جوهر التنظيم الذاتي في المنظومات المضطربة.. الفلسفة تتنبأ بالكوارث الطبيعية والأزمات الإجتماعية والإقتصادية
    الأربعاء 20 ديسمبر / كانون الأول 2006 - 21:41:30
    د. أسعد الخفاجي
    "إذا شئتَ بناء سفينة ، فلا تضع الخطط وتوفر المواد والأدوات وتستدع البنائين وتوزع الأعمال ، بل الأجدر أن تعلّم الناس الحنين إلى البحر!"
    حكمة أوربية قديمة

    تدل الدراسات العلمية الحديثة على أن الحياة قد أصبحت الآن خمس مرات أقرب إلى الإنقراض مما كانت عليها في البداية ، قبل خمسة مليارات عام. فقبل 65 مليون عام بلغت نسبة الكائنات الحية المنقرضة 75% من مجموعها ، الذي يبلغ حوالي 14 مليون نوع. أما معدل الإنقراض الحالي للأنواع فيقدر ببضعة آلاف سنوياً. وعندما حصلت ظاهرة السونامي الكارثية فإن تأثيرها المدمر قضى على حياة مئات الألوف من البشر على إمتداد آلاف الكيلومترات من الشواطئ ، خلال بضع ساعات. أما الإنهيارات الجليدية من مختلف الأحجام ، فإنها تحصل على الدوام مسببة تدحرج كميات هائلة من الجليد والصخور نحو الأسفل بسرعة فائقة وهلاك الآلاف من البشر ، إضافة إلى ما تُحدثه من أضرار في البيئة والعمران والزراعة. لقد تسببت تلك الإنهيارات في خلال الحرب العالمية الأولى وحدها ، بهلاك أكثر من خمسين ألف جندي في جبال الألب! والحروب الكونية هي الأخرى أهلكت ملايين البشر. فالحرب العالمية الثانية مثلاً أدت إلى هلاك ما يزيد على 60 مليون إنسان. والثورات والنزاعات والحروب الأهلية ، وحالات العصيان والأزمات السياسية والإجتماعية ، هذه الكوارث تكلف البشرية عشرات الألوف من الضحايا سنوياً. والحروب الاهلية الروسية والاميركية والفرنسية ، على سبيل المثال سجلت أرقاماً كونية قياسية في عدد الضحايا والخراب المدني والإجتماعي والإقتصادي والسياسي. ناهيك عن سلسلة الأحداث الكارثية الأخرى ، كالأوبئة والفيضانات والأعاصير وحالات إنهيارالسوق والعملة والتضخم النقدي وغيرها ، التي مازالت تهدد أمن الحضارة الإنسانية وإستقرارها في كل مكان. كل تلك الكوارث تحصل بإستمرار في الكون بصورة عفوية غير قابلة للتنبؤ.

    نمذجة وتحليل الكوارث
    تحاول هذه المداخلة مناقشة إشكالية طالما شغلت بال الباحثين في علوم الطبيعة وهي: هل تُعدُّ جهود الفيزياء في نمذجة ميكانزم الكوارث والأزمات بقصد السيطرة عليها ، جهوداً واقعية؟ في البداية ينبغي ذكر حقيقة يعرفها الجميع ، وهي أنه يمكن بالفعل دراسة المنظومات الطبيعية المألوفة ، بإستخدام القوانين والمعادلات الفيزيائية التقليدية ، بينما يصعب ذلك نسبياً ، حينما تكون المنظومات بيولوجية ذات مستوى معين من التعقيد. أما حينما نتناول المنظومات الخاضعة لمستوى أعلى بكثير من التعقيد ، لا بل وتسودها الفوضى ، كالمنظومات الإجتماعية والنفسية والثقافية والإقتصادية والسياسية ، حينذاك تبدأ الصعوبات الحقيقية ، ويتعذر التعاطي مع تلك المنظومات ، إذا إقتصرت بحوثنا على أدوات وطرق الدراسة والتحليل المعتادة. أضف إلى تلك الصعوبات الموضوعية وجود عامل التحفظ الشخصي الذي يبديه علماء البيولوجي وسواهم على قدرة الفيزياء على حل مشاكل الكون! لقد شكك هؤلاء في إطروحات الفيزياء الحديثة ، التي تدعو إلى دراسة الظواهر اللاخطية ، وحالات التعقيد والتنظيم الذاتي ، ووصفوا المساعي في ذلك الإتجاه على أنها ضرب من العبث الكومبيوتري ، والتلاعب في الحسابات الرياضية العادية ، التي سوف لن تقود إلى نتائج علمية رصينة أبداً. وتذكّرنا هذه الحملة بنظيرتها ، التي شنها مختلف العلماء على ألبرت آينشتتين بعد إعلانه نظريته النسبية الشهيرة. وفي حينها لم تهدأ الحملة الدعائية التشكيكية ضد أفكاره ، إلا بعد حصول أول تفجير نووي ، وسقوط نصف مليون ضحية بفعل القنبلة النووية ، التي إستندت أساساً على نظرية آينشتين النسبية! من جانب آخر يعتقد الفيزيائيون أن من ابرز سمات القرون الثلاثة الماضية ، أنها أبتليت بالعلماء الذين إستمروا في تبسيط النظرة إلى الأشياء والظواهر ، وحاولوا عبثاً إختزال المنظومات المعقدة ذات السلوك اللاخطي ، إلى منظومات مسطحة ذات سلوك خطي مبسط. الأمر الذي أدى إلى فشلهم الدائم والواضح في وصف المنظومات الكونية ذات التشويش والإضطراب. في الحقيقة لقد أغفل العديد من الباحثين حقاً ، عن عمد أو جهل ، الصفات "الجمعية" الحرجة للعناصر المكونة لتلك المنظومات وأنكروا الإستعداد الطبيعي لإكتساب صفات ومزايا نوعية وكمية جديدة ، تقود إلى التطور الذاتي العفوي.

    إزاء ذلك لم يأل علماء الفيزياء جهداً في مواصلة بحوثهم اللاتقليدية منذ عقدين من الزمان ، مطورين رؤية عصرية إزاء حالات الإضطراب والضجيج والتعقيد ، وجميع الظواهر اللاخطية في الكون والمجتمع ، سعياً منهم إلى تفسير ظاهرة التطور العفوي والتنظيم الذاتي وأخيراً التنبؤ بتلك الظاهرة. هنا لابد من التنويه أن كاتب الورقة ليس أحد أتباع نظرية التعقيد ، وإن كان الفضول العلمي هو الذي يدفعه إلى متابعة جدية لكل التطورات الحاصلة في الفيزياء الحديثة ، بضمنها دراسة المنظومات والظواهر اللاخطية المضطربة. لقد إنتشرت منذ تسعينيات القرن الماضي ، في الولايات المتحدة وأوربا ، مراكز بحوث التعقيد والتشويش والتنظيم الذاتي. لكن مما يدعو إلى الإحباط أن تلك البحوث ، على غزارتها بدت غير مشجعة تماماً ، "لتعذر البرهنة على صحة نتائجها مختبرياً" ، حسب جاك كوان أستاذ الرياضيات في جامعة شيكاغو ، لذلك علينا ألا نستغرب إذا طالعنا العديد من البحوث المعارضة (وأحياناً المسفِّهة) للفكرة. هذا من ناحية ، ومن ناحية ثانية ، نعلم أن هذا العلم الحديث مازال في بداياته يحبو كالوليد. إضافة إلى غياب الأدوات الفاعلة اللازمة لدراسة خصائصه الشائكة ، اللهم إذا إستثنينا الكومبيوتر والقوانين الرياضية التقليدية ، العاجزة عن وصف السلوك المضطرب اللاخطي للمنظومات المعقدة بشكل واف. فما هي إذن نظرية التعقيد وفرضية التنظيم الذاتي الحرج؟

    جذورالفرضية الجديدة
    ورد مصطلح "التنظيم الذاتي" أول مرة عام 1947 في مقالة للطبيب المهندس روس أشبي ، وإستخدمه من بعده كل من الباحثين هاينتس فون فورستر وجوردان باسك وستافورد بير ونوربرت وينر. كما ورد في أبحاث الفيزياء حول المنظومات العامة خلال ستينيات القرن الماضي. من جانبه ، أكد الباحث الإقتصادي النمساوي فريدريش هايك عام 1960 في كتابه "دستور الحرية" ، على أن التخطيط الإقتصادي عملية غير مجدية. "بدلاً من ذلك فإن الإقتصاد سوف ينظم نفسه عفوياً تنظيماً ذاتياً ، ويتطور بتجسيده أماني ورغبات المشاركين فيه جميعاً". والمعروف أن هايك كان يفترض "أن الجميع يسعون صوب هذا الهدف ، كل وراء تأمين مصلحته الشخصية وحسب!". ولم ينتشر مفهوم التنظيم الذاتي في الأوساط العلمية ، إلا بعد أن فعّله علماء الفيزياء على المنظومات المضطربة ، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. إن التنظيم الذاتي الحرج هو عملية عندما تحصل في المنظومات المعقدة ، تنقلها من حالتها الإبتدائية ، إلى حالة أخرى أعلى تنظيماً ، دون أن يكون هناك حضور لأي عوامل خارجية. عليه يُظهر العديد من المنظومات الكونية (المجرات ، الكواكب ، المركبات الكيميائية ، الخلايا الحية ، المجتمعات البشرية) نوعاً متقدماً من القدرة على التنظيم الذاتي. تدرس علوم التعقيد والتشويش المنظومات الكونية ، بالتركيز على جملة التأثيرات المتبادلة فيما بين عناصرها المكونة. ومما ساعد في ذلك توفر الكومبيوترات الحديثة العملاقة القادرة على دراسة طيف التغييرات الدينامية ، وتحليل النماذج ذات التنظيم الذاتي ، بعد إدخال "التغذية الراجعة" الوراثية في سياق برامجها التي تربط بين مخرجات المنظومة وبين المدخلات التي تولدها. فبدون هذه التغذية الراجعة لايمكن للمنظومة أن تتطور ذاتياً ، وهنا يكمن سر النشوء العفوي لبنية منظورة تنظمها حالة من اللاتوازن. وينتج ذلك عن التأثيرات المتبادلة لكم هائل من العناصر المجهرية البسيطة المكونة للمنظومة. مقابل ذلك إقتصرت العلوم الكلاسيكية في دراستها للمنظومات على إستخدام قانوني الجاذبية العامة والأواصر الكيميائية ، دون الإهتمام بالتأثيرات الداخلية المتبادلة لمكوناتها.

    وهناك العديد من المنظومات ذات التنظيم الذاتي نجدها في الفيزياء ، أول علم إحتضن هذا الإختصاص. بداية من بعض الظواهر المعروفة ، كالحالات الستاتيكية ، وإنتقال الحالات والنهاية العفوية للتناظر ، والتمغنط العفوي ، والتبلور العفوي ، والليزر ، والموصلية الفائقة ، وتكثيف بوزه – آينشتين في المنظومات الكوانتية. كذلك إبتعاد الأشكال البنيوية الثرمودينامية عن حالة التوازن ، ونظرية البنى المبددة للطاقة ، وحالات الإضطراب في دينامية السوائل ، ونشوء المجرات والنجوم والكواكب. وفي الكيمياء يُطلقون على التنظيم الذاتي مصطلح "التركيب الذاتي". ويوجد التنظيم الذاتي أيضاّ في المنظومات البيولوجية ، بداية من الخلية و لغاية المستوى الإيكولوجي (البيئي). لقد صرنا نقرأ عن مفهوم التنظيم الذاتي في إختصاصات مختلفة عديدة أخرى ، كالعلوم الإجتماعية والإقتصادية والأنثروبولوجي وغيرها. في الواقع يمكننا رصد التنظيم الذاتي في كل مكان تهب فيه الأعاصير ، ويحدث التطور البيولوجي ، وتتقدم ثقافات الشعوب ويتطور العقل البشري. ويمكن القول بإيجاز أنه لولا التنظيم الذاتي في الخلايا الحية ، لما إستمرت الحياة طيلة هذه المدة من الزمن! مع تزايد مؤيدي نظرية التعقيد والتشويش ، يبدو وكأن السر المقدس وراء معمارية الكون قد إنكشف للباحثين!

    يحدث التنظيم الذاتي في كيانات مادية نطلق عليها في الفيزياء مفهوم "المنظومات". والمنظومة هي الكيان المؤلف من عدة عناصر متحدة بعضها مع بعض ، وتكون عادة في حالة مستمرة من التأثير المتبادل أو التفاعل فيما بينها. ويمكن تمييز المنظومة عن بيئتها المحيطة بها ، بوجود الحدود التي تفصلها عن الخارج. وتقسم المنظومات في الكون إلى ثلاثة أنواع بحسب إمكانيتها على التأثير المتبادل مع البيئة: فهناك أولاً المنظومات "المفتوحة" ، وهي التي يمكنها تبادل كل من المادة والطاقة مع محيطها ، مثل منظومة جسم الإنسان. وهناك ثانياً المنظومات "المغلقة" ، وهي التي تتبادل الطاقة مع محيطها لكنها لا تتبادل المادة معه. وكوكب الأرض خير مثال على هذا النوع من المنظومات ، حيث يتسلم الطاقة من الشمس ، ولايتبادل المادة مع الكون إلا ما ندر. وهناك نوع ثالث من المنظومات وتسمى "المعزولة" ، وهي منظومات لا تتبادل أياً من الطاقة أو المادة مع محيطها الخارجي. ونضرب مثالاً عليها الكون الذي يُعد منظومة معزولة ، إلا إذا إفترضنا جدلاً وجود كيان منفصل عنه ، يديره من الخارج. وتُعد زجاجة الترمس ذات الغلق المحكم منظومة معزولة ، علماً أن عازلها من الناحية العملية ليس مطلقاً. المنظومات المعقدة هي منظومات مفتوحة ، لوجود عوامل مجهولة ، تُدخل الأشياء إلى المنظومة وتُخرجها منها. يتعين على الباحث النظر إلى المنظومات المعقدة على أنها مفتوحة ، ليتسنى له أن يكون متهيئاً لحصول التغيرات المفاجئة غير المتوقعة. تضم المنظومات المعقدة مكونات تتفاعل بعضها مع بعض. وينتج عن هذه التأثيرات المتبادلة سلوك شامل للمنظومة يصعب وصفه بإرجاعه إلى وصف عناصرها المكونة كل على حده. فإذا كانت تلك التأثيرات لاخطية ، فلايمكن إقتصار الوصف على المكونات المنعزلة وحدها.

    عفوية المنظومات اللاخطية
    وتصنف المنظومات نسبة إلى سلوكها المستقبلي (النهائي) ، إلى منظومات عفوية ، لايعتمد سلوكها المستقبلي (النهائي) على الحالة الإبتدائية ، ومنظومات دورية ، تتكرر حالاتها التي تستعيد نفس الصفات السابقة ، ويمكن التنبؤ بتلك الحالات ، كما في منظومة الجدول الدوري. وأخيراً هناك المنظومات المشوشة ، وهي منظومات يكتنفها التعقيد ، وتختلف جوهرياً عن النوعين السابقين ، في كون سلوكها غير قابل للتنبؤ إطلاقاً ، بسبب الحساسية المفرطة لمخرجاتها تجاه مدخلاتها. أي أن أية تغييرات طفيفة في البداية قد تعرض المنظومة إلى تغييرات هائلة في النهاية ، وهذا ما يعرف بمفهوم "تأثير الفراشة". ومن أمثلة المنظومات المعقدة والمشوشة المعروفة ، المناخ وسوق البورصة. نستطيع التعرف على آلية المناخ ، وميكانزم سوق البورصة بأدنى التفاصيل ، لكننا لا نستطيع أبداً التنبؤ بسلوك هاتين المنظومتين المعقدتين ، لفترة طويلة من الزمن. أما السبب فيوجد في إمكانية حدوث نتائج وخيمة بفعل مؤثرات طفيفة لا تستحق الذكر. تكون هذه المنظومات المعقدة عادة لا خطية ، بمعنى أن مكوناتها تتفاعل بعضها مع بعض ، بطريقة أكثر تعقيداً من عمليات الإضافة والطرح. ويتناسب "السبب" في المنظومات اللا خطية تناسباً طردياً (خطياً) مع "الأثر". فرب تغييرات عملاقة لا تتسبب في أي أثر ، بينما قد تُحدث تغييرات طفيفة آثاراً وخيمة. وهنا يكمن تفسير إستحالة التنبؤ بما يحدث للمنظومات المعقدة. عكس ذلك ، لا ضير من جمع خواص المكونات في المنظومات الخطية ، بعضها إلى بعض ، والتنبؤ بالسلوك العام للمنظومة. تكون العلاقة بين مدخلات ومخرجات منظومة ما علاقة خطية ، إذا كان لمخرجاتها صلة خطية بمدخلاتها. بمعنى أنه لو ضوعفت المدخلات تضاعفت المخرجات أيضاً. وإذا إزدادت ثلاث مرات إزدادت المخرجات ثلاث مرات ، وهكذا. تكون العلاقة بين مدخلات ومخرجات منظومة ما علاقة لا خطية ، إذا كانت مخرجاتها مربعات أو مكعبات مدخلاتها (أو أكثر) . وتكون المخرجات في العلاقات اللاخطية حساسة جداً تجاه التغيرات الحاصلة في المدخلات ، مهما كانت طفيفة.

    إذا عدنا ربع قرن إلى وراء ، سوف نقرأ لستيوارت كاوفمان ، الباحث في "معهد سانتافي" ورقة منشورة تفترض أن "الحياة تجري بأسلوب لا متوازن يتجلى في سلوك المنظومات الحرج المتأهب للتنظيم الذاتي". أخضع كاوفمان مئة نوع من الجينات إلى تحليل بواسطة كومبيوتر ، فوجد أن كل جين في الأجسام الحية يتفاعل ويتصل ويتصارع ، مع جين واحد أو عدد من الجينات الأخرى. ورغم أن ذلك التفاعل يبدو لأول وهلة مشوشاً غير منتظم ، لكن كاوفمان توصل بالتحليل إلى العكس من ذلك تماماً ، مكتشفاً نوعاً من "قانون القدرة" ، ينص على أن "عدد أنواع الخلايا في العضو الحي يساوي تقريباً الجذر التربيعي لعدد جيناته". وفي تجربة علمية منفصلة صمم أحد مختبرات التنظيم الذاتي برنامجاً تحليلياً ، طُلب فيه من الكومبيوتر كتابة الأرقام من 0 إلى 9 عشوائياً على الشاشة. وبعد تشغيل البرنامج آلاف المرات ، طُلب منه إستخراج المرات التي ظهرت فيها المجموعة "1،2،3،4،5،6،7،8،9،0" بهذا التسلسل المحدد على الشاشة. وأُمر الكومبيوتر بشطب هذه الحالات من مخرجات البرنامج ، ثم أعيد التشغيل بما تبقى من البيانات العشوائية. وكُررت هذه الخطوة مرة وأخرى لآلاف المرات ، حتى جاءت اللحظة التي أصبح الكومبيوتر فيها قادراً على الإستجابة إلى رغبة المشغل ، ولم يعد يسمح بعدها بظهور المجموعة المستبعدة على الشاشة ، مهما كررنا تشغيل البرنامج. بعبارة براغماتية أخرى: بدأ الكومبيوتر يفكر ويستجيب لما يُطلب منه!

    بير باك ونموذج تلة الرمال
    وكان أول من تبنى بقوة ظاهرة التنظيم الذاتي الحرج هو بيرل باك ، عالم الفيزياء الذي ولد في الدنمارك عام 1948 ، وعمل في مختبر بروكهيفن في نيويورك ، متخصصاً في أبحاث "التحول الحاصل في الطور" ، كالتحول الفجائي الذي يحول العازل إلى مادة موصلة ، أو إنجماد الماء وغير ذلك. وسرعان ما إنتقل بير باك إلى مناقشة السؤال الفلسفي الشهير: "هل يمكن للحالة المنظمة أن تنبثق عن حالة اللانظام؟ أي هل يولد النظام من رحم الفوضى؟ وكيف؟". ففي عام 1987 إستطاع بالتعاون مع زميليه جاو تانغ ، وكورت فيزنفيلد ، أن ينشر ورقة في مجلة "فيزكال ريفيو لترز" ، أسماها "حراجة التنظيم الذاتي". وبعد صدور كتابه الشهير "كيف تشتغل الطبيعة؟" في عام 1996 ، إلتحق للعمل في جامعة "إمبريال لندن". ناقش باك في كتابه مبادئ سلوك التعقيد وأسس نظرية التنظيم الذاتي الحرج. وأسقط رؤيته العلمية على السلوك الإجتماعي متسائلاً بذكاء عن "الحالة التي يكون عليها المكان الذي يجتمع فيه حشد من الأفراد. حينذاك سوف نتوقع مزيجاً من مختلف التصرفات الغريبة ، وغير المتوقعة سلفاً". نشر بير باك عام 1998 ، في مجلة "نيتشر" البريطانية ، بالتعاون مع زميله وليم سنبين ، مقالة علمية شرح فيها نموذجاً فيزيائياً أسماه "نموذج تلة الرمال". شبه في المقالة ما يجري في الكون من ظواهر لاخطية ، ( وهي أكثر من 70% من الظواهر) ، بما لاحظه في سلوك حبيبات الرمال الساقطة على قمة تلة من الرمال ، موضوعة على منضدة في المختبر. وطبقاً لهذا النموذج يصف باك حبيبة الرمل المنفردة ، وحالتها إذا سلطنا عليها تياراً من الهواء (إذا نفخنا عليها مثلاً) ، إنها سوف تتحرك وتتدحرج ، وكلما إشتد النفخ زادت حدة حركتها ، وأخيراً إذا وصلت شدة النفخ مستوى معيناً ، "طارت" الحبيبة وإبتعدت كثيراً عن موقعها الأصلي. من جانب آخر ، ماذا سيكون سلوك مجموعة كبيرة (آلاف) من حبيبات الرمل ، موضوعة بعضها إلى بعض ، على شكل "تلة" أو "هرم" من الرمل. عندها نلاحظ أن نسمة خفيفة فوق قمة الهرم الرملي ، قد تؤدي أحياناً ، إلى "إنهيار" بسيط ، في تلك التلة ، أو أحياناً أخرى إلى إنهيار ملحوظ و تهدم جدارها. إن كل حبيبة رمل تسقط على التلة من الأعلى ، تُحدث تأثيراً في جميع الحبيبات المجاورة ، حيث نشاهد إنهيارات غير ممكن التنبؤ بها تحصل في جدار الهرم المنتظم.

    إن الأمر الذي يحسم حجم الإنهيار في تجربة تلة الرمال ، ليس شدة الريح الهابّة بإتجاهها ، بقدر ما هو الكيفية التي تتدحرج فيها حبيبات الرمل المنفردة ، بعضها فوق البعض. إن حبيبات الرمل هي في حالة تنظيم ذاتي ، مجسد بالتفاعلات المتبادلة فيما بينها ، التي تحفظها في حالة حرجة متوازنة ، مع إستعدادها للتدحرج ومغادرة موقعها "المستقر" ظاهرياً ، عند حصول أدنى قدر من "الإستفزاز". بعبارة أخرى ، يبين بير باك ، أن هناك سلوكاً منظماً ، يكمن في عمق المنظومة التي تبدو عديمة التنظيم. وعندما كانت حبيبات الرمل تسقط من خلال "حنفية" رمل ، بنمط متناسق على لوح دائري الشكل ، موضوع أفقياً على سطح منضدة ، لاحظ باك في البداية أن مجموعة من حبيبات الرمل تكومت ، وصار شكل التلة مثل الهرم ، وكان سطحه يتميز ، مثلما هو معروف ، بميل شديد الإنحدار. ويعتمد مقدار هذا الميل ، أي إنحدارسطح التلة ، نوعياً على درجة "اللزوجة" والإحتكاك بين الحبيبات المنفردة ، فكلما زادت ، كلما تضاعف ميل السطح. وبعد سقوط بضعة آلاف من حبيبات الرمل على اللوح ، كبر حجم التلة. وفي نقطة ما ، تبدأ المنظومة بالإنهيار ، لدى إضافة حبيبة واحدة أو بضعة حبيبات جديدة منفردة إلى قمة التلة ، بغض النظر عن معدل سقوط الرمل من الحنفية. وعندما تبلغ التلة حالة حرجة معينة ، تبدأ الإنهيارات ، ويتهدم جدارها. والحقيقة أن مجموعة كبيرة من الإنهيارات المختلفة ، تحصل أثناء التجربة ، رغم عدم تغيير معدل السقوط ، أو أي شرط آخر في التجربة. هناك إنهيارات صغيرة تحصل ، وأخرى كبيرة ، وأخرى بين بين ، وهكذا. إن أهم نتائج التجربة ، أن الزمان والمكان وحجم الإنهيارات ، كلها كانت مفاهيم غير متوقعة. فمتى يحصل الإنهيار القادم؟ وما هو حجمه؟. هذان الحدثان لم تتنبأ التجربة بحصولهما على الإطلاق. صحيح أنه يمكن معرفة أسباب الإنهيار الذي يحصل ، و يمكن قياس حجمه ، من الناحية الفيزيائية ، لكنه يستحيل فهم السلوك الديناميكي الداخلي لتلة الرمل. لاتسمح المنظومات المشوشة بالتنبؤ عن سلوكها القادم ، لكنها تسمح بتوصيفها إذا إستخدمت قوانين معينة تسمى "قوانين القدرة" ، سنأتي على ذكرها لاحقاً.


    التنظيم الذاتي الحرج
    لغرض إستخراج النمط الرياضي لما يحصل في تجربته ، إقترح باك دراسة المشكلة من زاوية مختلفة. فبدلاً من التركيز على إنهيار واحد ، أخضع سلسلة الإنهيارات الحاصلة في سياق التجربة إلى معاملة إحصائية. وإستخدم ببراعة فائقة نظام معلومات كومبيوتري ، لجمع وترتيب وتحليل جميع الإنهيارات. جمع في المختبر كمية الرمل الناتجة عن كل إنهيار ووضعها في كيس منفرد مسجلاً أوزانها. فأصبح لديه في نهاية التجربة عدد كبير من الأكياس ، التي يحتوي كل منها على كتلة رمل ناتجة عن إنهيار منفصل ويختلف وزنها عن وزن الكيس الآخر. وبعد ترتيب تلك العينات حسب أوزانها ، رسم خطاً بيانياً لوغارتمياً ، يجسد العلاقة الرياضية بين "عدد الإنهيارات" ، الذي وضعه في محور الصادات ، وبين "حجم الإنهيار أي وزن الكيس" ، الذي وضعه في محور السينات. وتوصل الباحث في نهاية التجربة إلى إكتشاف خطير ، وهو أن شكل العلاقة بين المتغيّرَيْن كان خطاً مستقيماً! وبرهنت التجربة على أن المنظومة التي بدت ظاهرياً وكأنها في حالة لانظام (فوضى) ، هي منظومة محتضنة لنظام مخفي فيها. لقد أثبتت نتائج التجربة والرسم البياني ، بما لايقبل الجدل ، أن العلاقة المبطنة ، بين الأحداث الصغيرة والأحداث الكبيرة ، لها دور كبير في إستقراء السلوك الآتي للمنظومة المضطربة. وأدى هذا الإكتشاف العلمي الخطير ، إلى إضافة معرفة نوعية جديدة ، إلى رصيد العلوم الطبيعية. تدل العلاقة الرياضية التي إكتشفها بير باك ، على أن هناك قانوناً فيزيائياً أسماه "قانون القدرة" ، بإمكانه وصف ودراسة وتحليل المنظومات الحرجة ، ذات القابلية على التنظيم الذاتي. يعرّف قانون القدرة بأنه العلاقة البيانية اللوغاريتمية بين عدد المرات التي تظهر فيها صفة معينة "منبثقة" تكتسبها المنظومة ، وبين حجم تلك الصفة أي شدتها. ونذكر أن تلك العلاقة هي علاقة خطية واضحة. وبما أن العلاقة الخطية تدل فيزيائياً على حالة النظام ، بينما العلاقة اللاخطية تعني الفوضى والإضطراب ، فالتجربة تؤكد صحة مقولة "أن النظام قد ينبثق من رحم الفوضى والإضطراب".

    وردت في هذا البحث مفاهيم يجدر بنا شرحها ، نحو "النظام والفوضى" ، و"الصفات المنبثقة" ، و"قانون القدرة" ، و"السببية المعقدة" ، و"الحراجة". ولتوضيح مفهومي النظام والتشوش أو الفوضى في المنظومة ، نذكر إنجاز الفيزياء في أواخر القرن التاسع عشر ، إذ طرح العالم الألماني رودولف كلاوسيوس في عام 1865 لأول مرة مفهوماً فيزيائياً جديداً أسماه "إنتروبي" ، وجعله مقياساً كمياً لحالة إنعدام النظام (الفوضى أو التشوش) في المنظومة ، وعرفه كالآتي: "التغير في مقدار الإنتروبي في منظومة ثرمودينامية مغلقة يساوي التغير الحاصل في الطاقة الداخلية للمنظومة ، مقسوماً على درجة الحرارة فيها". والإنتروبي مفهوم يشبه نظيريه "الشحنة الكهربائية" أو "كمية المادة" وما أشبه. فالمعروف عموماً أن المنظومات الثرمودينامية تكون أكثر تنظيماً ، إذا إنخفضت درجات حرارتها ، إذ تنشأ تركيبات ترابطية ، من شأنها عرقلة حالات الحركة المتولدة بالحرارة. عليه تُعد الحرارة على الدوام شكلاً غير منتظم من أشكال الطاقة ، مصحوباً بكمية أكبر من الإنتروبي. فلو أضيفت كمية من الحرارة إلى منظومة ثرمودينامية ، إزدادت كمية الإنتروبي فيها. وأحكم كلاوسيوس تحديد مفهومه الجديد بوضع القانون الثاني للثرموديناميك ، أو قانون الإنتروبي ، الذي ينص على أنه "لايمكن للإنتروبي أن تنخفض مطلقاً ، في منظومة ثرمودينامية مغلقة ، حيث تؤدي كل العمليات الثرمودينامية حصراً إلى زيادة ، وليس إلى نقصان في قيمة الإنتروبي". وتوصف العمليات التي تزداد الإنتروبي خلالها بأنها ذات طبيعة لارجوعية ، أي أنها تجري في إتجاه واحد لا رجعة فيه. ومن الطريف ذكره ما خطر ببال ستيوارت كاوفمان لدى قراءته ذلك القانون أول مرة ، إذ كتب: "تصورت بعد قراءتي قانون الإنتروبي أن الكون غارق في الفوضى! لكني نظرت من خلال النافذة ، ولم أشاهد غير النظام." لقد إستغل بعض المتشائمين أمثال هنري آدم وجيريمي رفكين قانون الإنتروبي للتبشير بدعوة غير علمية تتنبأ بحلول "نهاية وشيكة للحياة على سطح الكوكب الارضي". إن تلك الدعوات مرفوضة علمياً لأنها تفترض أن الأرض منظومة مغلقة ، وهو أحد شروط القانون الثاني للثرموديناميك ، بينما كوكبنا الأرضي هو في الواقع غير ذلك تماماً. إنه منظومة مفتوحة ، تتبادل الطاقة والمادة مع الكون الذي يحيط بها!

    الصفات المنبثقة للمنظومات
    وعندما تكون الصفات المكتسبة في منظومة قادرة على الظهور في مستويات من المنظومة دون مستويات أخرى (أوطأ) ، يطلق على تلك الصفات التي هي على مستوى المنظومة (وليس مستوى المكونات) صفة "المنبثقة". مثال على ذلك يمكن قياس عاملي درجة الحرارة والضغط في غاز (منظومة متألفة من مجموعة من الجزيئات المتفاعلة فيما بينها) ، بينما يتعين ذلك القياس في حالة الجزيئة المنفردة. فدرجة الحرارة والضغط في هذه الحالة هما صفتان منبثقتان. مثال آخر: نعرف أن ذرة الذهب لوحدها ليس لها "لون" ولا شكل منظور ، بينما الذهب كسبيكة في البنك أو سوار جميل في معصم إمرأة يبدو لناظره أصفر اللون ، براقاً ، وليناً. إن هذه الصفات الثلاث "المنبثقة" للذهب لا تظهر على المستوى الذري (الأوطأ) ، وإنما ظهرت في مستوى أكثر تطوراً وأشد تعقيداً ، ونعني حالة إتحاد الذرات في بلورة الذهب. كذلك فمن أهم الصفات المنبثقة للخلية الحية ، هي صفة الحياة ، في الوقت الذي نعلم فيه أن العناصرالكيميائية للخلية المنفردة هي جزيئات الأوكسجين والهايدروجين والكاربون والنتروجين وغيرها ، هي مكونات جامدة غير حية. في الواقع لا يمكن للكثرة من الباحثين خارج علم الفيزياء تقبل فكرة الصفات المنبثقة ، لأن الفكر الكلاسيكي السائد في العقول العلمية ، منذ زمن أرسطو يرفض تلك الفكرة المبتكرة. "إن الأشياء لايمكن أن تكون إلا الأشياء نفسها في كل زمان ومكان" ، هذا ما كتبه أرسطو. كيف نتقبل بسهولة فكرة أن الخلية مرة تكون منظومة مؤلفة من جزيئات (ميتة) ، ومرة منظومة حية متطورة ذاتياً؟ في الحقيقة إن الأشياء نفسها لا تتغير موضوعياً ، إنما الذي يتغير هو وصفنا الذاتي لها ، والنموذج الذي نستخدمه لدراسة تلك الأشياء. عليه فإن خاصية "الإنبثاق" تنتج من التغير الحاصل في نوع النموذج العلمي والهندسي الذي نستخدمه في توصيف المنظومة.

    ولغرض توضيح معنى "الحراجة" أو الحالة الحرجة ، نذكر أنه مفهوم مستعار أصلاً من علم الفيزياء. فالمادة توجد عادة في خمس حالات (أطوار) مختلفة كيفياً ، ونعني الحالات الغازية والسائلة والصلبة والبلورية والبلازمية. ونطلق على الحالة أو الطور صفة الحراجة ، ونسميها الحالة الحرجة ، حينما تكون خاضعة للتوازن مابين تلك الحالة وبين الحالة أو الحالات المتجاورة. وتوجد في خلال ذلك التوازن ما تسمى بالنقطة الحرجة التي تفصل بين حالتين (طورين) متجاورتين أو أكثر. وعندما تقترب المنظومة الثرمودينامية من نقطة حرجة ، تظهر عليها تغيرات جوهرية ، بالرغم من إنعدام التأثيرات الخارجية على تلك المنظومة. ولعل مما ينبغي ذكره في هذا المجال مأخذ علوم التعقيد على مبدأ السببية بصيغته الكلاسيكية ، كونه يفترض أن المنظومات التي يدرسها هي منظومات مغلقة ، قافزاً فوق حقيقة وجود تأثيرات في المنظومة تنشأ خارجها (مثل الجاذبية والكهرومغناطيسية) ، وإعتماده "التأثير الإتجاهي" الأحادي (أي من أ إلى ب) ، وإهمال التأثيرات في الإتجاهات الأخرى ، أي التأثيرات الجمعية. أغفلت السببية الكلاسيكية حقيقة أن المنظومات المعقدة ليست مغلقة ، أي غير قابلة للتنبؤ كلياً بسبب إنتشار التشويش. على الضد من ذلك يفترض مبدأ السببية "المعقدة" ، الذي ينظر إلى المنظومات قيد الدرس كونها مفتوحة ، لإعترافه بالتأثيرات الخارجية على بنية المنظومة الداخلية. ورب تأثيرات طفيفة تُحدث نتائج هائلة فيها ، مثلاً لايمكن التنبؤ إطلاقاً بحالة الطقس قبل شهر! أو الناس في البورصة يشترون ويبيعون الأسهم. لكن أسعار الاسهم لا يقررها البائع لوحده أو المشتري لوحده ، بل كلاهما معاً. تتحدد الأسعار إذن بعملية البيع والشراء. لكن عملية البيع والشراء تعتمد هي الأخرى على الأسعار. بعبارة ثانية ، فإن إنهيارالسوق لايقرره عنصر واحد من عناصر السوق ، وإنما تقرره جملة التأثيرات المتبادلة لمكونات السوق فيما بينها. لذا يُستبدل مبدأ السببية الكلاسيكي المعتمد على التأثير الإتجاهي البسيط ، بمفهوم "السببية المعقدة"، ويعتمد التأثير الإتجاهي المتنوع.

    البرهنة على نظرية دارون
    ويستنتج بير باك من تجربته الشهيرة "أن عملية التطور والإنتخاب الطبيعي التي أعلنها جارلس دارون ، هي عملية مشابهة لما يحصل في منظومة تلة الرمل". وفي الحقيقة ، فأن مفهوم التنظيم الذتي الحرج ، يصب في جوهر تلك النظرية ، ويعد التفسير الوحيد الصحيح لها. المعروف أن دارون عندما أعلن عن فكرته العلمية المثيرة للجدل ، حول تطور الأنواع والإنتخاب الطبيعي ، لم يستعن بالأدوات والمعادلات الرياضية ، الأمر الذي خلق نوعاً من الحيرة والتردد لدى العديد من الباحثين ، و دفع البعض منهم إلى التشكيك في صحة النظرية. كذلك إعتمد دارون عامل الصدفة في تفسير نظريته العلمية الرائدة ، ولم يذكر أن تطور الأنواع حصل نتيجة التغييرات التنظيمية الذاتية في المنظومات الحية. رغم ذلك ، جاءت نظرية دارون في التطور والإنتخاب ، لتعزز نظرية التعقيد والتنظيم الذاتي الحرج في المنظومات المعقدة. ويرى أن نجاح تجربته الذي توجه بصياغة قانون القدرة ، هو برهان علمي لا يقبل الجدل على صحة نظرية دارون ، وأداة علمية ناجحة لتفسيرها بما لايترك مجالاً للشك. فلنقرأ ما كتبه بهذا الصدد: "تحصل التغيرات لأنواع من الكائنات ، مما تتسبب في إحداث تغييرات متتالية في الأنواع المجاورة يعقبها تغيير كبير يأتي على شكل إنهيار." ونقرأ له أيضاً: "تحصل تلك التغييرات على شكل تكيف مفاجئ أو طفرة ، وفي كل خطوة من سلسلة التغيير تلك ، نشاهد إندفاع الأنواع الأضعف من حيث اللياقة ، إلى أحد الخيارات الثلاثة: التطور والإرتقاء والتكيف ، أو التغيير النوعي ، أو الإستسلام والإنقراض." ويحصل ذلك التنظيم عادة للأنواع المتجاورة في منظومة تنضوي تحت ما أسماها باك "الحالة الحرجة للتنظيم الذاتي". ولكي تحصل تلك الحالة لابد من حصول حدث طارئ ، يؤدي إلى خلق الإنهيار ، وهذا هو تصوير رائع لظهور الطفرة في نظرية دارون. في خلال الحالة الحرجة للتنظيم الذاتي ، تصبح كل عينة (حبيبة الرمل) مؤهلة للتدحرج ، ودفع جاراتها إلى التحرج أيضاً. وهكذا أثبتت ورقة باك - سنبين أن حالة إنقراض الأنواع ، تحصل ذاتياً من خلال الإنهيارات (الطفرات) في المنظومات الطبيعية المعقدة المفتوحة الموجودة في حالة حرجة ، دون تدخل من عوامل خارجية. وبعد حدوث الإنهيارات تستمر المنظومة في البقاء من جديد ، ولكن بنوعية منبثقة جديدة (يكافئها إستمرارالحياة بنوع جديد حسب نظرية دارون). ومن التطبيقات العملية في التنظيم الذاتي ، جوهر عمل منظومة الإنترنت ، حيث تنعدم السيطرة المركزية على كل فروعها وشبكاتها. كل شبكة فرعية في الإنترنت لها مركزقرارها الخاص. وبموجب بروتوكول الإنترنت تنتقل المعلومة من مكان نشوئها ، إلى هدفها خلال العديد من المسارات. وإذا ما إنطفأت إحدى هذه الشبكات ، فإن المعلومة لن تتوقف في مسيرتها وتكمل رحلتها الإلكترونية بسلاسة وأمان. والإنترنت كمنظومة معقدة ننكيف على الدوام ، وتنظم نفسها ذاتياً. ويجدر بنا الإشارة إلى أنه ليس بمقدور جميع المنظومات المعقدة التكيف بهذه الدرجة ، مثل الإنترنت ، التي أثبتت أنها منظومة تتعامل جيداً مع التعقيد. عليه يتطلب من الباحثين إتباع منهج علمي جديد يجعلهم يفسرون ما كانوا سابقاً يعدونه ضجيجاً على أنه ضرب من النظام!

    مما تقدم نستنتج بحذر شديد إمكانية توصيف الكوارث والأزمات ، وتحليلها والتنبؤ بها. فبمعرفة قانون القدرة الذي يبرهن على أن هناك على العموم نظاماً كامناً في جوهر المنظومات الحرجة ، التي تبدو للعيان وكأنها مضطربة ، عديمة النظام ، وقد يتسنى للباحثين إستخراج العلاقة بين وتائر (الإنهيارات) وأحجامها ، وبالتالي التنبؤ بحدوثها. على الضد من ذلك ، يستحيل التنبؤ بحصول حدث ما في المنظومات ، إذا أُخذ ذلك الحدث منفرداً عن الأحداث الأخرى المجاورة له. وهكذا نجد أن الإنسان قادر مبدئياً على التنبؤ بوقوع الكوارث ، كالسونامي والبراكين وإنقراض الأنواع ، أو الأزمات الإجتماعية كالثورات والإنتفاضات وأعمال العصيان ، أو الإقتصادية كإلإنهيارات الحاصلة في السوق والعملة وغيرها ، وبالتالي ربما السيطرة عليها ، إذا أستخدم نظرية بير باك في التنظيم الذاتي الحرج ، وقوانين القدرة الناتجة عنها ، في تحليل وسبر أغوار المنظومات الكونية التي تبدو لنا ظاهرياً مضطربة وغارقة في الفوضى والتعقيد. وفي نهاية الموضوع نذكّر بما كتبه الشاعر الألماني جوته: "تجري الطبيعة حسب هواها ، وما نظنه مستثنى من ذلك ، يحدث بنظام".
    أكاديمي وكاتب عراقي مقيم في الولايات المتحدة
    التعليقات
    أضف تعليق
    اسمكم:
    بريدكم الالكتروني:
    عنوان التعليق:
    التعليق:
    اتجاه التعليق:
    © 2005 - 2017 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit