الوردي وابن خلدون
الأثنين 8 مارس / أذار 2010 - 07:20:47
نواصل حديثنا عن عالم الاجتماع العراقي الراحل علي الوردي فنقول، إنه افتتن بابن خلدون، كما افتتنا نحن بآرائهما، فاتخذه مادة لأطروحة الدكتوراه التي قدمها لجامعة تكساس في منتصف القرن الماضي (1950)، ثم ظل مولعاً به بعد ذلك، ويحرص على «اقتناء كل ما يظهر حوله من كتب ومقالات»، كما يكتب في كتابه: «منطق ابن خلدون في ضوء حضارته وشخصيته».
ولعل اهتمامه نابع من حقيقة أن ابن خلدون تجاوز الفلاسفة القدامى، وفي الأخص أفلاطون وأرسطو، باستخلاصه لأفكاره من واقع الحياة التي كان هو منغمسا فيها أشد الانغماس، وليس انطلاقاً من تأمل فكري مجرد.. وبالتالي، فهو «كان يعيش في مرحلة فكرية تشبه من بعض الوجوه هذه المرحلة التي نعيش فيها نحن العرب.. إن كثيراً من المتعلمين بيننا -يستطرد الوردي- لايزالون ينظرون في أمور الحياة بمثل النظرة التي كان ينظر بها الفلاسفة القدامى، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، إذ هم يهملون ما في الحياة من واقع صارخ، ويحلقون في سماء المنطق التجريدي والأفكار الطوبائية، غير عالمين بما حدث في العصر الحديث من ثورة على ذلك المنطق»!
ويرى الوردي أن جوهر نظرية ابن خلدون إنما هي قائمة على فكرة «البداوة والحضارة وما يقع بينهما من صراع»، وذلك لاختلاف قيم «الطورين»: طور العمران البدوي وطور العمران الحضري، وهو ما يؤدي إلى حركة دائرية في انتقال المُلك من أهل الحضر المترفين، إلى أهل البادية الصلبين، ثم ما يلبث هؤلاء (أهل البادية الذين تسلموا السلطة) أن يتحضروا وينغمسوا في ترف المدنية وتضعف عصبيتهم حتى يظهر لهم قوم آخرون من أهل البادية يقضون عليهم ويؤسسون دولة جديدة.
وقد حلل الوردي حالة المجتمع العراقي، فوجد أن الفرد فيه يتنازعه نمطان من القيم، تلك القيم الحضرية التي هي واقعه لكونه يعيش حياة الاستقرار في المدينة أو في الريف، والقيم القبلية التي هي قيم الترحال وما بها من العصبية والمشيخة والضيافة والثأر.. وحتى النزعة الطائفية، فقد «اتخذت طابع العصبية القبلية»! بل «إن النزاع الحزبي الذي حدث في العراق إثر ثورة تموز (1958) كان غير خال من بعض آثار العصبيات المحلية والبلدية والطائفية على وجه من الوجوه».
ويضرب لنا الوردي مثلاً طريفاً بأخلاقيات أهل المدن العراقية، وبمدى سيطرة القيم القبلية عليها، فيقول: «روي لي أن جماعة سطوا ذات ليلة على دار وأخذوا يجمعون منها الأواني وبعض الأثاث. فأحست بهم أم البيت وهي خائفة، فأيقظت ولدها الصبي قائلة له: قم ساعد أخوالك على حمل متاعهم. وسمع رئيس اللصوص قولها فأمرهم بترك ما سرقوا، باعتبار أنهم صاروا إخوة لأم البيت وأخوالاً لولدها، وليس من الجائز في شرعة الرجولة والنجدة أن ينهب الإنسان أخته وأبناء أخته».
لم يُكرّم العلامة علي الوردي في عز عطائه، على رغم ذيوع صيته وشهرته في الأوساط العلمية، وحينما فكرت الدولة بذلك أيام صدام حسين، يروي الكاتب العراقي قاسم حسين صالح في مؤلفه «المجتمع العراقي: تحليل سيكوسوسيولوجي لما حدث ويحدث»، كان الوردي في أرذل عمره، وعلى فراش المرض، فكلف ابنه أن ينقل للحاضرين بيتاً من الشعر لا غير لابن زيدون يقول فيه:
جاءت وحياض الموت مترعة
وجادت بوصل حيث لا ينفع الوصل
mohammad.alyusefi@awan.com
"أوان"