الانتخابات العراقية وعودة الأمل
الجمعة 12 مارس / أذار 2010 - 04:31:11
بعد سبع سنوات من سقوط الديكتاتورية والاحتلال الأميركي للعراق، ها هو الشعب العراقي بجميع طبقاته وطوائفه وأطيافه السياسية، يحدوه الأمل من جديد على الدخول في عصر الديمقراطية، الذي يشكل كابوساً للمجموعات المتعصبة المستمرة في ارتداء الصدريات المدججة بالمتفجرات، ووضع القنابل في الأماكن العامة والمزدحمة بالسكان لترويع الناخبين العراقيين الراغبين في التوجه لمراكز الاقتراع للادلاء بأصواتهم في الانتخابات النيابية التي جرت يوم 7 مارس الحالي.
في هذه الانتخابات، الثانية من نوعها، التي جرت في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، أدلى 19 مليون ناخب بأصواتهم في ثماني عشرة دائرة انتخابية وفقا لعدد المحافظات، بينما كان العراق في السابق دائرة واحدة، ولم تتم هذه الانتخابات بالقائمة المغلقة بل بالقائمة المفتوحة أو المكشوفة، وأسماء المرشحين معروفة، ويختار منها النائب اسما أو القائمة بأسرها، وهذه القائمة أفضل بكثير من المغلقة. وبلغت نسبة المقترعين فيها 62،4 في المئة، وهي نسبة تقل عن نسبة المقترعين في الانتخابات الأولى التي جرت في يناير 2005، علما أن عدد الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم في تلك الانتخابات كان 8 ملايين ناخب. كما أنه سيتم انتخاب 325 نائبا في البرلمان الجديد، بينما كان سابقا 275 نائبا فقط.
لاشك أن الثلاثين مليون مواطن عراقي يريدون طي صفحة الماضي الأليم وتجاوز تحديين كبيرين يواجههما العراق، التحدي الأول هو الفساد السياسي المستشري في أروقة السلطة العراقية، ولا سيما في الوزارات. وقال كاتب التقرير الصادر عن معهد كارنيغي، عباس كاظم، وهو أستاذ مساعد في شؤون الأمن القومي في الكلية البحرية للدراسات العليا في كاليفورنيا، إن «الفساد السياسي واستغلال السلطة ينبعان من العديد من مكامن الخلل البنيوية في العراق»، محملا الاحتلال الأميركي جزءا من المسؤولية فيها. وكانت النتيجة أداء سيئا في كل الوزارات. وأضاف كاظم أنه «بسبب بند في القانون يمنح الوزراء حصانة من التحقيقات القضائية بتهم الفساد فإن النتيجة كانت سيئة سياسيا في كل الوزارات، إذ كان الوزراء الفاسدون يحظون بحماية أحزابهم في البرلمان، فيما كان رئيس الوزراء نوري المالكي يغض بصره عما يجري».
التحدي الثاني، هو استمرار أعمال العنف التي تستهدف منع السير الطبيعي والجيد للانتخابات، ونزع المصداقية عن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي خاض حملة انتخابية تحت راية «العودة إلى الأمن». وعلى الرغم من انتشار قوات الأمن، حصلت العديد من التفجيرات التي حصدت ضحايا أبرياء، لكن التقويم العام لعدد ضحايا العنف الأعمى هو أقل بكثير مما كان عليه قبل ثلاث سنوات. فقوات الأمن للدولة العراقية أصبحت حاضرة في معظم ربوع العراق، إذ بإمكان المواطن أن يتنقل من جديد بين مدنه من دون أن يتعرض للخطر.
البطالة والعنف والفساد وهذا العنف مرتبط بشكل عام بحالة الخراب السائدة في العراق، والرشوة، إذ لا يزال مسؤولون عراقيون يتوسطون لإطلاق سراح إرهابيين مسجونين بدوافع طائفية وسياسية، واحيانا بدوافع مالية كبيرة. وفضلا عن ذلك، يتغذى هذا العنف أيضا من بطالة ثلث العائلات العراقية، ومن الفساد الذي يثير الغبن لدى عامة الناس، حين يرون أن النائب العراقي يكلف خزينة الدولة 30000 دولار أميركي شهريا، بينما الشعب يعيش في وحل الفقر في بلد نفطي كبير.
في سنة 2005 جرت الانتخابات في جو يسوده الرعب، وتحت ظلال الدبابات الأميركية، وكانت المشكلة الأخطر التي تواجه المجتمع العراقي، هي المشكلة الطائفية، التي حوّلت المواطن من مواطن يفكر على صعيد الوطن إلى فرد يفكر على صعيد الطائفة. ولما كانت الطوائف متداخلة ومتشابكة في المعيشة والحياة، فإن أي اتجاه طائفي سوف يثير عداء بين مواطنيها، ويقود إلى صراعات طائفية وحرب أهلية، مما يسهل استقطاب المواطنين على أسس طائفية، وإبعادهم عن البرنامج الوطني الديمقراطي، على هذا الموال جرت الانتخابات الماضية، حيث صوّت الشيعي للشيعي، والكردي للكردي، أما العرب السنّة الذين يمثلون 24 في المئة من السكان، وحكموا العراق لمدة ثمانين سنة، منها 35 سنة في ظل حكم البعث، فقد دخلوا في حرب مع القوات الأميركية، بعد سقوط النظام القديم وتهميش دورهم السياسي حين انتقلت السلطة إلى الأحزاب الشيعية، والحال هذه، فقد قاطعوا تلك الانتخابات.
بيد أن الأحزاب السياسية المتبرقعة بالطائفة والقبيلة والمذهبية، التي ورثت الدولة الشمولية العراقية في زمن الاحتلال الأميركي، عجزت أن تبني دولة عصرية، لأن هذا ليس في برنامجها، ولا هي مؤهلة لذلك، كما أنها استبدلت ثقافة العنف الوطني الذي كان سائدا في العهد السابق بثقافة العنف الطائفي - المذهبي، وأصبح الكل يتبجح بطائفيته. فانتقل المجتمع العراقي بذلك من ثقافة عنف الدولة الشمولية إلى ثقافة كابوس العنف الطائفي، وفرق الموت، والإرهاب الأعمى، والقتل على الهوية.
تلك كانت هي صورة العراق الذي يتماهى مع أيديولوجية الفوضى الخلاقة، التي روج لها المحافظون الجدد.
تراجع الديني لصالح السياسي في الانتخابات الأخيرة، هناك أمور عديدة تغيرت، فالمرجعية الدينية، متمثلة بالزعيم الروحي الشيعي الأرفع مقاما في العراق آية الله السيستاني، رفضت مرارا وتكرارا تأييد أي من الائتلافات الانتخابية التي تتنافس على الأصوات وسط الغالبية الشيعية في البلاد (59 في المئة).
العراق شهد حالة انتخابية تختلف عن الحالة الانتخابية 2005، ليس فقط في إجراءاتها وآلياتها الدستورية وإنما أيضا في ظروفها وأجوائها. فهذه الانتخابات تعتبر من دون شك الأكثر أهمية، وهي من ستحدد مستقبل العراق. فالمؤسسات التي ستنبثق من صناديق الاقتراع سيترتب عليها نقل العراق من حالة الاحتلال إلى حالة استعادة السيادة الكاملة بعد سنة كاملة من بداية عملها، أي في سنة 2011، حيث وعد الرئيس باراك أوباما بسحب القوات الأميركية المتمركزة في العراق (50000 من أصل 960000 جندي) في أول سبتمبر 2010، على أن يستكمل الانسحاب النهائي في نهاية سنة 2011.
نضج انتخابي وسياسي
في هذه الانتخابات الأخيرة بلغ المواطن العراقي مستوى من النضج السياسي مقارنة بسنة 2005، يتمثل ذلك في أن الائتلافات الكبيرة باستثناء ائتلاف الأكراد، ضمت في قوائمها مواطنين ينتمون إلى طوائف أخرى مختلفة، لعل أبرزها «الكتلة العراقية» بقيادة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي التي تضم نصف السنّة في قائمتها، وهي تتمتع بتمثيل قوي في منطقة الأنبار السنّية، وكذلك «الائتلاف الوطني العراقي» و«ائتلاف دولة القانون» بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي، الذي يضم 40 تشكيلة سياسية تقودها شخصيات سنّية. فالصبغة الدينية أو المذهبية لم تظهر في الدعاية والإعلام واللقاءات السياسية طيلة الحملة الانتخابية. وهي تشير الى أن الاختلافات الدينية والمذهبية، والأحقاد السابقة، بدأت تذوب تدريجيا لتفسح المجال أمام المصالحة الوطنية التي تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية من كل مكونات الشعب العراقي لإنجازها.
وترجح المعلومات الأولية المتعلقة بنتائج هذه الانتخابات فوز «ائتلاف دولة القانون»، و«الكتلة العراقية»، وتراجع التحالف الكردستاني الذي لم يعد كتلة قوية مثلما كان في السابق، بسبب ظهور قوة تنافس الحزبين الكرديين في المناطق الكردية، مما يجعل التحالف الكردستاني الذي أسس في المرحلة الماضية ضعيفا وليس بالقوة التي كان يتمتع بها.
بعد عقود من الديكتاتورية والحروب، والعنف، ها هو الأمل يولد من جديد في العراق، رغم أن هذه الديمقراطية تظل تحتاج الى المزيد من البناء والتأسيس المؤسساتي.
توفيق المديني - كاتب من تونس
"أوان"