(مهرجان) المربد.... تكريس للثقافة الحزبية الشعارية الشفاهية
الأربعاء 17 فبراير / شباط 2010 - 23:18:50
يكفي بحث صغير في احد محركات البحث الالكترونية ليرينا درجة الإجماع عند الكتّاب والمثقفين العراقيين، على ضحالة (مهرجان) المربد وتواضع مستواه وتردّيه عاما بعد عام، وجل هؤلاء الكتّاب كانوا من المشاركين في المهرجان، ومن الذين خبروه ربما عبر سنوات من المشاركة، ووصلوا إلى قناعة راسخة بتفاهته في وضعه هذا؛ الا ان معظمهم يحجم عن الكتابة عنه الا بعد انتهائه في موجة عارمة من الكتابات التي تستمر مدة قصيرة بعد انتهاء كل مربد ثم سرعان ما تخبو لتبدأ العام التالي دورة جديدة، وقد يكون استعراض سريع كافيا لإعطاء صورة واضحة لآراء عشرات من الشهود العدول، الذين وصفوا المرابد الماضية بمختلف الصفات:
فقد قال (كريم شغيدل) "لقد صار المربد عبئا على حياتنا الثقافية، حاولنا مخلصين أن يكون فسحة أمل ثقافية ولكن دون جدوى، هناك صراعات معلنة وخفية مابين الوزارة واتحاد البصرة والاتحاد المركزي" ويصف المربد "بالمستوى المتواضع... فقدْ فَقَد المهرجان هيبته وأهميته بسبب الارتجال وسوء التنظيم وفقدان التقاليد الثقافية".
وشخص (جمال جاسم أمين) احد أسباب الإخفاق إلى "ميل المؤسسة المزمن إلى روح الاحتفال العائم لا إلى ثقافة التأسيس والتجذير" واصفا (الاحتفال) بأنه "لا يخدم الثقافة ولا المبدع بل يخدم المؤسسة التي تريد أن تقول احتفلنا!!".
ووصف (شوقي كريم) هؤلاء الذين يهيمنون على الثقافة بقوله "ليس ثمة مشروع لهؤلاء الآتين الجدد، بل محاولات للتمسك بإرث كانوا يرفضونه، ويتهمونه بما يرغبون من تهم، فالمربد مهرجان النظام السابق، وهو الذي أسهم في تفخيم الصنم فلم الإصرار على استمراره؟!!!" فقد"أجهزت وزارة الثقافة بلجنتها العليا، ومن تبعها على ما تبقى فلا المربد غدا مربدا، ولا الشعراء شعراء... وقد بدا موظفو وزارة الثقافة يتصرفون إزاء مثقفي العراق بتعال وكأنهم أصحاب فضل، متناسين إنما هم جاؤوا للإدارة لا غير، والوزارة لا يمكن أن تحل محل المبدع... لقد قتل المربد بسكاكين الحكومة ووزارتها... ولا داعي لان نبدد أموال الفقراء تحت حجة الثقافة".
وقد وصفت (نجاة عبد الله) البعض من القائمين على المربد "بوجوه غريبة تزبد وترعد وأخرى تدس انفها في قزان الثقافة... وان اغلب المشاركين هم من فئة الإعلاميين"، ووصف (بشير حاجم) الجلسات "معظم القراءات مجانية"، بينما أكد (مهدي القريشي) على "هيمنة وزارة الثقافة على المهرجان من خلال المدعوين الحكوميين من الوزارة وما لحق من اهانات بالأدباء".
ولخص (هاشم البصري) اخفاقات مهرجان المربد الإدارية والفنية التي ساهمت بتراجع اسمه وخفوت جماهيريته اولا، بما اسماه (الهيجان الأمني) ... حيث عانت الجلسات من التشدد الأمني المبالغ فيه وكم الأسلحة والمعدات الأمنية، والتي وصلت حد الهمجية التي تجسدت بقيام حراس وكيل وزارة الثقافة (جابر الجابري) بالإعتداء بالضرب الجسدي على الشاعر والإعلامي صفاء ذياب، الذي كان يقوم بتغطية صحفية من شأنها ان تنجح المهرجان وتدعمه، وثانيا، تخص دور اتحاد أدباء البصرة وهيئته الإدارية التي غيبت بشكل غريب الأسماء الشابة المميزة في المدينة وكأن المدينة بلا جيل جديد وكأن لا شعراء في البصرة الاّ أعضاء الهيئة الإدارية!!، وثالثا، تواصلت خيبة المهرجان مع المطبوعات التي رافقته والتي حجزت أيضا لأعضاء الهيئة الإدارية التي طبعت أعمالها على حساب شركة ( أسيا سيل) إضافة إلى جريدة المربد هذه الجريدة التي أحسسنا ان القائمين عليها لا يعرفون كيف يملئون صفحاتها للدرجة التي جعلتهم يضعون نص شعري لشاعرة سعودية! لا علاقة ولا ناقة لها في المهرجان ولا جمل!!!.
ولخّص (مظلوم العراقي) اسباب فشل مهرجان المربد باحجام الكتّاب عن مناقشة الجدوى الحقيقية للمهرجانات في خلق ثقافة وطنية عراقية تساهم في تأسيس تجربة ديمقراطية حقيقة وان جل ما يكتب هو (تباكي) على سوء الخدمات المقدمة لهم!!، رغم انهم يعاودون ويؤكد ان كل المهرجانات محكومة بالفشل قبل قيامها لأسباب جوهرية لا خلاص منها، وثانيا، الفشل البنيوي الذي تعاني منه الجهات (المتصارعة - المتضامنة) على إقامته كل عام، وهي: وزارة الثقافة العراقية، واتحاد الأدباء والكتاب العراقيين المقر العام في بغداد، واتحاد الأدباء والكتاب العراقيين في البصرة، فان وجود أجندة متناقضة، ومن ثم متصارعة، جعل المربد ميدانا للتنافس والصراع بين هذه القوى الثلاث التي تخرج بغنائم تختلف في حجمه كل عام، بينما يكون هنالك خاسر دائم، انه الأدب والثقافة والشعر والثقافة والاهم منها كلها المثقفون، وثالثا، إصرار الحكومة على أن وزارة بمثل بؤس وهزال وزارة الثقافة العراقية التي اسماها صفاء خلف (وزارة السخافة العراقية)، هي المسؤولة عن تدبير شؤون الثقافة العراقية التي تخطت في مستوى وعيها ونتاجها الإبداعي تفاهات موظفي الدرجة الأولى في ما، وان قصر نظر الحكومة كبير حين لا ترى حلا للثقافة العراقية إلا من خلال وزارة الثقافة؛ التي لا شفاء للثقافة العراقية إلا بكنس عشرات من موظفات وموظفين (كبار) منها، او كنس وزارة الثقافة بالكامل وإيجاد آلية لتقوم المنظمات الثقافية العراقية التابعة للمجتمع المدني بتسيير شؤون الثقافة من خلال تخصيص ميزانيات لها من المال العام. بينما تعاني الهيئات الفاعلة في تنظيم المربد من اتحاد الأدباء والكتاب بشقيه: المقر العام وفرع البصرة، من نقاط خلل كبيرة بسبب ضحالة توجهات تلك الهيئات الإدارية ومكوناتها، ومصالحها الضيقة.ّ
وقد كشف آخرون جوانب أخرى من الإخفاقات المستديمة والمزمنة في مهرجان المربد منهم: هيثم محسن جاسم، وجاسم العايف، وحميد المختار، وعادل الهاشمي، وإبراهيم الخياط، وناظم السعود، وكاظم غيلان، وتوفيق التميمي وعشرات غيرهم مما يضيق المجال لسرد آرائهم هنا.
ما الحل إذن؟، الا يكمن في إلغاء المربد، أو ربما في تسليمه إلى جهة واحدة تقيمه وتتحمل كامل المسؤولية عن فشله، وما هي هذه الجهة، هل هي جامعة البصرة مثلا، وهي جهة نجحت في ملتقيات سابقة، أم واحدة من القوى الثلاث المتصارعة عليه، وما الحل لمشاكل الثقافة المزمنة في العراق؟ وما هي حلولها، وهل أن مهرجان المربد لم يكن إلا مناسبة لإظهار الخلل البنيوي للثقافة العراقية؟.
برإينا، ان هنالك قوتين متعاكستين بالمصالح، ومن ثم بالرؤية، بشأن واقع الثقافة العراقية: واحدة تحاول ان تكرس المهرجانات باعتبارها أهم التجّسدات الثقافية التي وجدت وزارة الثقافة من اجلها، أو ربما التي وجدت الثقافة من اجلها، وهي رؤية سياسية بامتياز ورثناها، كما ورثنا كل مخلفات العهد السابق وتبناها العهد الجديد مما أفاد الجمهرة الحاكمة من السياسيين الآن فأبقت عليها ومنحتها قدرا من التبجيل والدعم والتكريس، وهذه الرؤية تنتمي إلى نمط غابر متوارث من ثقافة شفاهية يتم الترويج لها بفعل وسائل الإعلام السطحية، ووسائل الإعلام الشفاهية التي تتغذى على مثل هذه الفعاليات هي الأخرى ومنها بالدرجة الأولى الفضائيات، أما الرؤية الثانية المختلفة والمناهضة لها فتعتبر الكتابة والمدونات النصية أهم تجسدات الثقافة الرفيعة.
ونظرا لتكريس الحكومة بوسائلها المختلفة للاتجاه الأول الذي يخدم أهدافها الإعلامية، فقد امتلك الاتجاه المهرجاناتي الشفاهي وسائل القوة الاقتصادية، ووسائل الإعلام والسلطة؛ مما جعل جهات محسوبة على الاتجاه الثاني الراكز للثقافة بتقديم مزيد من التنازلات التي تؤدي إلى تكريس الشعارية والمهرجاناتية.
ان هذا التوجه يتكرر كل عام ولكنه ينتهي إلى سيل من المقالات التي تلعن إخفاقات ولا جدوى مثل هذه المهرجانات الدعائية التي لا تختلف عن أهداف وزارة إعلام النظام السابق، ويبدو ان تصريح المصدر المسؤول في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراقي السيد إبراهيم الخياط، الناطق الإعلامي لاتحاد الأدباء، وهو تصريح قرأته ملخصا ونشر في صحيفة تاتو الأدبية التي تصدر في بغداد (العدد 11 في 15 كانون الثاني 2010)، كان تصريحا يهدف أولا إلى إثبات اختلاف مربد العام الحالي عن المرابد السابقة؛ وذلك من خلال إضفاء مسحة تجميلية له من خلال الحرص على القول بأنه سينطوي على عدد من الإضافات النوعية كالعروض المسرحية، والفقرات الغنائية والموسيقية، ومعرض للكتاب، ومحور للنقد التطبيقي لقصائد المهرجان ذاته.
ان كل تلك الإضافات (النوعية) ستتبخر، كما تبخرت سابقاتها، عند أول لحظة تعود منها الوفود المشاركة وهي محملة بكم هائل من ذكريات الأخطاء والنواقص التي ترتكب كل عام في مهرجان المربد، وأحيانا بالاهانات التي كان يتعرض لها العديد من المثقفين، كل عام، على أيدي حماية بعض السياسيين المحسوبين على الأدب بشكل من الأشكال، فيبدأ مسلسل التشنيع الذي يقوده بعض من المدعوين، وقسم منهم مدمنون على الحضور كل مرة، ويبدأ نشر المقالات التي تطالب بإلغاء هذا المهرجان، ولكن بعد ان يكونوا قد عادوا منه، مما دفعنا لان نكتب الآن هنا قبل قيام المؤتمر داعين إلى إلغائه وتأسيس بدائل ثقافية تؤسس لواقع ثقافي جديد.
واذا كان لابد من اقامة هذا المهرجان فأول ما يواجه القائمين عليه حقيقة انه غالبا ما يكون تشكيل الوفود في المربد خاضعا إلى معايير لا تمت إلى الثقافة بصلة، فهل يمكن لأحد ان ينسى وفد وزارة الثقافة الذي يضم، كل عام، موظفي وموظفات الوزارة ومدراء البيوت الثقافية، وأعضاء الهيئات الإدارية لفروع اتحاد الأدباء في المحافظات وكل هؤلاء معنيون بدرجة طفيفة بالثقافة بمعناها الرصين، ولكنهم (معظمهم) يصلحون روادا بشكل كفء للمهرجانات بدءاً من أعلى موظفي ومستشاري وزارة الثقافة، وانتهاء بأدنى درجة وظيفية فيها، وهو حال ينطبق على الهيئات الإدارية لفروع اتحاد الأدباء وهو أكثر المعنيين بفعاليات مؤتمر أدبي كالمربد، ففروع الاتحاد هم غالبا من (أدباء) ان اثبتوا كفاءةً غالبا ما تكون كفاءةً إدارية لا علاقة لها ولا بالمنصب الذي تحتله (بأدبية) أو (ثقافية) أي واحد منهم، والكثير منهم تفننوا في إدارة مصالحهم الشخصية، ولا يمتلك معظمهم الوزن الثقافي المحسوس إلا ما ندر، فنحن نفترض ان اللجنة العليا للمهرجان يجب ان تتوفر على قدر من الدراية بالوضع (الثقافي) والوزن الثقافي الذي يتيح لها حسن اختيار المشاركين بشكل يغطي الواقع الثقافي في المحافظات، لا ان يترك الأمر لمجموعة لا تمتلك من المؤهلات سوى أنهم أعضاء في الهيئات الإدارية للاتحادات الفرعية متناسين كما كبيرا من أولئك الذين لهم موقع محسوس في عالم الثقافة والنشر وليس المناصب الإدارية، ونقترح ان تتولى لجنة تقوم بوضع مؤهلات الكتابة والنشر ميزانها الأول والأخير، ونقترح عليهم البحث في محركات البحث كجوجل وغيره أو أرشيفات الصحف أو المكتبات لمعرفة الكتّاب الفاعلين في الثقافة العراقي.
أما الحل الناجع برأينا، وهو حل يجنب الواقع الثقافي كل الأخطاء التي ترتكب كل عام دون محصول ثقافي حقيقي، فهو تحويل مبالغ كل المهرجانات الإعلانية التي يوظفها موظفو وزارة الثقافة لأهداف التحريض ضد بعضهم بعضا، ولأهداف حزبية مخزية، وبوسائل حزبية مخزية كذلك، وكما حدث في مهرجان الحبوبي قبل الأخير، تحويلها لدعم الكتّاب بتقديم تسهيلات لنشر مؤلفاتهم أو تقديم دعم اجتماعي لهم أو رعاية صحية أو أي شكل من أشكال الدعم الذي يسهل عليهم ضنك العيش أو صعوبات تحقيق حاجاتهم التي هي غالبا ما يكون مردودها ثقافيا بالأساس، باعتبارهم شريحة طلقت ملذات الدنيا وانقطعت لصالح القراءة والتأليف والبحث الثقافي.