الأرامل المعيلات لأسرهن.. صورة يومية بائسة في أسواق البصرة... معظم الأرامل يرفضن (زواج المتعة) الذي شاع أخيرا
البصرة: جاسم داخل "الشرق الأوسط" - «منذ أن ترملت قبل أكثر من ثلاث سنوات لم يطرق باب داري أخ أو قريب، ولا احد يسأل عن أيتامي الثلاثة، بنتين وولد، تركهم والدهم لي ورحل في حادث انفجار سيارة ملغومة». هذا ما تقوله هاشمية محمد علي، 29 عاما.
واضافت هاشمية لـ«الشرق الأوسط»: «بعد ان قلت حيلتي أمام الأفواه المفتوحة لأطفالي الصغار دخلت إلى السوق لأعمل أي شي وبدأت بجمع الخبز اليابس من البيوت وبيعه على مخازن بيع الأعلاف في البصرة القديمة..»، مشيرة إلى أنها تعود إلى بيتها في منتصف النهار حاملة معها ما يسد رمق الأيتام الذين ينتظرون وهم «زغب الحواصل».
ومن جهتها، قالت تاجية عباس، 36 عاما، «إن نساء الأرياف والنواحي لا يستخدمن علب حليب الأطفال الذي يوزع على العوائل بموجب البطاقة التموينية فتقوم بعد رحلات شاقة بشرائه وإعادة بيعه في أسواق المحافظة وبفارق السعر، تتمكن من سد حاجة أربعة من أولادها اليتامى ووالدتها العجوز..».
وترى نجمة مهاوي، 32 عاما، «إن كل واحد من إخوتي وأقاربي لاه في معيشته لمواجهة الظروف الصعبة، وإنهم قدموا لي مساعدات محدودة في الأيام الأولى من وفاة زوجي، إلا إن توفير لقمة الخبز لخمسة أطفال شيء في غاية الصعوبة، فاضطررت وبمساعدة واحدة من قريباتي أن اشتري منذ الصباح الباكر كميات من الخضراوات بسعر الجملة وأبيعها بالمفرد على المتسوقين».
هؤلاء النسوة اجمعن في إجاباتهن عن أسباب البقاء على أوضاعهن الاجتماعية منذ رحيل أزواجهن، وعدم الاقتران بأزواج جدد يعيلوهن على تربية أولادهن ومواجهة الحياة المعاشية الصعبة، بالتأكيد على أن البطالة وعدم الاستقرار جعلت الزواج آخر اهتمامات الرجال، وإذا أراد احدهم أن يتزوج فانه بالتأكيد سيختار من بين آلاف العوانس الموظفات اللواتي يتقاضين رواتب مجزية..».
وقالت أخرى إن «الزواج الأكثر رواجا في ظل النظام الجديد هو ما يسمى بـ«زواج المتعة»، على الرغم من رفضه من قبل الكثير من الأرامل، إلا ان البعض اضطررن إليه تحت وطأة وقسوة الظروف»، مشيرة إلى انه زواج سري ومرفوض اجتماعيا وانه يكون لفترة محددة من الزمن.
وحملت كريمة عبودي الحكومة مسؤولية عدم توفير حياة كريمة لاولادها بعد موت والدهم، اثر انفجار عبوة ناسفة في الطريق العام، وقالت «إنها راجعت دوائر الرعاية الاجتماعية وطرقت أبواب المسؤولين فوجدتهم غير قادرين على معالجة المشاكل الاجتماعية، وان قدراتهم أدنى من إيجاد الحلول لعوائل الشهداء القدماء منهم من ضحايا المقابر الجماعية والجدد من تداعيات أعمال العنف وآلاف العوائل الهاربة من العنف الطائفي والمتضررين وغيرهم». وأشارت إلى أن «الراتب الشهري الذي تصرفه الدولة للأسر المشمولين بالرعاية الاجتماعية لا يزيد في أحسن الأحوال عن 75 ألف دينار (ما يعادل 60 دولارا). وأضافت سليمة مخور ان «أمهات الأيتام لا يطمئن إلى إيداع أولادهن في دار الدولة لرعاية الأيتام، التي تعتمد بشكل أساسي على دعم الميسورين من أبناء المدينة»، مشيرة إلى ان فضائح دار الأيتام في بغداد دليل على انشغال الحكومة والأحزاب بخلافاتها وعدم الاهتمام بشرائح المجتمع من ذوي الاحتياجات الخاصة.. وأكدت بسخرية إن «كل الذي حصلنا عليه من حكومة الإئتلاف هو إطعامنا الديمقراطية بالفطور، والشفافية في الغداء، والفيدرالية في العشاء». ولجأت بعض الأرامل إلى إحياء الصناعات الشعبية التي اندثر قسم منها واستجدت الحاجة إليها، لمواجهة بعض متطلبات العوائل، منها غزل الصوف وصناعة البسط وأنواع من السجاد، وبناء التنانير (افران) الطين وسف البواري والحصران ومكانس ومهاف الخوص وليف الاستحمام.
وقالت حذام يوسف (باحثة اجتماعية)، ان «اتساع ظاهرة النساء الأرامل المعيلات لأسرهن، هي واحدة من نتائج الحروب التي أحدثت خللا في النسيج الاجتماعي، كما أن انخفاض مستوى المعيشة سبب انفلات العرف الاجتماعي الضابط لإيقاع الحياة الكريمة». وكشف تقرير المنسق الإنساني للمنظمة الدولية في العراق، الذي صدر أخيرا واطلعت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، عن زيادة أعداد الأرامل اللواتي يعلن أسرهن، إذ لم تتمكن وزارة الشؤون الاجتماعية من إحصاء كامل للأعداد التي بلغت لحد النصف الأول من العام الحالي 565 ألف أرملة، فيما يصبح في كل يوم 400 طفل يتيما في بغداد لوحدها نتيجة أعمال العنف. كما ارتفعت معدلات الطلاق 22% من عام 2003 ـ 2006، في حين تراجعت نسبة الزواج لنفس الفترة إلى 50%، بحسب إحصاءات وزارة العدل العراقية.