من تداعيات عدم فاعلية أجهزة الكشف عن المتفجرات
الأثنين 8 فبراير / شباط 2010 - 20:09:38
في العراق , من السهولة معرفة الانتماء والعائدية الحزبية سواء للصحيفة او القناة التلفزيونية او خطب الجمعة في بيوت الله . فقد بلغ الاستقطاب أشده , والصراعات طالت أبناء الطائفة الواحدة , والقائمة الواحدة , بل والحزب الواحد . فكم هي الانشقاقات التي حصلت تحت لافتة الخلافات الفكرية والمبدئية , وأبرزها ( طبعاً ) الخلافات في تحديد اولويات احتياجات الشعب العراقي , وكيفية الوصول لإنهاء معاناة هذا الشعب المنكوب . ومشكلة استيراد الكلاب البوليسية في الكشف عن المتفجرات تأتي ( في تحديد اولويات احتياجات الشعب العراقي , وكيفية الوصول لإنهاء معاناة هذا الشعب المنكوب ) . إذ ليس من المعقول أن يكون هناك خلاف فكري أو مبدئي بين هذه الكلاب ( السلوكَية ) وبين اغلب القيادات السياسية للأحزاب العراقية .
مثلما هو معروف , كان الكشف عن فضيحة عدم فاعلية أجهزة كشف المتفجرات التي استوردت بمبالغ خيالية فوق سعرها الحقيقي من بريطانيا تسبب الحرج لبعض القيادات السياسية , ومنعا لتطور الاتهامات والتخوين , وانشغال البرلمانيين العراقيين بها, وتركهم معالجة قضايا وطنية أكثر ضراوة من أجهزة كشف المتفجرات , خرج علينا اللواء قاسم عطا الناطق الرسمي لقوات بغداد , وأكد مثلما اظهر في خروجه السابق : إن الوضعية تحت السيطرة , وشكلت لجنة للتحقيق . وفي نفس الوقت جري القيام بتجربة عملية أمام جميع ممثلي الكتل السياسية , وذلك بتمرير الجهاز عل كيس ابيض . واخذ الجهاز يصرخ بأعلى صوته , مما دفع بحماس جماعة المدافعين عن الجهاز للتصفيق , وترديد: الله اكبر , الله اكبر , وسط ذهول الذين اتهموا الجهاز . إلا أن احد جماعة المدافعين اخبر الطرف المذهول : بأن الكيس ( دوّه حمّام ) , وهي مادة كيماوية أشبه بالنورة تستخدم في الشرق الأوسط لإزالة الشعر . مما أعاد الثقة للمذهولين وزاد حماسهم في تأكيد فشل الجهاز , وقال ممثلهم : ان هذا الكيس ( دوّه حمّام ) وليس مواد متفجرة . فأجابه نظيره من الطرف الآخر وبشكل قاطع: بربك إذا مع (دوّه الحمّام ) هيج صرخ ؟ ويه المتفجرات شراح ايسوي ؟!
الأمريكان من جانبهم مشغولين باعادة المجتثين من البعثيين إلى العملية الانتخابية , التي حرّم الدستور ترشيحهم إليها . ومنعا لتطور مشكلة صراخ الجهاز من (دوّه الحمّام) الذي سبب في زيادة الخلاف بين قيادات الكتل السياسية , بادرت قيادة القوات الأمريكية بطرح فكرة استيراد الكلاب البوليسية المدربة للكشف عن المتفجرات . ومثل أية قضية في العراق أصبحت موضع خلاف بين مؤيد ومعارض , و ابرز المؤيدين البعثيين المجتثين , وكما هي عادتهم في المساومة , دخول الكلاب الأمريكية مقابل دخولهم العملية الانتخابية . وكان اكبر المعارضين بعض المجاميع في التيار الصدري , ولهم كل الحق في الاعتراض , وقد يعتقد البعض ان اعتراضهم لأسباب دينية , حيث ان ملامسة الكلاب تدخل في باب النجاسة , إلا إن اعتراضهم مشبع بالعلمانية وليس مع هذا التوقع .
يقول جماعة التيار : ان الكلاب التي دربت على شم المتفجرات مكلفة , وفي نفس الوقت فنحن شعب يعاني من البطالة , وبدل الكلاب يمكن تعيين الكثير من شباب التيار , وهم أكثر كفاءة من هذه الكلاب , حيث يستطيعون الكشف عن المتفجرات ليس بالشم فقط , بل وبالرفس أيضا. ومن خلالهم يمكن السيطرة على باقي الظواهر السلبية الأخرى , مثل القمار , وشرب الخمور , ومنع مظاهر التحلل الأخلاقي , واستهتار طلبة جامعة البصرة, والعراقيون يشهدون لهم بذلك . ويؤكد صدري آخر : إن هذه المجموعة تخاف من الكلاب , لأنهم يعتقدون إنها تكشف عن المخدرات أيضا .
الدكتور موفق الربيعي رئيس حزب الوسط , وبحكم تجربته الغنية السابقة حيث كان مستشارا للأمن القومي , دعم موقف جماعة الصدريين , بإثارته الشك من احتمال ان تكون الكلاب نسخة صينية أو كورية , أي ليست أصلية , وعندها سيكون قد ضحك علينا مرّة أخرى , بعد أجهزة الكشف الأولى . وحفظا لسلامة الكرامة العراقية , وبحكم كونه طبيبا , اقترح جلب مختبر من مستشفاه في لندن - على أن تدفع الحكومة مصاريفه – للكشف عن الكلاب إن كانت أصلية أو مقلدة . والجهاز عبارة عن حوض ماء يتم إنزال الكلب فيه , ويبقى رأسه فقط فوق سطح الماء , ويتم تخويف الكلب بعصا غليظة , فإذ لم يبق بق الماء فان الكلب أصيل , أما إذا بق بق فان الكلب نسخة مصنعة , وعندها يتم كشف اللعبة .
من العار على العراقيين أن يتم توقيف رئيس الشركة المنتجة لهذه الأجهزة , ويودع السجن من قبل الشرطة البريطانية , وبسبب هذه الصفقة , رغم ما جاء به من أرباح لدولته , والعراقيون لم يتمكنوا من محاسبة , أو الإشارة لأي مسئول لغرض التحقيق عدا لجنة تحقيق قاسم عطا الكسيحة . وقد حرف الموضوع من سرقة عشرات الملايين من الدولارات , وما تركته من آثار دموية راح ضحيتها مئات العراقيين بين شهيد وجريح , الى ان ينحصر الجدل : هل هي صالحة ام
ام لا ؟ واغلب المسئولين لحد الآن يؤكدون صلاحيتها !! ويعتقد اغلب العراقيين ان الكشف عن جريمة شراء هذه الأجهزة جاء بسبب الصراع الانتخابي , وليس بسبب الحفاظ على أرواح العراقيين . العراقيون يأملون ان لا ترحّل مهزلة الكلاب الحالية الى دورات البرلمان الجديد , فقد سئموا النباح , وباتوا يفرقون جيدا بين نباح الكلب الخائف , والآخر المتملق , وثالث يسرق ما ائتمنوه عليه , ورابع جربوع ....الخ .