اعتقد أنّ فكرة وفلسفة الصندوق الأسود غدت واضحة.
فهو أسود الغرض وليس أسود اللون.
فقد رُبطت أجهزته بشكلٍ لا يمكن معها تعقّب أسلاكها أو تمييز ألوانها.
فهي مغلّفةٌ بأغلفةٍ كألوان الحرباء لا تكاد أن تؤشّر على الأخضر منه إلّا بدا وكأنّه أزرق.
أمّا الشفرة المستخدمة في تثبيت بياناته وقراءتها، فهي تكاد تقترب بالنسبة لنا ـ العالم الأسود ـ قاب قوسين أو أدنى من الغيب.
الشيء الوحيد الذي بإمكاننا ـ حتّى البسطاء منّا ـ أن نعرفه ونجزم به هو أنّه مُصنّعٌ ومنظّمٌ في الخارج.
فليس بإمكان أحد تغيير بياناته وتخطئتها أو تصحيحها إلّا الخارج فهو خارجيٌّ بامتياز.
وهو أسود الأجندة وليس أسود الشخصيّات.
فشخصيّاته تلبس كلّ ما هو ملوّنٍ ومزوّق.
بعد أن تغسل بشرتها وتنظّفها من كلّ ما هو أسود وكلّ ما هو قذر.
وتُلقي بغسيلها في كلّ الطرقات.
ثمّ تخرج بحلّةٍ قشيبةٍ وتتفادى أن يمسّ باطن أحذيتها ذلك الغسيل.
وتبقى تصرخ عالياً وتؤلّب الغادي والرائح على المستوى الذي وصلته الأوضاع حيث فقدت قدرتها على الاختيال والتبختر في طرقات (العوام).
بقي شيء فاتني أن أذكره وهو أنّي اكتشفت أخيراً أنّ هذا الصندوق الأسود مطليٌّ من الخارج ـ أيضاً ـ بصباغٍ أحمر برّاق اللون.
ولكنّنا عندما نعثر عليه يكون قد شابه وعلق به الكثير ممّا اصطدم به أو تطاير عليه.
بالضبط كما هو الحال في الدماء التي تُراق في الأسواق والمرائب والساحات والأزقّة المكدّسة فيها نفايات تلك الشخصيّات.
الفارق الوحيد بين الاثنين أنّ باطن ذلك الصندوق يبقى على حاله من التنظيم كما هو الخارج الذي نظّمه، بل إنّ ذلك يؤدّي إلى ترابط الخارج أكثر من خلال معالجته العوامل التي تسبّبت في ذلك.
أمّا الباطن الذي أُريقت منه تلك الدماء فإنّه يُصبح ممزّقاً متطاير الأشلاء.
بل إنّها تؤثّر حتّى على تمزيق المحيط الذي أريقت فيه والجهات التي ترتبط به وتدعمه من قريب أو بعيد.
الأمل الوحيد ـ لدى البعض ـ للخلاص من ذلك الوضع الأسود هو أن يتولّى تنظيمه ـ جملةً وتفصيلاً ـ الخارج الذي صاغ وبرمج الصندوق الأسود.
ولا مانع لديه من أن يبقى أسود الملامح والصفات ما دام مستقرّاً آمناً ـ ولو على مستوى امتلاء البطون والخزانات ـ .
فلا داعي للتفكير في محاولة التوصّل إلى صندوقٍ محلّيّ الصنع معلوم الخرائط والبيانات أبيض العلائم والدخيلات.
عبد الكريم الجنابي
4/3/2010
الصندوق الأسود! -1-
عبد الكريم الجنابي