هذي الفوضى غير الخلّاقة في العراق
السبت 13 مارس / أذار 2010 - 23:34:49
أمر طبيعي.. طبيعي جدا، في العراق بالذات، أن تكون هذه الفوضى العارمة المرافقة للانتخابات البرلمانية والناجمة عنها.. فوضى التصويت في الخارج، وفوضى اختفاء أسماء عشرات الآلاف من الناخبين من المراكز الانتخابية في الداخل.. وأخيرا فوضى إعلان النتائج والاتهامات، والاتهامات المضادة بالتلاعب والتزوير في هذه النتائج، والادعاءات، والادعاءات المضادة بالفوز الساحق حتى قبل فرز 25 في المئة من أصوات المقترعين!
فوضى عارمة هي جزء من فوضى الحكم في بغداد.. الفوضى المتأتية من تعطيل القوانين الوطنية، وعلى رأسها الدستور، وتطبيق قوانين المحاصصة الطائفية والولاء المذهبي والحزبي والشخصي.
في العراق طبقة سياسية لا تستحق أن تكون في السلطة لأنها مثل الذي خلفته، صدام حسين، لا تجيد فنّ الحكم.. هي، مثل صدام أيضا، لا تحترم شيئا، حتى نفسها.. فلو احترمت نفسها لاحترمت الآخرين، الناس الذين تحكمهم، ولعملت على تقليص هامش الخطأ والنقصان في هذه الانتخابات، خصوصا أن أربع عمليات مماثلة كانت قد سبقت هذه العملية.
الاستحقاق الانتخابي معلوم منذ أربع سنوات، وهو إحدى الواجبات التي تعهدت الحكومة بإنجازها على أحسن الوجوه وأكملها. وأربع سنوات كانت كافية تماما لإجراء العملية الانتخابية بأقل القليل من الأخطاء والنواقص والثغرات التي هي صورة طبق الأصل لأخطاء ونواقص وثغرات كانت في كل العمليات الانتخابية السابقة التي جرت منذ مطلع العام 2005.
أربع سنوات كانت تكفي لتفادي الكثير من هذي الفوضى العارمة التي لا تُمثّل مكافأة مناسبة للشعب العراقي عما أظهره من تحدٍّ جريء للإرهابيين، الذين سعوا لتعطيل الانتخابات.. فهذه الفوضى تنتقص من صدقية العملية الانتخابية الأخيرة، وبالتالي من شرعية المؤسسات التي ستنبثق عنها، ومن قدرة هذه المؤسسات لاحقا على النهوض بالأعباء الثقيلة المنتظرة، وتحقيق طموحات الشعب العراقي في الأمن والسلام والإعمار والرفاه.
أربع سنوات كانت تكفي لو أن الطبقة السياسية احترمت نفسها، واحترمت الآخرين، فأجرت الإحصاء السكاني في موعده المحدد (أواخر العام الماضي). فهذا الإحصاء كان سيحل الكثير من المشكلات والعقد، وكان سيحول دون حرمان مئات الآلاف من الناخبين من حقوقهم الانتخابية.
لو احترمت هذه الطبقة السياسية نفسها لكانت أنشأت خلال أربع سنوات مفوضية للانتخابات مستقلة حقا، من قضاة وشخصيات لا صلة لهم بأي حزب، ومشهود لهم بالوطنية والكفاءة والحيادية، وليس بالنزعة المذهبية والحزبية والقومية.. مفوضية تتوزع فيها المناصب والوظائف على أساس الدرجة العلمية والخبرة والنزاهة، وليس وفقا لقوانين المحاصصة الطائفية والحزبية.
ولو احترمت الطبقة السياسية الحاكمة في بغداد نفسها والآخرين، لشكلت خلال السنوات الأربع الماضية هيئة للمساءلة والعدالة من شخصيات لديها المواصفات ذاتها.. حقوقيين وقضاة غير حزبيين مشهود لهم أيضا بالكفاءة والخبرة والنزاهة والوطنية، وليس من حزبيين يتصارعون على المناصب، وتحرِّكهم نوازع الثأر والانتقام.. وبين العراقيين الآلاف من هؤلاء داخل البلاد وخارجها، لم ترهم أعين الطبقة السياسية الحاكمة في بغداد، ولم تسمع بهم آذانها، لأن هذه الأعين لا ترى إلا الطائفي، وهذه الآذان لا تسمع إلا الحزبي، وهي طبقة سياسية لا تتلمس في عملها إلا ما فيه مصلحة شخصية.
أعضاء الطبقة السياسية الذين يرفعون أصواتهم بالشكوى من هذه الفوضى العارمة الآن، هم شركاء في صناعتها، وينبغي ألا يعفوا أنفسهم من المسؤولية.. فهم شركاء في البرلمان وفي الحكومة، ولم يفعلوا شيئا، لا من خلال البرلمان، ولا من خلال الحكومة، من أجل تطبيق القوانين الوطنية، وفي مقدمها الدستور، وتعطيل قوانين المحاصصة الطائفية والحزبية، حتى لا تكون هذه الفوضى العارمة غير الخلّاقة.
adnan.hussein@awan.com