سكان الأحياء الشيعية ينقلبون على جيش المهدي.. ويبلغون الأميركيين عنهم..أحدهم قال: يقتلون من أجل بطاقة جوال لا يتعدى ثمنها 10 دولارات
بغداد: سابرينا تافرنيز «نيويورك تايمز» - في عدد من الاحياء الشيعية في بغداد، بدأ السكان في الابتعاد عن جيش المهدي، الميليشيا الشيعية التي كانوا يعتبرونها في يوم من الايام الحامي الوحيد لهم ضد المتطرفين السنة، والان اصبحوا يقاومونها باعتبارها «عصابة» بلا آيديولوجيا.
ومشاعر الشيعة المتشددة في بغداد تفتح فرصة للقوات الاميركية، التي عانت طويلا من جيش المهدي، حيث يعتمد القادة الاميركيون بشكل متزايد على العشائر والقيادات المحلية في تنفيذ مهام الحرب.
وقد تغير المنظور الطائفي، حيث هزم المتطرفون السنة في عدد من الاحياء الشيعية، وتحولت الحرب في تلك الاماكن الى جرائم لا تهتم عادة بالانتماء الطائفي. وفي لقاءات مع عشر شخصيات شيعية من اربعة أحياء في شرق وغرب بغداد، تحدثوا عن كيفية انقلاب جيش المهدي على الشيعة، كوسيلة للبحث عن مصادر للدخل.
ويبدو النموذج اقل وضوحا في الاحياء التي يبذل فيها السنة والشيعة جهدا للسيطرة. فمدينة الصدر، وهي اكبر حي شيعي في بغداد، حيث يعتبر جيش المهدي تنظيما سياسيا اكثر منه عسكريا، نجت من موجة الاجرام. ومن بين الناس الذين قتلوا في حي الطوبجي في الشهرين الماضيين، كما ذكر السكان المحليون، صاحب محل ادوات كهربائية، وبائع حلوى، ورجل ثري وثلاث نساء، واثنان من اعضاء المجلس البلدي المحلي وطفلان عمراهما 9 و11 سنة على التوالي. كانت مجموعة يائسة يربط بينها شيء واحد: شيعة قتلهم شيعة. ويلوم السكان جيش المهدي، الذي يسيطر على الحي.
وقالت احدى الامهات من حي الطوبجي، كانت جارتها، وهي شيعية واحدة من الضحايا «يعرف الجميع من هم القتلة. انا شيعية، وادعو لله لمعاقبتهم». وتنتشر نفس المشاعر في احياء اخرى.
وقال سيد صباح وهو شيعي يدير جمعية خيرية في حي الحرية، غرب بغداد، اعتقدنا انهم جنود يدافعون عن الشيعة. ولكننا نرى انهم صبية قتلة، ليس اكثر من ذلك. ويريد الناس التخلص منهم».
وفي الوقت الذي لا يزال يسيطر جيش المهدي على معظم الاحياء الشيعية، فإن الادلة المبكرة على ان الشيعة بدأوا في معارضة بعض جوانب الميليشيا اخذت في الظهور في القواعد الاميركية. فقد بدأ عدد من الشيوخ الشيعة، وهم قواعد الميليشيا التقليدية، في الاتصال بالاميركيين، كما فعلت القبائل السنية في اوائل العام الحالي. كما زادت الاخباريات الدقيقة التي تصل للاميركيين، كما ذكر المسؤولون.
وقال الميجور مارك برادي من خلية المصالحة والتعامل قسم بغداد المتعددة الجنسيات، ان الشيعة «يشاركون بطريقة لم يسبق لها مثيل». واضاف «لا بد ان امرا ما ليس صحيحا اذا ما خاطروا بالاتصال بالخط الساخن او الاتصال بمحطات الأمن المشتركة»، وهي قواعد اميركية صغيرة في الاحياء العراقية تم تشكيلها بعد زيادة عدد القوات.
وقال علي وهو رجل اعمال في حي اور شرق بغداد، الذي لم يرد مثل كل الذين جرت مقابلتهم، استخدام اسمه خوفا من التعرض لهجوم «كل شئ يتغير. والان في منطقتنا ولأول مرة يقول الجميع: جيش المهدي للجحيم». واضاف «ليس بصوت عال في الشوارع، ولكن بين الاصدقاء والاسر. كل رجل وامرأة يقول ذلك».
ولا تحمل ميليشيات الشوارع الموجودة اليوم أي شبه بجيش المهدي عام 2004، عندما قاتل الشيعة من اتباع مقتدى الصدر الجنود الاميركيين في عملية لتأكيد الذات. وكان المقاتلون انذاك يؤدون عملا آخر في الاحياء بتقديم المساعدات للاسرة المحتاجة. والآن بعد مرور ثلاث سنوات ترك كثير من الأعضاء العنف خلفهم وتسلموا وظائف على مستوى الحكومة المحلية او الوطنية، فيما تحول آخرون الى الجريمة والمتاجرة في السيارات او المنازل المملوكة لأموات او ضحايا النزاع، الذين اضطروا الى النزوح من السنّة والشيعة على حد سواء. حتى الخريطة السكانية تغيرت. مسلحو الشوارع باتوا من المراهقين الذين ينتمون الى اسر غير مستقرة، ويعكس هذا الواقع نجاحا عسكريا اميركيا. فقد بدأ الجيش الاميركي حملة مشددة لاعتقال كبار القادة مما اوجد فراغا في السلطة وترك أعضاء الميليشيات من دون توجيه. ويقول عباس، وهو تاجر قطع غيار سيارات في حي جنوب بغداد، ان مسلحي الميليشيات الآن من العناصر الشابة. وكان أحد اقرباء عباس قد قتل برصاصة في فمه عقابا له على الاساءة لاحد أعضاء ميليشيا المهدي. وقال عباس ان السكان باتوا يكرهون اعضاء هذه الميليشيات.
واحد من القتلة المعروفين في الطوبجي، يدعى حيدر رحيم، من مواليد عام 1989. ويقول السكان ان رحيم وبعض زملائه قتلوا بالرصاص امرأة مطلقة تدعى ايمان أمام منزلها، وقال المسلحون انه قتلوها لأنها عاهرة. وبعد وقت قصير من قتلها جاء المسلحون بأشخاص لاستئجار منزلها. وتقول جارة لإيمان ان عناصر الميليشيات صبية لديهم أموال وسيارات. وكان سكان المنازل المجاورة في حالة من الخوف الشديد الى درجة ان جثتها تركت في بركة من الدماء لمدة تزيد على ساعة الى ان نقلتها السلطات. وشاهد الجيران ابن ايمان، البالغ من العمر ثماني سنوات، وهو يبكي الى جوار جثتها. ويقول جار آخر، قتل والده العضو في المجلس المحلي، ان أعضاء الميليشيات متعطشون للدماء ولا يترددون في قتل اسرة بكاملها من اجل بطاقة رصيد هاتف جوال لا يتعدى ثمنها 10 دولارات. قتل رحيم بعد حوالي شهر من ذلك الوقت. ووضعت صورته على لافتة تذكارية نصبت بالقرب من مطعم في حي الطوبجي. قال البعض ان الاميركيين هم الذين قتلوه، إلا ان آخرين اكدوا ان عراقيين قتلوه. وقال متحدث باسم مكتب الصدر في حي الشعلة، اكبر أحياء الشيعة شمال الطوبجي، ان لا معلومات لديهم بشأن حوادث القتل، لكنهم اشاروا الى ان الاعمال المخالفة للقانون ارتكبها مجرمون يدعون انهم ينتمون الى جيش المهدي. وأضاف المتحدث، الذي يطلق على نفسه ابو جعفر، قائلا ان كثيرين يدعون انهم ينتمون الى جيش المهدي، وأكد ان مكتب الصدر لا يتحمل مسؤولية أي شخص يروع الناس، سنّة كانوا ام شيعة. مستويات العنف تتفاوت في الجنوب الشيعي، حيث تتصارع الميليشيات الشيعية على السلطة. وكان حجم الميليشيات، من ناحية عدد الأعضاء، قد ازداد عقب تفجير مرقد شيعي في فبراير (شباط) 2006. وتسبب ذلك التغيير في إرباك الجانب التنظيمي داخل الميليشيات التي باتت تنخرط في صفوفها أعداد متزايدة من الشباب الغاضبين المتعطشين للانتقام، علما بأن لبعضهم سجلات اجرامية. المجرمون تسببوا في تشويه صورة المنظمة. وتراجعت اسعار السيارات المستعملة بسبب بيع اعضاء الميليشيات سيارات ضحاياهم. وكان شيخ مدينة الصدر قد اصدر فتوى تسمح بمصادرة ممتلكات اعضاء الميليشيات السنية الذين ينظرون الى الشيعة كونهم اصحاب بدع، إلا ان كثيرين منهم نظروا الى الفتوى كونها رخصة مفتوحة تسمح بمصادرة الممتلكات ما دام الضحية من المنتمين الى المذهب السنّي. ووصف قائد في ميليشيات جيش المهدي النظام الذي ترسل بموجبه سيارات الضحايا الى شمال العراق ضمن قوافل من المقاتلين الأكراد العائدين من عطلاتهم العسكرية. بالنسبة لياسر العضو السابق في الميليشيا والبالغ من العمر 35 سنة، فإنه شاهد تفككها عن قريب، حيث جاءت الضربة الأخيرة لها حينما اختطف ابن عمه رجل الأعمال الثري على يد أعضاء من جيش المهدي في المنطقة. ثم قتل لاحقا. قال ياسر: «لا تسميه جيش المهدي، إنه جيش المهدي حينما يمتلك أفراده ضميرا». وفي آخر محاولة لإعادة التحكم والاحترام لميليشياته أصدر الصدر أمرا بتجميد كل أنشطة جيش المهدي المسلحة في أغسطس (اب) الماضي. وقال أبو جعفر المتحدث باسمه إن «الهدف من البيان هو كشف الناس السيئين الذين يدعون العضوية إلى جيش المهدي والسماح لقوات الأمن للتعامل معهم». وبينما استمرت الاضطرابات في الطوبجي التي تعتبر منطقة يعيش فيها بعض أعضاء الميليشيا الأكثر فقرا، فإن الانشطة توقفت في مدينة الصدر التي تعد قاعدة أكثر قادة جيش المهدي الكبار وهؤلاء أصبحوا أثرياء وأخذوا مواقع سياسية.
وقال رجل الأعمال علي «في البداية نحن لم نكن نتمكن من سياقة سياراتنا، ولم نتمكن من المشي لأنهم كانوا يمتلكون بنادق رشاشة كلاشنكوف ومسدسات في الشارع. والآن هم اختفوا. ليس هناك أي شيء. لا تستطيع أن ترى أي أثر لهؤلاء الناس».
ومثل الكثير من الشيعة يعزو عباس تاجر قطع غيار السيارات الانسحاب الواسع من جيش المهدي إلى دقة جديدة راح الأميركيون يحققونها في اعتقالاتهم، بفضل إخباريات يقدمها السكان الشيعة. واستثمر آمرو الوحدات الأميركيون مثل الليفتنانت كولونيل ديفيد أوكلاندر، من اللواء الثاني التابع للفرقة 82 المحمولة جوا، التي تتحمل مسؤولية مدينة الصدر ومناطق شيعية أخرى في بغداد، هذا التعاون. وقال إنه خلال الشهر ونصف الشهر الماضيين بدأ القادة الشيعة بالاتصال بالاميركيين. وأصبح اللواء الآن يعمل مع 25 شيخ عشيرة في المناطق الشيعية، مثل حي الشعب وحي أور، وهو يقوم بمقابلة حوالي 1200 مرشح للعمل كحرس في المناطق. ويقارن الليفتنانت كولونيل أوكلاندر التحول في المناطق الشيعية إلى ما يجري في المناطق السنية التي بدأت تواجه القاعدة في وادي الرافدين التي تمثل السنة المتطرفين وتقول وكالات الاستخبارات الأميركية إنها بقيادة أجانب. وفي بعض الحالات يبدو السكان أكثر استعدادا للوقوف في وجه جيش المهدي. ففي الطوبجي رفض عدد من رجال الأعمال دفع أموال لحمايتهم لأعضاء من جيش المهدي هذا الشهر. وانتشرت الأخبار في الحي. وقبل أربعة أشهر قتل سائق شاحنة في القطاع الواقع تحت إشراف الليفتنانت كولونيل أوكلاندر بعد رفض صاحب الشاحنة التي يعمل السائق بها دفع نقود حماية. وانتقاما من هذا النوع أصبح نادرا حاليا.
وقال علي رجل الأعمال من حي أور إنه يتوقع أن يصبح جيش المهدي أصغر بكثير مما هو عليه في المستقبل. والناس ما عادوا يصدقون ما يقوله القادة. وأضاف: «ما عادوا يمتلكون أي آيديولوجية». وكدليل على قوله ذكر حكاية من منطقته حول رجل دين وحيازة سيارة. قال علي «كان رجلا فقيرا لكنه الآن يمتلك سيارة مرسيدس بنز. النبي محمد لم يكن يملك حتى حصانا».