لعله من السهل الممتنع الكتابة عن صديق حميم له خصوصية مميزة في القلب بعد29عاما من رحيله المؤسف..لاشك،ان في ذلك شيئ لايخلو من الاحراج اصطدم به كلما كتبت عن الصحفي النزيه والفلاح المناضل وابن المضيف شمران الياسري/ابوكاطع/ والذي هو عمي..
لقد عرفت الرجل عن قرب وعايشت جزءا يسيرا من تفاصيل حياته العامرة بألمعاناة وألآلام ،سواءا كان ذلك في خضم سني نضاله او في غربته ومنفاه،فقد خصني بألمودة والثقة وتعلمت منه الكثير،اذ شارك في قسط وافر من تربيتي وترك بعضا من بصماته الجميلة على تكويني الشخصي والقييمي..وحين تتاح لك فرصة التعرّف على(ابوكاطع) تكتشف انه دائما كان مرتديا لتعبه وعذابه النبيل المختفيين وراء مزاج مرح وودود..
شمران وبأختصار،هو الفلاح المتواضع الذي نهل من اخلاقيات المضيف،قبل ان يكون الصحفي الفذ والكاتب المقرئ والاذاعي اللامع البليغ المؤثر،صاحب الكلمة التحريضية المشتعلة والمنسابة في صدقية والتي تشكّل لديه طاقة تحريضية إختص بها دون غيره..رجل لا يحب الكلفة،بل كان يحرص على رفعها في الحال عندما تكون في حضرته،حتى لتشعر انك عرفت الرجل منذ عهد نوح..ابو جبران يستمع اليك بخجل محبب وكأنه تلميذ بارع،ملتقطا الصغيرة والكبيرة ويضحك بعمق للتعليق والنكتة بكل اشكالها فكأنه متعطشا الى ذلك منذ زمن،وحين يلتقط النكتة فكأنه عثر على كنز نادر – وهو الذي يمتلك كنوزا هائلة من الموروث الشعبي الساخر-..لقد وظف النكتة والسخرية بعناية في محاربته للدكتاتورية فضاقت به ذرعا وحاربته بشكل عنيف ودون هواده حين اكتشفت ان شمران غير قابل للمساومة كونه متناسق مع قناعاته،في حين عقدت هدنة،بل تحالفت مع اليسار الذي انتمى اليه الراحل..
في شهر آب/اغسطس من كل عام،تقفز الى الذاكرة المتعبة مقولة للكاتب اللبناني د.فيصل دراج((..ماذكر القلب انسانا إلا وشفعه بمناسبة،وماذكر مناسبة إلا ورآى فيها وجوها غابت او ابتعدت او تغيّرت،فكأن بيننا وبين الزمن السوي قطيعة وجفاء!!)) أي نعم،قطيعة وجفاء!!..ان الكتابة عن الياسري في ذكرى غيابه التراجيدي المؤسف،هي لاتعني فقط صيغة عرفان لما قدمه الرجل للادب العراقي الملتزم/كمعارض عنيد للدكتاتورية الصدامية/ وإنما تعني فيما تعنيه ايضا،نداءا للبحث عن طراز مماثل او مقترب شيئا ما،ينبغي تبنيه ليرفد صحافة عراقنا الجديد بمعين جديد..
وفي الجانب البحثي،نجد ان كلا من شمران الياسري/ابوكاطع/ وعبد الجبار وهبي /ابو سعيد/ قد تركا لنا مدرسة اعلامية تراثية غنية ومتميزة يستوجب البحث في اروقتها عما هو جديد وخلاّق وان يدخل ذلك ضمن المنهج التدريسي لكلية الاعلام ومن المؤسف حقا ان ماكتب عن الرجلين لم يرق الى المطلوب،وهذا إن يعني شيئا،فإنما يشير الى قصور ملحوظ من جانب مدرسة اليسارالتي إنتميا اليها..فأبوكاطع/كفلاح يساري متعدد المواهب ومتمرد على بيئته/ظاهرة لاتتكرر بسهولة في البلدان النامية..واخرى نكررالقول:إن ماكتب عن ابوكاطع كان في الواقع شحيحا وموسميا/إن صح التعبير/إذ لم يجر الاهتمام بما خلفه من تراث ومؤلفات لم تر النور الى الساعة،رغم اننا شخصيا قمنا بتسليمها الى تلك الجهة التي إنتمى اليها الراحل،والتي كان حصاد الانتماء اليها قد كلّف اسرتنا خمسة شهداء..
يقول الروائي المرحوم غائب فرمان طعمة/بألمناسبة،توفيا بذات التأريخ ولكن بفارق 10 سنوات/ يذكر ألآتي: (..في عام 1969 حين عدت الى العراق،وبعد غيبة تسعة سنوات،تعرّفت على(ابو كاطع) في احدى مقاهي شارع السعدون ببغداد،وبدا وكأن احدنا يعرف ألآخر منذ عهد نوح،وهذا التعبير مستلهم من روح ابو كاطع..وعندما افترقنا أسرّ إليّ ان لديه محاولة لكتابة رواية..الخ)..ثم يضيف بألقول :(..وفي اللقاء الثاني جاء بدفتر سميك..الخ,وفي بيتي حين اخذت أقرأ الدفتر بدأ يتنامى في خيالي المبصر،عالم متجسد رحب مغمور بأنفاس الريف واناسه،وقد صنعه قلم ذو دراية ممتازة بما يريد ان يقول،وحب عارم للوسط الذي يصوره،ومعرفة مستفيضة بخبايا الحياة الريفية وحنايا سكانها الواقعيين..الخ.)..
ربما يفاجئ القراء المبجلين إن أضفت بأن ابوكاطع كان رساما وقد رسم بألفعل العديد من اللوحات الزيتية وقام بأهدائها الى ادارة مدرسة حمورابي الريفية في ناحية الدجيلة..كما كان ايضا يجيد العزف على الناي ويقرض الشعر الشعبي،وتعلم في السجن فن التطريز واصول اللغة الكردية(القضية التي اودع السجن من اجلها)..
شمران شديد البغض للحديث عن الذات،فلم اعرف مثلا،انه واثناء اختفائه في الريف قام بقيادة مظاهرة تتألف من 600 فلاح ودخل بها قضاء الحي بعد هزيمة حزيران عام 1967 لم اعرف بذلك والله،الا بعد رحيله عندما كتب عن تلك الواقعة رفيقه الراحل ابوعليوي من دمشق..
البيئة والمنشأ : يفيد الراحل،وضمن اجاباته على رسالة للصديقة الدكتورة سميرة الزبيدي،التي كانت في حينها تعدّ اطروحتها الموسومة(ألأدب الساخر الرفيع في صحافة العراق)مايلي:((..ولدت في قرية صغيرة وفقيرة على نهر الغراف جنوب مدينة الحي،وقد إختلف الرواة الثقاة وغير الثقاة في تأريخ ميلادي..فلا احد من اهلي يعرف،ولا اعتادوا تسجيل المواليد،ولكني بألقرينة والاستذكار احزر التأريخ التقريبي وهو- الى حد ما- كعلامة ذلك الفلاح،حين وضع قطعة غيم يهتدي بها على الطريق،وعلامتي كذلك..))..وبعد ان يستنتج تأريخ ميلاده الحقيقي(1932) يستطرد قائلا :(( كانت امي تحسن قراءة القرآن والعجيب انها كانت تقرأ القرآن جيدا،لكنها لاتعرف قراءة سطر واحد من كتاب آخر،ولاتعرف حتى خط اسمها!!..ومع ذلك فقد علمتني قرائة(جزء عمّ) وحين امتلكت مفتاح تركيب الحروف علمت نفسي الكتابة ثم صرت أقرأ بعض الكتب المتيسرة عند عمي..الخ))..وفي عام 1948 حصل شمران وبمعاونة عمه سيد ابراهيم الياسري،على قطعة ارض في مشروع الدجيلة الزراعي في لواء الكوت،وبعد عدة سنوات امضاها في ممارسة العمل الزراعي إضطر بعد تملح الارض للانتقال الى المدينة للعمل هناك كتاجر حبوب غير انه فشل في عمله هذا،كونه لايجيد فن والاعيب التجارة وبهذا خسر آخر درهم كان بجيبه/على حد تعبيره/ وهنا كان الرحيل الى بغداد لابد منه..كان ذلك في عام 1955 حيث عمل في شركة انشائية كمراقب عمل لدى صديقه المرحوم عبد العزيز الناصر،وفي ذات الوقت إلتحق بمعهد مسائي لتعليم الحساب التجاري/البلانجو/ وبعد ان انهى دراسته اصبح محاسبا لتلك الشركة،كما راح يتلقى دروس تعلّم اللغة الانجليزية ودورات الطباعة مساءا..وفي عام 1957 انتقل للعمل في وزارة الاعمار وعند انبثاق ثورة 14 تموز 1958 المجيدة انتقل ابوكاطع للعمل في وزارة الاصلاح الزاعي،وحال تأسيسها،بل كان مؤسسا لمديرية التوجيه والنشر(الاعلام حاليا)..واخيرا،وجد نفسه ذلك الفلاح القديم في المكان الذي يعنيه-كفلاح- فأبتكر برنامجا اسبوعيا اذاعيا يحدّث فيه الفلاحين بلغتهم الخاصة المحببة الى نفوسهم،وشارحا لهم الجديد من قوانين الزراعة التي اصدرتها قيادة الثورة،سيما علاقتهم مع ملاّك الارض والاقطاعيين..وبعين الوقت كان يقدّم برنامجا اذاعيا يوميا بعنوان:(احجيهه بصراحة يبوكاطع) فكان عبر ذلك البرنامج يطرح تارة اراء حزبه واخرى هموم الريف وثالثة يغمز الزعيم قاسم - رحمه الله- كما كان يحرر صفحة اسبوعية في جريدة (البلاد) لصاحبها الاستاذ فائق بطي/امد الله في عمره/..يقول شمران:((..ثم تبع الصفحة الاسبوعية في صحيفة البلاد حقل يومي صغير بعنوان(ملاحظات) وهكذا فتح الله على مأمور المركز ففتح مركزا،وصرنا صحفيين،الشغلة التي تورث المتاعب والعادات اللعينة..)). في عهد مابعد الثورة،اشتغل الراحل الياسري في تحرير حقلا اسبوعيا في الصحف التالية :الحضارة،الثبات،صوت الاحرار،وبعد فصله من وزارة الاصلاح الزراعي لاسباب سياسية،تفرّغ للعمل في صحيفة(طريق الشعب) وعلى اثر فصله من صحيفة (البلاد) عمل في مطبعة(الرابطة) لصاحببها عبد الفتاح ابراهيم،غير انه وبعد مضي ستة شهور على عمله القي القبض عليه واودع التوقيف في مديرية الامن العامة،بعدها حكم عليه بألسجن لمدة خمسة سنوات بسبب انتصاره للقضية الكردية،عبر عريضة احتجاج ارسلت لعبد الكريم قاسم وكان ابوكاطع من ضمن الموقعين عليها..وفي هذا الصدد يقول المرحوم شمران((..اطلق سراحي بمناسبة عيد الجيش 1963 ولكن تأخر وصول الامر،وما اطولها عليكم،اطلق سراحي قبل 8شباط بأسبوع واحد،وفي مثل هكذا موقف يقول الفلاح :بعدهه تحوي اذنوب،وقدرا لي ان ارى احقر وارذل حاكم تسلط على العراق..ايه،دنيا..بلابوش دنيا!!))..بعد الانقلاب الاسود اضطر الراحل للاختفاء في بغداد،ومن الظريف ومالا يفوتني ذكره في هذا المقام،هو انه في اليوم الثالث للانقلاب خرج شمران من شقته واستقل باص نقل الركاب متوجها الى منزل ابن عمه الساكن بمنطقة النعيريه للاختفاء هناك..وخلال الطريق توقف الباص في نقطة تفتيش للحرس القومي وصعد صعلوكان الى الباص يفتشانه،وهنا قرر ابوكاطع التخلص من هويته الشخصية التي كانت بجيبه فدسها في يد امرأة كانت تجلس بجنبه ولاتعرفه بطبيعة الحال،وعند سؤآل الحارس القومي له عن الهوية اجابه شمران ببديهيته المعهودة:((..يا اخي،لقد خرجنا مبتهجين بألثورة المباركة(!!) دون ان ننتبه لأي شيئ آخر!!))فوافق الحارس القومي وقال:عليكم بحمل هوياتكم مستقبلا..وبعد ان نزل الحرس اعادت تلك المرأة الهويات بذات الحركة ودون ان تنظر لشمران او ان تقول شيئا..لقد ظل الراحل ابوكاطع يأمل ان يصادف تلك المرأة النبيلة التي انقذت حياته في لحظة عصيبة ليرد لها العرفان..وهكذا بقي الراحل متخفيا في بغداد حتى شهر سبتمبر من عام 1963 حيث تمكن من الخروج بهوية مزورة بأسم(حسن)،فألتحق بتنظيمات الحزب في الجنوب،حيث اصدر هناك صحيفة(الحقائق) الناطقة بأسم لجنة محلية الكوت للحزب الشيوعي العراقي واستمر بممارسة دوره السياسي المعارض والذي يصعب درجه بهذه العجالة،إذ اختفى في ريف الكوت ولم تفارق كتفه البندقية ممتطيا ظهر فرسه التي دربها تدريبا خاصا..وفي عام 1970 تولى ابوكاطع ادارة مجلة(الثقافة الجديدة) بعد ان كان يشرف عليها الصديق الشاعر الفريد سمعان /ابوشروق/ امد الله في عمره..في عين الوقت كان عضوا في هيئة تحرير صحيفتي(طريق الشعب) و (الفكر الجديد) وفي طريق الشعب كان حقله مميزا ومتابعا بشدّة من لدن القراء وقد وضع في الصفحة الاخيرة تحت عنوان(بصراحة ابوكاطع) ماجعل الناس يصفحون الجريدة بألمقلوب،حيث توجد الكلمة الساخرة و(الكاطعيات) اللذيذة،عميقة المعنى وذات المضمون القيّم والتي كان يطلقها على لسان(خلف الدوّاح)..لكن الطغمة البعثية الحاكمة والنائب صدام حسين لم تطق ذرعا بذلك ولم يكن ممكنا لمثل هذا الكاتب الجماهيري ان يبقى في بلد تحكمه عصابة آل عفلق،فما كان منهم إلأّ ان دبروا له تهمة توزيع السلاح(؟؟)والتي بموجبها احيل الى محكمة الثورة بغية الاجهاز عليه..هنا وجد شمران الياسري نفسه مضطرا لبيع آخر مايملك/حتى مسبحته/ ومغادرة العراق متوجها الى تشيكوسلوفاكيا نافذا بجلده،وذلك عام 1976،حيث كان اول لاجئ غير سياسي فيما كانت(الجبهة الوطنية العتيدة!!)التي ابرمها حزبه مع البعثيين،لمّا يزل بخور العرس يضوع من بين طيّات اثوابها!!..وفي تلك الاجواء من التحامل البعثي القذر على شمران الياسري اعدم ابن شقيقه الجندي المكلف الشهيد حبيب/18 سنة/ عام 1978 مع اول وجبة من العسكريين الشيوعيين المتهمين بخوض غمار العمل السياسي خارج اطار (الحزب المنحل)،تلا ذلك بعام واحد اعدم شقيقي طالب المرحلةالمتوسطة ماجد/16سنة/ بعدها تمت تصفية خالي شاكر داخل الثكنة وتلاه آخرين من افراد الاسرة..وبأختصار،ما ان حلّ عام 1986 حتى فقدنا خمسة شهداء من العائلة بجريرة(ابوكاطع)..
لقد شغل الراحل قبل رحيله،وعن جدارة،منصب سكرتير رابطة الكتاب والصحفيين العراقيين في الخارج،وظل يمارس عمله فيها حتى وافته المنية في 17/آب عام 1981 حيث كان يعمل مراسلا ل (وفا) في العاصمة التشيكوسلوفاكيا براغ..من سخرية القدر ان يموت بحادث مؤسف،في طريقه عندما كان متوجها لتوديع ولده المرحوم جبران المقيم حينها في هنغاريا،حيث كان ابوكاطع يحزم امتعته صوب كردستان لتسلّم ادارة الاذاعة هناك بناءا على طلب شخصي من المرحوم ادريس البارزاني..لقد نعته( م.ت.ف.) واعتبرته من شهداء الثورة الفلسطينية ودفن في مقبرة الشهداء ببيروت وشيع تشييعا مهيبا،حيث اطلقت خلف نعشه احدى وسبعون اطلاقة تكريما لشخصه..وبألمناسبة،فأن سفارة(العوراق) في براغ رفضت في حينها التعاون معنا في اجراءآت نقل الجثمان الى بغداد..لن اشعر براحة الضمير دون المرور في هذا السياق على(ربما طرفة؟؟) بودي تدوينها هنا وكما هي: نظرا لعدم نفاذية جواز سفري آنذاك،فقد كلّفت منظمة الحزب في في براغ احد الأصدقاء الحميمين للراحل ليصطحب جثمانه الى بيروت،وبألفعل ذهب الرجل وقام بمايلزم مستفيدا من الامكانات الطيبة والتعاطف الذي ابداه الفلسطينيون..غير ان بيت القصيد او كما يقولونها (ربّاط الحجي)هو انني عند عودتي للعراق/بعد التحرير/ ذهبت لزيارة ذلك الرجل(الصديق السابق لعمي)وقد تبؤ منصبا رفيعا جدا في الدولة،مستفيدا من خصوصية العلاقة معه،فطرحت عليه طموحي في العمل داخل المؤسسة التي يديرها،وانااحد مؤسسي شبكة الاعلام العراقي وصحفي احمل في اليد (كيلو هويات) في هذا الميدان ولدي شهادة ماجستير في الهندسة،وفي الاخرى امر القاء القبض عليّ في حقبة(ابن صبحه)تصوروا جائني الجواب تقليديا وخادشا يعبّر عن خطل المحاصصة وعهر السياسة وجدب الوفاء،إذ نصحني(صديق عمي؟؟)ان أبحث عمن يزكيني من الاحزاب السياسة الحاكمة في الساحة (العوراقية)!! ولما كانت كبريائي تحضر عليّ استجداء ألآخرين في هكذا قضية،فقد غادرت الوزارة ساخرا من القدر وانا اردد اللاّزمة المعهودة لأبي كاطع : ((بلابوش دنيا))!!..اي نعم،في موقف كهذا ينبغي القول وبحرقة: بلابوش دنيا!!..
وختاما،عليّ ملامسة التأريخ بأمانة تامة تقتضيها الروح الطاهرة للراحل،ورغم اني اسلفت ذلك بشكل غير مباشر،فأضيف:ان المرحوم شمران لم يكن في عهد التحالف الجبهوي منسجما اطلاقا مع التوجه الخاطئ لقيادة حزبه،ولا مع السكوت عن قمع الحركة التحررية الكردية.. بأختصار غرد صاحبنا خارج السرب،ما ازعج قيادة حزبه فدفع لقاء ذلك ثمنا باهضا..فعلى سبيل المثال: ارسل ذات مرّة للدراسة في معهد (بادبيركا/بالمانيا،ولم يكن بحاجة اليها في ظرف كذاك،بغية ابعاده عن الجريدة وجماهيره وقرائه،وكان الهدف من وراء ذلك الاجراء هو إرضاء الطرف الحليف و(السيد النائب شخصيا!!)وكان شمران يدرك ذلك تماما ويتألم له بمرارة وصمت الرجل الممتلئ بقناعاته..
لقد كان ابوكاطع يشعر،ضمن المشهد السائد حينها،وكأنه اقرب الى (المعكل بلمركص!)وبألفعل كان الرجل معقلا ووقورا في مرقص الاعيب السياسة في(بغداد البعث!!) وحين ابى الرقص خشية ان يقع عقاله،كان عليه مغادرة مرقصهم الى براغ،حيث كان له القدر بألمرصاد..كان ابوكاطع يطلق على (الجبهة الوطنية!!) مصطلح(عرس واويه) أي زواج ثعالب مزيف وقصير الأجل ..
ذات مرّة كان في زيارتي حين كنت طالبا جامعيا في سلوفاكيا،فذهبنا سوية الى العاصمة (براتسلافا) بصحبة الصديق ثائر سمعان،لحضور مناسبة سياسية اقامها الشيوعيون العراقيون هناك لا اتذكرها على وجه الدقّة،وكان ضمن المدعوين ايضا (الحلفاء!)البعثيون،وعندما بدأ الطرب والغناء،نهض احدهم واخذ يغني ويلهج بأسم الجبهة مرددا اغنية فلكلورية عتيقة وقد ختمها في (بسته) تقول:- مطر،مطر حلبي..بلل بنات الجلبي..
الجبهه صفت للناس..يرضه مايرضه الجلبي!!
وفي الحال نهض ابوكاطع،وكان بمزاج رائق،فصاح بأعلى صوته: عمي آنه جلبي..سجلوني جلبي..وحاضركم يبلغ غايبكم تره آنه جلبي وابن جلبي!!..
تنقّل الراحل شمران الياسري بين اكثر من سجن،وهي : سجن بغداد المركزي وسجن العمارة وسجن بعقوبة..وفي الطريق من سجن العمارة الى سجن بعقوبة عقد صداقة جميلة مع الشرطي السجّان الذي كان برفقته وتبادلا السجائر،حتى ظنّ ابوكاطع انه عما قليل ستتحرر معصماه من ثقل(الكلبجه)اللعينة،لكن ماافسد(الطبخة) هو سؤآل الشرطي له وبدافع الفضول العفوي: عمي انته امبيّن عليك خوش زلمه وتفتهم وسيد ابن رسول الله،اشسويت وذبّوك بلحبس؟؟ فرد عليه المرحوم شمران بأنه شيوعي فأودع السجن..فماكان من ذلك الشرطي البسيط الطيب إلاّ ان عبر عن دهشته وانفعاله لما سمع فردّ عليه بقوله: تف على غيرتك..سيد ياسري وصاير شوعي!!بويه هاي لاصايره ولادايره..ياسري وصاير شوعي؟؟ روح،الكلبجه إتبسمرت بيدك منّاه لبعكوبه..
المجد لتلك الروح الطاهرة.. المجد للصحفي النزيه وصاحب القلم النظيف شمران الياسري(ابوكاطع) في ذكرى رحيله السابعة والعشرون..