قصة قصيرة.. العيدية
الأحد 7 مارس / أذار 2010 - 05:06:27
لم أكن راغبة كثيرا في تلبية دعوة أقارب لي لزيارتهم في العيد , وطالما تذرعت بأسباب واختلقت حججا أبرر لهم بها عدم رغبتي . لكني في النهاية وبعد تردد رضخت لإلحاحهم وتوسلاتهم , ونجحوا في أثارة حنيني إلى أماكن قضيت فيها سنوات من عمر طفولتي السعيد . ويبدو أن أمرا رتب له القدر لا يمكن أن يحول دون وقوعه شيء .
عبرنا فوق جسر عائم يربط بين ضفتين أحسدهما .. لأنهما تلامسان أبدا فراتا فاتنا . ثم سرنا في دروب ضيقة وملتوية تظللها أشجار أطلت من أسوار البيوت القديمة , تحف بنا نسمات بواكير الشتاء الباردة . لم أكن أجهل جغرافية المكان تماما , وحتى بيت أقاربي , أحسست بأنني أعرف جيدا بعض زواياه كأنني رأيتها بالأمس وبدا لي بأن حياتهم تجري كما كانت في الماضي .
توسطت الجلسة في ديوانيتهم بين رجال ونساء ظلوا يكررون جميعهم نفس عبارات الترحيب والتعبير عن المودة والاشتياق , رغم أن كثيرا منهم لم يروني قبلا ولا أعرفهم فقد كان البيت يضم ثلاثة أجيال . وبعد حديث طويل ومشوق عن العيد وطقوس العيد في القرية والمدينة , غادر الرجال الديوانية . ثم انصرفت البنات والكنات والحفيدات إلى المطبخ وتركوني مع العجائز أواجه حشرية في أسئلتهن لم تزعجني كثيرا واستعنت عليها بالكذب أحيانا .
كنت ما أزال ممتلئة بشعور البهجة الذي أنعشته الطبيعة الجميلة وزاده تجمع الصغار عند باب الديوانية ينظرون ألي بفضولهم البريء المحبب ويضحكون بحياء ويختبئون خلف بعضهم حين ابتسم لهم . تسعدني دائما ضحكات الصغار لي فمشاعرهم حقيقية لاتعرف النفاق . وكان مثيرا أن لا أرى أي مظهر للعيد على هيئات هؤلاء الصغار بعكس أمهاتهم , بل إن بعضهم كانوا عراة تماما , الذكور منهم بالطبع . ويخيل لي أن الكبار أحيانا يجدون لذة في عري صغارهم بقدر ما يجد الصغار . ورأيتها معهم .
كانت نحيلة شاحبة الوجه , شعرها الأشقر وحشي الترتيب بضفائر قصيرة ورفيعة . ظلت واقفة في مكانها تنظر إلي بعد أن تفرق الصغار الآخرون في كل اتجاه . ابتسمت لها , لكنها لم تبادلني ابتسامتي ولا أبدت خجلا ولا حتى أومأت إيماءة بسيطة . شعرت بخيبة لم أتوقعها ثم قلت لنفسي لعلها تريد أن تنبهني إلى إنها غير بقية الصغار , وكانت تبدو أكبر منهم بسنتين أو ثلاث . نادت أحدى النساء على ابنتها لتأخذ الخرساء إلى أهلها .
البنت خرساء إذن ! , تطبق فمها الرقيق على صمتها وليس على ابتسامة حبستها وحرمتني متعة الإحساس بإعجاب الصغار بي . وسألت " أليس لها أسم ؟ " . لا ادري لماذا حين يولد الأنسان بنقص في خلقته أو يبتليه الله به في حياته يصبح ذلك النقص اسمه الذي يميزه الكاملون به . قالت المرأة إنها نسيت اسم الصغيرة .
بدأ شعور البهجة الذي دخلت به يتضاءل شيئا فشيئا حتى تلاشى , وداهمني الضجر فجأة ليفقدني أي اهتمام بما يجري من حولي . ولم يكن ثمة حديث يمكنني التواصل به مع الأخريات سوى ما أرد به على أسئلتهن , وألا فماهمني أنا من بقرة ترفض التعشير أو ابن صبيحة الذي صار عضوا في مجلس الناحية ؟ , وماذا يعني أن يموت معمر القرية ؟ , رجل قرض إحدى عشرة سنة بعد مئة , ثم يسألن كيف مات ! .
مرغمة تصنعت وجها باسما وأنا أتفرج واستمع إلى كلام مهدور في وقت مهدور وضحكات وهمهمات ضجيجها يثقب الرأس , ولغير سبب ما , التفت صوب الباب فإذا الخرساء أمامي . كانت تقف في نفس مكانها وتحدق بي بعينين ثابتتين لم يرف لهما جفن . استوقفت نظراتها قلبي وشدت انتباهي شفتاها المزمومتان أكثر مما فعلته أفواه حولي مفتوحة حتى للهواء . وفي لحظات توقف سريان الزمن عندي واستدرجت روحها الصغيرة روحي , اجتازتا أبعاد الزمن بينهما وتآلفتا ورسمت لي نظراتها طريقا أخذني بعيدا عن الضجر الخانق . لكني رأيت في نظراتها هذه المرة شيئا لايشبه فضول الصغار تجاه الغرباء .
تأملت فيها محاولة تفسير لغتها وتصورت بأنها لا تعرف معنى أن تكون خرساء سوى إنها لا تفعل مثلما يفعل الآخرون . أحسست بأنها تسأل بجهل وبراءة لماذا , وسمعت أصداء داخل نفسي تسأل بنفس حروف السؤال التي لم تعرفها , لماذا ؟ . لك في ذلك حكمة يا الهي ولكن لماذا سلبتها نعمة النطق وغصنها مازال طريا لم يتفتح للحياة ؟ لماذا لم تدعها لتعرفها ثم بعد ذلك تمتحن أيمانها وصبرها على البلاء , عندما تعرف معنى الإيمان والصبر ؟ . ربما نكون نحن المقصودون بالامتحان . ولكن من منا لم يسأل الله ولو مرة واحدة في حياته لماذا . لا أظن أن بشرا على الأرض , حتى وأن كان قديسا , استوقفته حكمة الهية عجز فهمها ولم يسأل لماذا . أم إن الامتحان في أن لا نسأل ؟ .
فجأة امتدت يد وسحبت الخرساء لتبعدها عن طريق حاملات أطباق الطعام . تغيرت الملامح واستقبل الطعام بلهفة ومتعة , فقد كان طعاما غنيا بأصناف لا تعد إلا لضيف عزيز أو كبير شأن وذلك لديهم أفضل مظهر يعبر عن حفاوتهم به , رغم أن أشهى ما في المائدة كان اللبن الرائب والخبز الحار . وأغلق الباب لنبدأ فعالية إنسانية مشتركة . ثم , وقبل أن ننتهي كلنا فتح الباب لتدخل أطباق الفواكه والحلوى ومعها الشاي دفعة واحدة , كأنهم في مهمة يريدون الانتهاء منها بسرعة رغم سعادتهم بها . وبالنسبة لي هي علامة جيدة فقد استطيع فيما يبقى من الوقت أن أتجول في القرية وأمتع روحي بما جئت حقا لأجله .
لم انتبه وحركة الأطباق داخلة وخارجة وفي آن واحد قد احتلت مساحة الرؤيا , بان الخرساء كانت موجودة . لا ادري منذ متى هي واقفة وفي نفس المكان كأنها مزروعة فيه لكن مقلتيها تسمرتا في وجهي . وهذه المرة لم تكن نظراتها تخط في قلبي وعقلي سؤالا إنما رأيت منها شيئا آخر . رأيت غضبا أو تحديا , ورأيت قوة أربكتني كما لو أنها نظرات شخص كبير . ولا افهم لماذا انتابني لوهلة أحساس غريب بأن رجلا ينظر إلي فأدرت وجهي عنها , ثم بلا تفكير قلت .. " أصبح الهواء باردا جدا في الخارج " .
قامت إحدى النساء وأغلقت الباب , والحقيقة أن الهواء في الخارج لم يكن شديد البرودة لكنها حسنا فعلت . وكان لابد لي من أي حديث يشغلني عن الخرساء ونظراتها , فبدأت أتحدث عن الشتاء الذي كان قبل أن تسخن الأرض وتسلبه جزءا من خصوصيته . وراحت كل واحدة تحكي قصة عن الشتاء لأذهب أنا في فكري ودون إرادة مني مع الصغيرة الصامتة وأتساءل , كيف هو شكل الحياة في عينيها وعلى أي شيء تغلق صدرها ؟ هل تجد متعة في اللعب والمرح .. هل تشعر بأية عاطفة ؟ ثم سخرت في نفسي من سؤالي , وحمدت الله لأنها ليست وحيدة تماما في هذا العالم فلديها أمها وهي لاشك تحبها وتحنو عليها .
عدت من رحلة خيالي القصيرة لأندمج ثانية في الحديث الذي بدأته وما زال جاريا , وفي لفتة عابرة لمحت ظلا يقطع خط الضوء الأبيض المتسلل من تحت عقب الباب وخرزتان تلمعان وسط ذلك الظل , كانتا عينيها . أي عناد لدى هذه الصغيرة وأي إصرار ! إنها تريد مني شيئا تراه عندي وليس عند غيري لكنني عاجزة عن فهم ما تريد .
حان وقت المغادرة الذي تأخر كثيرا , وعند الباب تجمع الصغار حولي من جديد . وكنت قد أعددت للأمر وملأت حقيبتي بالكثير من الأوراق النقدية ذات الفئات الصغيرة وأخذت أوزع عليهم دون تعيين وكلما وجدت كفا صغيرة ممدودة وضعت فيها ورقة , فلا معنى للعيد دون عيدية تحتضنها كف صغير وتسعد قلبه . بحثت عن الخرساء فوجدتها تقف إلى جانب غير بعيد مني وتراقب . أشرت لها بيدي لتأتي وقلبي يخفق خوف ان لاتستجيب , غير انها تقدمت قليلا ثم وقفت . أكملت انا المسافة نحوها وانحنيت لأقدم لها عددا من الأوراق النقدية لم أحسبها , لأشعرها بانها مميزة عندي وأصبحت قريبة من العينين اللتين ظلتا تحاوراني بصمت صاحبتهما . كان بودي ان أقول لها بان الله وهبها عينين من أجمل ما خلق , وانه شاء ان يزين بذهب الصمت شفتيها .. " لكنه ذهب لو عرض علينا لما رضينا به " . ومرة أخرى شعرت بقوة نظراتها وأدركت شيئا أنا على يقين منه , أن أية أبواب مغلقة في الحياة لن تحول دون ماتبتغيه .
مددت يدي لها بعيديتها المميزة وأومأت لها برأسي لتأخذها , رفت البراءة على أهدابها الطويلة الجميلة ثم بغتة استدارت وجرت هاربة ولم تلتفت . وقفت في مكاني محيرة لا اعرف ان كنت أخطأت في شيء أم هي الرهبة التي يشعر بها الصغار أحيانا ؟ أم إنها كانت تريد شيئا آخر غير العيدية ؟ فأي شيء كانت تريد ؟ .. لا اعرف .
nadiaalousy@yahoo.com
من المجموعة القصصية
رجل النهر
الصادرة في 2007