صدى الديموقراطية في عراق الاوتوقراطيات
    السبت 21 أبريل / نيسان 2007 - 23:43:09
    الديموقراطية اسلوب لادارة حياة المجتمعات البشرية ، وكمصطلح اجتماعي فرضت نفسها في سجل القاموس السياسي للحضارات التي سبقت ظهور الاسلام في عهد الاغريق القدامى . والحاجة الى الديموقراطية {سلطة الشعب } منذ بداية تاريخ المجتمع البشري ولا تزال كانت رغبة جماهيرية ملحة دافعها الوحيد التحرر من نير الاستبداد والتعسف والقهر الاجتماعي بانهاء طغيان الاوتوقراطية {سلطة الذات الفرد} ، والنمط الاوتوقراطي في ادارة شوؤن الدولة والشعب لا يزال فاعلا الى يومنا هذا في العديد من دول العالم ولكن بدرجات متباينة وبمسميات مختلفة .
    جميع الكيانات البشرية والتجمعات السكانية بمختلف اجناسها وعلى امتداد عشرات القرون ساهمت في كفاح دموي مرير من اجل ترسيخ المبادئ الديمقراطية في مجتمعاتها و الشعوب الاوروبية كانت في طليعة الامم الى جانب بعض شعوب القارة الامريكية التي استطاعت ان تتوج صراعها الطويل مع القطب المضاد بالنصر بعد ان دحرت اوتوقراطية القياصرة والاباطرة . ان هذا الانجاز التاريخي العظيم المتمثل بالغاء النظام الاوتوقراطي وارساء الاسس الديمقراطية في ادارة المجتمع في اوروبا لم تستكمل الا بعد استكمال عملية عزل سلطة الكنيسة عن الدولة . لقد توقفت الكنيسة من التدخل في شوؤن الدولة و تفرغت كليا الى ممارسة واجبها الديني المقدس والمتمثل بتهذيب الروح البشرية ونشر قيم المحبة والسلام والصفاء والتسامح داخل مساحة المؤسسات الدينية الرسمية بل وتعدى ذلك بعد الحرب العالمية الثانية الى المساهمة في دعم نشاط الدولة في انعاش الحياة الاجتماعية من خلال مساهمتها في انجاز المستشفيات العلاجية والجامعات العلمية وكذلك حماية ورعاية الايتام والمشردين والمحتاجين من جميع الاقوام والاجناس في جميع بقاع العالم . اما الحياة السياسية بكافة مفاصلها الاجتماعية والاقتصادية والصناعية والزراعية والعلمية والادبية والثقافية والفنية انيطت الى النخب الواعية في المجتمع تحت ادارة الاحزاب السياسية في الدولة وهكذا ازدهرت البلدان الاوروبية ووصلت الى ناصية سامية من الرقي الحضاري يتمتع على عتبتها جميع المواطنين بالعيش الرغيد ويستمتعون بمباهج الحياة على كوكبنا الجميل ــ الارض .
    رغم اختلاف القوميات والمذاهب الكنائسية و سعة المساحة الجغرافية للقارة الاوروبية وفارق المقطع الزمني لتاريخ شعوبها افلح الجميع في التحرر من امبراطوريات الاغريق والاستعمار الاجنبي والانظمة الدكتاتورية وبناء حياة ديمقراطية زاهية على اطلال الاوتوقراطية البائدة . ان تحقيق النجاحات في بناء المجتمعات الديمقراطية لم تكن هبة من السماء او من خارج الحدود وانما بالاعتماد التام على العامل الداخلي ( الذاتي ) لكل دولة بذاتها ، والعملية الديمقراطية لم ولن تنتهي فهي في تطور مستمر وتسير بثبات نحو الافضل باتجاه الرقي اللامتناهي وفق المنطق الحتمي لحركة الشعوب .
    من هذا المنظور نحاول تتبع المسيرة التحررية للمجتمع العراقي وموقع الديمقراطية فيها منذ تشكيل الدولة العراقية بعد سقوط الامبراطورية العثمانية وصولا الىالفوضى السياسية التي نتخبط فيها الان وبشكل خاص منذ عامين بالاستعانة بنظريات المعرفة واستخدام المنطق العلمي رافضين كل الادوات الاجتهادية في تفسير الامور باليات قومية اودينية او مذهبيه .
    سنحاول ايجاد الاجوبة لتساؤلات الشارع العراقي ...العراق الى اين ؟ لماذا حصل هذا البؤس ؟ هل هناك امكانية للخروج من الازمة ؟ كيف ؟

    العراق الى اين ؟
    شهدت الحركة التحررية الوطنية العراقية منذ ثورة العشرين انتفاضات شعبية ووثبات جماهيرية وحركات عسكرية وكذلك نشاط مسلح لتنظيمات شعبية من مقاتلين مفعمين بالروح الوطنية وعلى درجة عالية من قدرة قتالية وكفاءة عسكرية وبمساهمة جميع الاحزاب والتيارات الفكرية الوطنية من اقصى اليسار الماركسي الى القوى الدينية وبمشاركة قوى سياسية قومية عربية وكوردية وتركمانية وفئات واسعة من الازيديين والصابئة والمسيحيين ويهود من اجل تحقيق تحولات ديموقراطية ، وعلى امتداد هذا التاريخ النضالي الطويل لم يتحقق النصر الا في 14 تموز 1958 . ان ثورة الضباط الوطنيين بقيادة الشهيد الزعيم عبد الكريم قاسم لم تستطع مقارعة العامل الخارجي ( الدول الاجنبية ) التي اسرعت الى اجهاضها بالدم وتصفية كل صوت يرتفع مناديا بالديموقراطية ، وانهارت ثورة تموز بتاثيرالدور السلبي للعامل الخارجي ولو شاءت للثورة ان تحضى بالدعم الخارجي لبقت فتية الى يومنا هذا . لم تثني هذه الهزيمة عزيمة القوى والاحزاب السياسية وجماهيرها في مواصلة كفاحها وصراعها من اجل الديمقراطية الى ان حل 9 نيسان 2003 حيث جرى على ارضنا الزكية استنساخ لعملية فاشلة في فرض الديموقراطية من الخارج بقوة السلاح ومن قبل قطعات عسكرية اجنبية وبالاتفاق والتخطيط والتضامن السياسي والعسكري مع جميع قوى المعارضة العراقية والتي تقود العملية السياسية الان في العراق . لقد حصل فعلا تغييرجذري ( ثوري ) في اسس النظام السياسي المقبور ولكن لم يصاحبه تغير جذري تقدمي على صعيد الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بل في بعض المفاصل المهمة تراجع كثيرا عما كان عليه في النظام السياسي البائد ولا يوجد في الافق المنظور ما يطمئن المواطنين من جميع الفصائل القومية والدينية والمذهبية بتحسن وضعهم المعاشي والامني فيما لو بقى طاقم القيادة السياسية نفسه في غرفة قيادة سفينة العراق .

    لماذا حصل هذا البؤس ؟
    يبدو اليوم ان التهيئة للتغيير الذي حصل في 9 نيسان تخللتها روى وحسابات نظرية خاطئة اهمها في وجهة نظرنا :
    1) غياب او قصرالتحليل العلمي السليم للقوى الداخلة في العملية السياسية وخصائص تركيبتها الاجتماعية بابعادها القومية والدينية والمذهبية وجرى استصغار دور وتاثير سذاجة ملايين من ابناء الشعب في العملية الديمقراطية ، في حين بعض القوى السياسية قد استغلت هذه الحالة واستهلكتها كورقة رابحة في اليد .
    2) ان غالبية قيادات النخب السياسية لم تكن تمتلك ، وبعضها لحد الان ، قاعدة اجتماعية متجانسة تمثل شريحة لطبقة اقتصادية في رحم المجتمع العراقي ، هذه الحالة الهجينة تمثل اليوم الحلقة المفقودة بين القاعدة الجماهيرية والقيادة السياسية لغالبية الاحزاب ، وان غياب هذا الترابط يفسر سبب غياب التمثيل الفعلي والدفاع الحقيقي عن مصالح فئة واسعة جدا هي بالاساس مجهولة رغم حضورها ميدانيا ولكنها منسية في المجتمع ، حيث اكثر من 10 ملايين يعيشون حالة الفقر المدقع ، واكثر من مليون يعانون من المجاعة ! . ترى من يمثل هولاء في حكومة الرئاسات الثلاث ؟ ، من تبنى قضاياهم المعاشية ؟ ، ومن يدافع عن مصالحهم ؟ ، وماذا انجز لهم في هذا المضمار ؟ ، ومن وفى بوعده ؟ .
    3) الشعارات ، القومية منها والطائفية والمذهبية والدفاع عنها حتى اخر قطرة دم التي رفعتها الكثير من الاطراف السياسية منذ عقدين من الزمن اثبتت الاحداث ومع مرالايام بانها كانت زائفة ، وان كانت صادقة في البداية فان عزيمتهم قد انهارت امام مغريات كعكة سلطة الحكم .
    4) القوى السياسية التي ساهمت وباركت اسقاط النظام البائد لم تعتصم بحبل الوطنية العراقية بمشروع ذو ثوابت متفق عليها مقدما وبشكل حازم وجازم وانما اكتفوا بالاتفاق باسقاط النظام وطرح مفاهيم وشعارات عامة خاضعة لاجتهادات وسهلة التنصل منها ، وهذا بدوره ادى الى انحلال الشان السياسي .
    5) اكبر خطا مورس اثناء التهيئة لاسقاط النظام كان تجاهل عامل الدين والاسلام السياسي ودورهما في مجتمع تشكل فيه الجهل والامية العقبة الرئيسية امام التطور الفكري والحضاري ، مجتمع حرم من جميع الحقوق الديمقراطية لعقود طوال ، مجتمع حيث الديموقراطية غائبه عن افكاره وتصوراته ولم يمارسها قط ، مجتمع يجهل معنى الديمقراطية ونصف افراده عاجز عن كتابة كلمة الديمقراطية بسبب الامية المطلقة ، مجتمع خضع جيلين منه لتربية وتوعية ومعاناة قسرية لافكارمنافية ومعادية للديموقراطية ، مجتمع عزلت ممارسات القمع الدموي للنظام البائد الشرائح الاجتماعية من التواصل مع نخبه السياسية المتواجدة خارج الحدود او على قمم الجبال او في اعماق الاهوار.
    6) ان الاحتراز من العواقب السلبية المتوقعة لما بعد 9 نيسان 2003 لم يكن كافيا ولم يحسب لها حسابا دقيقا ، لقد مورس وطبق ما حدث في افغانستان رغم ان الاحداث اثبتت منذ نهاية سبعينات القرن الماضي عدم جدواها مرتين ، في المرة الاولى قررت الاتحاد السوفيتي و تحت لافتة الديمقراطية الاشتراكية فرض ارادتها بقوة الدبابات في مجتمع كان ولا يزال يعيش غالبيته في اجواء لا تمت بالحضارة الانسانية المعاصرة بصلة وعليه فشلت هذه المحاولة فشلا ذريعا وساهمت بدورها في الاسراع بسقوط الدولة السوفيتية ، اما المرة الثانية فكانت من قبل امريكا وحلف ناتو بعنوان ديمقراطية العولمة ولم يحسم الوضع لحد الان رغم مرور 5 سنوات . والمشهد العراقي اليوم ما هو الا امتداد لنفس الشريط السينمائي ، وهنا ايضا احتمال الفشل وللاسف الشديد وارد جدا وبوادره ظاهرة منذ مدة للعيان وهو واقع يومي معاش ما لم يجري الاسراع في حسم الموقف داخليا (عراقيا) وهذا يتطلب احداث تغيير جذري لمنهج المحاصصة في هيكلية الدولة ومؤسساتها وتصحيح مسار العملية السياسية لتنصب في بودقة الوحدة الوطنية والغاء الطائفية في المحفل السياسي وبترها من بنية الدولة العراقية ورفض تحزيب الدين وتسييسه وحصر نشاط رجالات الدين وكما هو معهود في مساحات دور العبادة في ممارسة واجباتهم الدينية الجليلة في تهذيب النفس البشرية وتقويم سلوك الانسان المؤمن وتربيته بروح المحبة والسلام والاخاء وترسيخ قاعدة المفاهيم والقيم الانسانية النبيلة التي يدعو اليها الدين الاسلامي الحنيف شانه في ذلك شان جميع الاديان السماوية وليس العكس ، الواجب الديني يحتم على رجالات الدين شن هجمة تثقيفية معادية للطائفية ونشر روح الوطنية الخلاقة من منطلقات انسانية تستهجن وترفض الشعوبية والمذهبية وتحترم كل الاديان والمعتقدات التي تؤمن بها اطياف المجتمع العراقي . لقد اثبتت الاحداث مرة اخرى ان خضوع السلطة السياسية لارادة الموئسسة الدينية هو سلوك مناهض لمفاهيم ومبادئ الديمقراطية وتطبيق خاطئ لها ونتيجتها الحتمية هي فشل العملية السياسية ، وما الخراب البشري والمادي والروحي التي نعيشها الان في العراق الا دليل ساطع مؤلم على ذلك الفشل . ان بؤس رجالات الاسلام السياسي عندنا تزيد من معاناة شعبنا وترهق كاهله بؤسا وياسا خاصة عندما يسمع المواطن العراقي تصريحات قادته وممثليه وتقيماتهم للفاجعة الاليمة التي يعاني منها الشعب العراقي ... حيث ينفي كل من الطرفين السني والشيعي المعطيات الرقمية للطرف الاخر عن عدد الشهداء اللذين سقطوا ضحايا الارهاب ومستصغرين عدد الشهداء من {المعسكر} الاخر وكانهم وثنيين من كوكب المريخ ! ، كل من الطرفين يتباكى ويتشكى بان عدد شهدائه اكبر من الطائفة الاخرى متجاهلين ان الضحايا المساكين من الطرفين هم مواطنون عراقيون ابرياء ، عرب مسلمون ترى اين تكمن الوطنية ناهيك عن الديمقراطية في هذا المشهد اللانساني والمخالف لكل تعاليم ومبادئ الدين الاسلامي الحنيف ؟. كيف لنا ان ننسج ونحقق ديمقراطية تنسجم مع هذه الاحداثيات والمحاور الدينية والطائفية في العملية السياسية كالتي يشهدها العراق حاليا ؟ . هل استنبط قادتنا مسيسي الدين وزعماء القوميات والمذاهب فلسفة جديدة ونظريات حديثة لمفهوم الديمقراطية من قبيل استحداث مفاهيم وافكار لديمقراطيات دينية واخرى طائفية وقومية في المجتمع السياسي المعاصر ؟ . ان الديمقراطية في خضم نموها وعلى امتداد مسيرتها عبر الاف السنين قد تعززت بمفاهيم جديدة واغتنت يمضامين جديدة فهي لم تعد تقتصر على سيادة سلطة الشعب {الاغلبية العددية} وانما اقترنت بمبادئ الحرية والسلام والمساواة والعدل والانصاف وكسب الثقافة وتنوير الفكر واحترام الراى الاخر ... لم تكن الديمقراطية في يوم من الايام شعارا دينيا ولم ياتي ذكرها في اي من الكتب السماوية الثلاث . الديمقراطية منهج وسلوك سياسي في المجتمع الدنيوي تؤمن بها وتمارسها بعض الاحزاب والحركات السياسية والاجتماعية الليبراللية التي تنفي الشمولية في الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية في المجتمع بل وحتى في الطبيعة ، الديمقراطية هي المبدا والاداة الوحيدة المؤهلة لتحقيق التعايش السياسي والعدالة الاجتماعية ، ولا وجود لاي مفهوم او مرجع فكري بديلا للديمقراطية في تحقيق العدالة الاجتماعية حتى في اصغر جزيرة في المحيط . اما بخصوص دور وتاثير العامل الخارجي في تعزيز ودعم العملية الديمقراطية نقول ما من شك المؤتمرات العربية والاقليمية والدولية تلعب دورا ايجابيا في دعم المساعي والجهود التي تبذلها مختلف الاطراف الوطنية والخارجية في ايجاد مخرج من الازمة الخانقة ، هذه المؤتمرات رغم التمثيل الدبلوماسي الرفيع المستوى و حضور رؤساء وقادة دول ومساهمة منظمة الامم المتحدة ... الخ تبقى فاعليتها وتاثيرها محدودة في انهاء الصراع الدائر، لان حسم الامور في نهاية المطاف هو رهن بارادة ومواقف الاطراف العراقية المهتمة والمنشغلة والمعنية بتطورات الاحداث السياسية وتفاعلاتها مع ميزان القوى السياسية والميليشياتية على الساحة العراقية . نشير هنا الى ضرورة استخلاص الدروس والعبر من حالة الصراع الاسرائيلي ــ الفلسطيني اذ رغم كل الجهود والوساطات العربية والدولية والثقل الدبلوماسي الامريكي خلال سنوات العشر الاخيرة نجد ان الفلسطيني يسقط اليوم شهيدا في الغزة برصاص فلسطيني على اثر مواجهة مسلحة بين فتح وحماس !.
    ان دوامة الانهيار الامني في العراق وضبابية مراكز صنع القرار السياسي وهلامية منظومة الشبكة الحكومية ومحدودية سلطة مجلس الوزراء في فرض سيادة القانون وكذلك عجز مجلس النواب عن تمثيله الفعلي للشعب وعدم تحقيقه اية مكاسب لمطالب الجماهير المسحوقة وعدم اصدار قوانين تحقق وتستجيب لطموح واحتياجات الجماهير الشعبية وخضوع تشريعات مجلس النواب الى املائات قادة الكتل السياسية المهيمنة حكوميا والتهافت المستمرعلى تحقيق المزيد من المكاسب والامتيازات الفئوية والذاتية ، هي معطيات عراقية للاطراف التي تقود العملية السياسية ... وتشير كلها بوضوح الى ان مكامن الخلل قابعة في هيكلية مؤسسات صنع القرار السياسي وفي الاطراف المتشعبة عنها . ان تصحيح مسار العملية السياسية وتقويم النهج الوطني الديمقراطي بات معقدا ومعالجته يستوجب اعادة النظر في مجمل نشاط الهيكل السياسي للدولة بدا من المكونات البشرية والتشريعية ، اما الاتكال على مؤتمرات محلية ( استعراضية ) واخرى اقليمية وحتى الدولية والاعتقاد بانها تحمل بيدها مفتاح حل الازمة العراقية فهي في نظرنا احد شيئين لا ثالث لهما ،اما جهل سياسي وقصر نظر وطني عند اولئك اللذين يتاملون الحل من المحيط الخارجي للساحة السياسية العراقية واما انها محاولات لتكريس الفوضى السياسية والفلتان الامني لضمان الصيرورة .

    لماذا لم ترى الديمقراطية النور في العراق ؟
    من الحقائق الثابتة ان العامل الخارجي ( قوات الاحتلا ل التحالف ) نجح في ازالة النظام الدكتاتوري الدموي واستئصال المنظومة الشمولية و بدون رجعة من الحياة السياسية في المجتمع ، وكان هذا انجازا تاريخيا عظيما فتح الابواب على مصراعيها امام نسيم الديمقراطية. لقداطلق العنان للعامل الداخلي ( القوى السياسية المحلية المسيرة للمجتمع ) للاستفادة من المناخ السياسي الجديد الذي حمل في فضائه بذور الديمقراطية من اجل غرسها في شتى مجالات الحياة اليومية على الصعيد السياسي والاجتماعي والفكري وبهدف توعية وتربية وتثقيف الجماهير بالمبادئ الانسانية السامية للديمقراطية بدء من الحرية الواعية وانتهاء بالسلام والعدل والانصاف والمساواة في الحقوق والواجبات دون ادنى تمييزبين مكوناته البشرية . الا ان الديمقراطية التي كان ينتظر ولادتها بعيد اول انتخابات تشريعية في 31 كانون الثاني 2005 لا تزال جنين في رحم التحرير ومهددة للاسف الشديد بالاختناق . طيلة 80 عاما اخفق الشعب العراقي في تحقيق الديمقراطية بسبب القمع الذي مارسته القوى الخارجية ، في حين مهدت لنا القوى الخارجية منذ اربع سنوات مضت طريق بناء الديمقراطية وكانت فرصة تاريخية تطلبت تسخير كل الطاقات البشرية في المجتمع من اجل الاسراع في بناء المنظومة الديمقراطية الا انه ، وللاسف الشديد ، قيادات بعض القوى السياسية التي وصلت ليديها زمام امور قيادة الدولة الحديثة تنكرت حتى لمصالح الفئات الاجتماعية التي يفترض ان تمثلها وسارعت الى اغتصاب روح الديموقراطية قبل ولادة جسدها وساهم الجميع في عملية الاغتيال هذه تحت قبة البرلمان بسلاح المحاصصة ، وكانت النتيجة ان وصلت البلاد الى حالة مؤلمة يعجزالمرء عن وصفه . يلاحظ المواطن ان بعض قيادات النخب السياسية الحاكمة قد تراجعت عن مواقفها السابقة وهي تتحفظ اليوم في ترديد كلمة الديمقراطية في تصريحاتها وخطبها السياسية لانها تدرك جيدا بان الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والفكري ، ناهيك الامني السائد في الحياة اليومية لا يجمعه جامع مع المبادئ الديمقراطية بل تحول العراق الى ما يشبه حقل لفطريات اوتوقراطية . ومن هنا اول استنتاج يمكن للمرء ان يستخلصه مما سبق هو ان الحديث عن ديموقراطية انتخابات تشريعية وديموقراطية مجلس نواب وديوقراطية مجلس وزراء وديموقراطية حكومة عراقية هوحديث لا يزكيه الواقع والمسافة اليها مرتبطة بفاصل زمني تحكمه مستجدات العملية السياسية .....

    الى اي مدى كانت عملية الانتخابات التشريعية وما اعقبها ديمقراطية؟
    ان السمة الديمقراطية الوحيدة التي اكتسبتها الانتخابات التشريعية اقتصرت على تعددية القوائم المتنافسة وعدم حصرها على حزب واحد كما كان في عهد النظام الصدامي الشمولي السابق وما عدا ذلك فقد انتابت العملية الانتخابية جملة من الممارسات اللاديمقراطية وبقوة السلاح ونزيف الدم احيانا ... فمن التهديد بعدم انتخاب القائمة الفلانية الى التهديد بحتمية انتخاب القائمة الفلانية ، ناهيك عن التزوير بجميع المراحل وباشكال ودرجات مختلفة ، اضافة الى ما صاحب هذه العملية من فساد اداري ـ مالي ارتبطت ببعض اركان المفوضية العليا للنزاهة ، كل هذه المعطيات تلغي وصف العملية ونتائجها بانها كانت ديمقراطية . ومن جهة اخرى اصطفاف القوائم الانتخابية تحت مسميات قومية ودينية ، بطوائف ومذاهب ، قد جردت عمليا الانتخابات من كونها عملية انتخابات تشريعية لاختيار طاقم سياسي لادارة دفة الحكم وحولتها الى ما يشبه لتعداد سكاني تعكس الحالة الاحصائية للقوميات والاديان والطوائف ، من الطبيعي اذن ان نجد اليوم اغتراب النخبة السياسية عن جماهير اصبحت منسية بعد ان صعدت على اكتافها الى المقاعد الرئاسية ...
    ان هذا المنهج اللاديمقراطي استمر بالاتساع افقيا وعموديا وشمل هرم الدولة بكافة مؤسساته التشريعية والتنفيذية واكتسبت بحق تسمية المحاصصة الطائفية والاثنية بعد ان جرى سلخ برعم الديمقراطية الفتية من جسد الدولة الحديثة العهد . ولم يكن نصيب الدستور من معانقة الديمقراطية افضل حالا ، فقد منع قرابة 3 ملايين ناخب من المقيمين خارج الوطن بالمساهمة بالتصويت ! علما ان التصويت على الدستور جرى قبل ان يطلع المواطن العراقي على صيغته النهائية والتي صادق عليه مجلس النواب في الدقائق الاخيرة رغم عدم استكمال مرتكزاته المحورية لغاية يومنا هذا من قبيل الاقاليم وتوزيع الثروة النفطية وحقوق المراة ...الخ .

    العلاج يكمن في استئصال المحاصصة الطائفية وكل ما ترتب عنها
    ان الخروج من هذه الازمة جذريا لن تسعفها الخطة الامنية مهما اشتد ربآطة جاش رجالها ولن تنفعها زيادة عديد القوات الامريكية في بغداد ولا الاجراءات المرحلية بغلق الحدود وتشديد المراقبة ولا العزف عند الشدائد على وتر تآخئ العراقيين من زاخو الى الفاو ولن تنفع المعنيين من تحميل القاعدة والصداميين فقط مسئولية تردي الاوضاع المعاشية الى جانب المخابرات الاجنبية التي اتخذت من العراق ساحه لصراعاتها الدولية والاقليمية . نذكر مجددا ما سبق وان طرحنا في البدء بان العامل الخارجي من شانه دعم او عرقلة العملية السياسية بهذا القدر او ذاك ولكن الحسم كل الحسم مرتبط بالعامل الداخلي ، بعناصر القوي الداخلية المسيرة للعملية السياسية والتي اثبتت مسيرتها المكللة بالمحاصصة الطائفية والمستندة الى برنامج خاوي من مشروع وانجازاتها التي اقتصرت على الوعود وخلقت بيئة انشطارية في مركز القرار السياسي ادت الى تعددية قادت الى زعزعة ثقة الجماهير بالمسئولين من رجالات الحكومة والبرلمان والاحزاب بل وحتى من بعض رجال الدين . لقد نفذ صبر الشارع العراقي من العيش في حالة وفاة واعية امنيا واجتماعيا واقتصاديا ولملايين منهم مغتربا ، على حكومة الرئاسات الثلاث عدم تقديم التبريرات وانما الاعتراف بالفشل والاعلان رسميا عن اجتثاث المحاصصة الطائفية والعرقية من القاموس السياسي والاجتماعي في العراق وطلب المغفرة من الضحايا وعوائلهم لانهم سقطوا مغدورين شهداء محاصصتهم الطائفية وتعويضهم بالمال والاطراف الاصطناعية وعربات المقعدين . ان الاحتراب السياسي وصل الى ذروته وامتد ليشمل كيانات مجمع الرئاسات الثلاث على اعلى المستويات وانتقل الاحتراب السياسي الرئاسي الى عتبة التناحروالاقصاء ليثبت وجوده وفاعليته عبراختراقه القلب النابض للديمقراطية ـ مجلس النواب. ان الحكومة العراقية مدعوة الى التحلي بالجراة والاعلان عن مسئوليتها في تحمل الجزء الاكبر من الكارثة والاقدام على الجلوس اليوم قبل الغد حول مائدة مستديرة جنبا الى جنب مع كافة القوى الوطنية العراقية المنضوية تحت قبة البرلمان وخارجها بدون اية شروط مسبقة والدخول في مفاوضات والتحاور حول مشروع وطني صادق لانقاذ الوطن من التفكك والمواطنين من الموت فقرا او اغتيالا ، على الطرف الحكومي استغلال مبادرة القائمة العراقية الوطنية بالمشروع الذي طرحتها واستخدام المشروع كمرجع مهم للانطلاق نحو التلاحم اللاطائفي والتكاثف الوطني والاتفاق حول الامور الامنية والاجتماعية والاقتصادية التي تكفل الحياة الهنيئة لجميع العراقيين بدون الوان او مسميات ، لقد دقت ساعة العمل الوطني وواجب كل حريص على مستقبل العراق متحزبين ومستقلين المساهمة الجادة وبكل نكران ذات في ارساء سفينة العراق عند شاطئ الامان قبل فوات الاوان ، فالعاصفة القادمة هوجاء مدمرة ...

    د . مهران موشيخ
    التعليقات
    أضف تعليق
    اسمكم:
    بريدكم الالكتروني:
    عنوان التعليق:
    التعليق:
    اتجاه التعليق:
    شروط التعليق:لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى لائق بالتعليقات لكونها تعبر عن مدى تقدم وثقافة صاحب التعليق علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط
    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media