعوبها إلى المكان اللائق بين الأُمم.
    أن سلطة البعث البائد في بغداد لابد وإنها فهمت معطيات التأريخ العربي بشكل مغلوط , بسبب ارتباطها الزائف و غير الموضوعي بهذا التاريخ , وبما انعكس سلباً على خطابها السياسي , وفي قراءتها غير الصحيحة للعصر... كما انعكس سلباً على قراراتها الكبرى... كحربها مع إيران , تحت شعار حماية البوابة الشرقية للامة العربية, ناسية ومتناسية البوابة الشمالية, حيث منبع نهري دجلة والفرات, منهلا ديمومة الحياة على ارض الرافدين , ورافدي شط العرب مخزون احتياط المياه العذبة لعرب الجزيرة , فالخطر الكبير يأتيك , ممن يطبق بيديه على رقبتك , اكثر من الجالس جنبك أو تحت قدميك... وقرارها احتلال الكويت ... لقد اعتبر أحد البعثيين من أعضاء مجلس الشعب السوري عملية احتلال دولة الكويت نوع من أنواع الوحدة ينسجم مع تطلعات حزب البعث العربي الاشتراكي, بما يذكرنا بمذكرة الوفد السوري بتاريخ26-5-1965 إلى مجلس الدفاع العربي المشترك, حيث طلب فيها استعمال القوة المسلحة لمواجهة التجزئة في العالم العربي وفرض الوحدة على الأقطار العربية , مجسداً بذلك فكراً بسماركياً منقرضاً, كما نقله نصاً وروحاً رواد الفكر القومي العربي .
    لقد عجز هؤلاء الرواد والأحزاب الحاملون لهذا الفكر من ربط أوصال الأمة العربية , كما ربطها الإسلام يوماً ما , بل أدى السعي لهذا الربط إلى تعزيز القطرية والإقليمية , عكس ما أرادوه وتمنوه ... لقد كانت فترة الستينيات تموج وتمور بفوران قومي عارم , في كل زاوية وشارع في العالم العربي, مصحوباً بخطاب سياسي ثوري , لمعظم حكومات الدول العربية , واستعدادات تعبوية عسكرية, إلا أنها لم تستطع صد التوسع الإسرائيلي, رغم أن كل السياقات التعبوية كانت تميل لصالح العرب , من حيث المساحة والعمق الاستراتيجي وعدد النفوس والثروة ومصادر الطاقة والإمكانات الاقتصادية... إلا واحدة كانت لصالح الدولة العبرية... فهذه الدولة الصغيرة , مساحة ونفوساً , قد أتمت مرجعيتها التاريخية (رغم أن غالبية هذه المرجعية خرافية وأسطورية) بأن جعلت الواقعية وحقوق مواطينها , الأساس الذي ارتكزت عليه في التعامل مع العصر , لتحقيق وتأمين متطلبات صمودها ومكامن قوتها أمام العرب...وهذا ما لم يفعله القادة العرب لا في حينه ولا الآن...
    اليوم نحن في أوليات الألفية الثالثة , وقد تطورت مجمل وسائل وآليات الحياة , بما قزم العالم إلى قرية صغيرة... وظهرت رؤى جديدة للعلاقات الدولية , بكل تفاصيلها بعد أن اقتلعت نسمات الديمقراطية وحقوق الإنسان , بعذوبتها ورقتها , أعتى الدكتاتوريات والأنظمة الشمولية , وسالت العولمة ما وراء البحار , مخترقة الحدود و الحواجز والموانع, لتنساب في شرايين كل مفاصل ومناهل الحياة وأجزائها وأطرافها, حاملة معها عطاءات الفكر الإنساني الثقافية والعلمية, وإنجازاته التكنولوجية لخدمة البشرية , لتجعل الحياة اجمل وايسر.
    إن فرصة ذهبية , كانت ومازالت متاحة ومنذ ظهور العراق كدولة في العصر الحديث , بأن يعتمد العراق حقوق الانسان والديمقراطية اساسا لتشريعاته وتبني سياسة اقتصاد السوق لتحقيق تقدم البلد ورفاهية شعبه , وتأمين عيشا كريما له , و كمرتكزاً وأساساً لقوته وتطوره. ان مايطرح الان من ترويج لشتى الايديولوجيات الاسلامية والعلمانية ماهو الا عودة الى زمن مضى اقتضت ضرورات الحرب الباردة مقتضياتها منه. لقد فات اوانها واصبحت جزء من ماضي ذلك الزمن و لامكان لها في يومنا هذا .. ان تاريخ 11 ايلول 2001 تاريخا حاسما بين زمنين ومنعطفاً هاماً في مسيرة البشرية يفترض على التيارات العراقية المختلفة ان تحسن قراءته , وبالتالي تلمس طريق خلاص العراق من تراكمات ثمانين عاما من السياسة الخطأ. فلم يعد هناك الاتحاد السوفيتي كما سوف لن يكون هناك تأثير لجمهورية ولاية الفقيه وان سوريا في طريقها للانهيار او الاستسلام اسوة بليبيا القذافي , وهكذا سيكون حال تشدد السعودية وقومية مصر بعد أن بدأتا طريق الديمقراطية والاصلاح والانفتاح. فعلى التنظيمات والتيارات العراقية والأحزاب السياسية ورجال السياسة قطع امتداداتهم الجوارية وحصر اهدافهم لمصحلة العراق وحده. وجعل برامجهم اكثر واقعية واكثر ارتكازا على حقوق الانسان العراقي ومصلحة العراق , وان يكون اساس تنافسها مع بعضها هو ما تستطيع ان تقدمه من خدمات ومكاسب وحقوق للشعب العراقي . ويتعين عليهم الفهم الدقيق لجوهر الديمقراطية كونها الية لتحقيق نفعية خادمة للانسان وليست مخدومة وهي ليست من مفاهيم المثل العليا والافكار الخرافية التبجحية بتاريخ وامجاد تاريخية سابقة , وهي ليست امتداد لخلفيات ثقافية جذرية قديمة حكمتها واوجدتها تأثيرات الجغرافية وظروفها البيئية , وهي ليست ايديولوجية تتحول الى مخدومة لتنقلب بالتالي بحيث تصبح هي الهدف بدلا من الانسان الذي تهدفه الديمقراطية.. ويتعين عليهم ادراك ان الديمقراطية بعيده جدا عن القيم والمفاهيم الغيبية والفنطازيا والخيال بل انها ابنة الواقع وهو الواقعية بعينها ... كما من الضروري الادراك ان الديمقراطية والحرية والقانون ثلاث متلازمات متماسكات ستؤدي بمجموعها الى تناقض وصراع بينين مع الدين والمنتصر فيها سيكون للثلاثي , واذكر بمقولة الدكتور محمد خاتمي ان الصراع حين يبدأ بين الدين والحرية ستكون الحرية هي المنتصرة والدين هو الخاسر. وعليهم ان يدركوا جيدا ان الديمقراطية ستضع الدين ورجاله في قلوبنا وليس فوق رؤوسنا فذاك سيكون مكان القانون الذي لايعلو عليه عال او جاه . لابد من الاشارة الى صراع الحرية والتزمت , حين اصدر اية الله الخميني فتواه في العام 1989 بهدر دم الكاتب البريطاني سلمان رشدي بسبب كتابه "الايات الشيطانية" وقد اتهمه بالكفر والزندقة. وقد وجد المسلمون في كتابه هذا اساءة الى النبي محمد (ص) والى مقدسات الاسلام. قبل هذه الفتوى تظاهر المسلمون في مختلف عواصم ومدن العالم الاسلامي والغربي احتجاجا على الكتاب وكاتبه . وكانت الفتوى بمثابة بداية لعاصفة المواجهة بين احكام الشريعة من جانب وبين ضرورات وعطاءات الحرية والديمقراطية من الجانب الآخر.. فهذه الفتوى بمثابة مقدمة لفتنة وصراع بين حضارتين وبين قرنين وبين تناقضين وبين زمنين وبين مفهومين.. وهي كصراع السيف مع صاروخ كروز.. لقد قامت الحرب للقضاء على الفتنة وانتهت بخسارة الفتوى واصحاب الفتوى وانتصار الحرية وبقي سلمان رشدي وبقي كتابه في المكتبات يعاد طبعه وتوزيعه وتهريبة سراً للدول الاسلامية برغم مافيه من دس وتأويل وتفسير بعيد عما جاء به الاسلام ونبي الرحمة والإنسانية. كما لابد من الاشارة ايضاً الى القرار 137 لسنة 2003 الصادر من مجلس الحكم في العراق والذي الغي بموجبه القانون 188 لسنة 1959 للاحوال الشخصية. لقد صدر القرار بتدبير من الاحزاب الدينية المشاركة في مجلس الحكم وتم تمريره واصداره بصورة غير اعتيادية. لقد كان هذا القرار اسوء ماصدر بحق المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية. ولكن ماهو مصير هذا القرار بعد ان تصدت له قوى الحرية والديمقراطية وعلى راسها المنظمات النسائية العراقية ؟ لقد الغي القرار رغم قوة تحكم التنظيمات الاسلامية في حينها بالشارع العراقي ... إن ماجاء في الدستور من فقرات تخص الاسلام وبالصيغة التي كتبت فيها تلك الفقرات, تؤشر بشروع صراع عقود من زمن قادم ليس فيه ما يسند الموقف الاسلامي ازاء قوى الحرية المتحالفة والكبيرة في العالم. لايجب الركون الى حالة الشارع العراقي المسيطر عليه عنوة وإرهابا من قبل بعض التشكيلات الاسلامية , فتاريخ هذا الشارع معروف للاسلاميين قبل غيرهم لما لعبوه من دور في كل الازمنة الماضية , حين كان المد الشيوعي وتبعه المد القومي الذي توج بالمد البعثي وبحكمه ... ان خوفنا من اثارة الصراع ليس على الاحزاب والمنظمات الاسلامية لانها سياسية اكثر منها دينية اسلامية, اي بمعنى اوضح انها تسعى لتحقيق اهداف سياسية اكثر مما تهدفه الى مساهمة الدين في بناء المجتمع ونشر مفاهيم التسامح والتعاون والمحبة التي جاء بها الاسلام, فلا يهمنا ماسيؤول اليه مصير هذه الاحزاب والتنظيمات بقدر مايهمنا ما قد ينعكس من هذا الصراع على الدين الاسلامي بما يقلص دوره بين ابناء الشعب العراقي كردود أفعال وكنتيجة للصراع وما سيتركه من فراغ روحي ستكون له آثار سلبية على المجتمع. ولكن هل لتنظيماتنا الاسلامية بُـعد نظر يستقرأ الحاضر والمستقبل بشكل صحيح؟ شخصيا اشك في ذلك...

    (من منشورات المركز الدولي لدراسات امريكا والغرب)

    * إعيد نشر المقال نظراً للمتغيرات السياسية السريعة وصدور تقرير لجنة بيكر وزيارة السيد عبد العزيز الحكيم الى كل من الولايات المتحدة الأمريكية والممكلة المتحدة
    © 2005 - 2017 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit