عن عراقيي الخارج وعراقيي الداخل !
السبت 28 أغسطس / آب 2010 - 20:26:38
يتردد الكثير من الكلام السلبي عن عراقيي الخارج منذ التغيير في 2003 وحتى اليوم .وفي الحقيقة أن هذا النهج قد بدأ بعد ايام قليلة من التغيير حين تضاهر بعض الناس في ساحة الفردوس وهم يصرخون لانريد عراقيي الخارج . وفي ذلك مفارقة كبيرة حيث كان المقبور "عدي" قد أطلق على العراقيين المغتربين وصف "الكلاب السائبة" وذلك في احد اعداد جريدته المسماة "بابل" . لذا كان من المتوقع في ظل أجواء الفرح والاستبشار التي سادت بعد ايام من سقوط صدام أن يلقى هؤلاء العراقيين الترحيب اللازم وهم يعودون الى الوطن .
ولو عدنا الى أصل الموضوع باحثين عن سبب هجرة أو تهجيرالعراقيين الى الخارج منذ عشرات السنين , نجد أن أصل الموضوع سياسي بالاساس , لا كما يريد البعض تصويره على اساس انه بطر وانانية وبحث عن الجو اللطيف والوجه الحسن وعمالة للاجنبي.
فقد هاجر أولاد الذوات من العوائل الارستقراطية العراقية بعد سقوط النظام الملكي . ثم هاجر الشيوعيون بعد 14 رمضان . ثم حين عاد البعثيون في 1968 ظل الشيوعيون على هجرتهم , حتى أضاف لهم البعث عشرات الآلاف من العراقيين المهجرين قسرا بدعوى تبعيتهم الايرانية . وعندما جاءت فترة الثمانينات لحق الاسلاميون بالشيوعيين في المهجر حفاظا على ارواحهم وارواح عوائلهم هربا من طاحونة القتل العمياء التي كان يقودها صدام وأخوانه برزان وسبعاوي ووطبان الذين كانوا يديرون اشد الاجهزة الامنية قسوة وهمجية في تاريخ العراق والعالم.
وبعد ذلك جاء غزو الكويت وتدمير الجيش العراقي في مغامرة حمقاء اقدم عليها حاكم العراق المطلق صدام , حيث تبعتها انتفاضة شعبية عارمة كادت تسقط النظام لولا تدخلات خارجية وداخلية معقدة أدت في النتيجة الى فرار عشرات الآلاف من المنتفضين وعوائلهم الى حدود العراق في كل الاتجاهات خوفا من بطش الحرس الجمهوري وصوارخ الارض ارض التي كانت تستهدف الاحياء السكنية . وتبعهم بعد ايام كل سكان المناطق الكردية في هجرة جماعية الى تركيا وايران هزت مناظرها المؤلمة ضمير المجتمع الدولي فأصدر مجلس الامن بيانه الشهير في منع الطيران العراقي مابين خطي العرض 32 و 36 الشهيرين . فعاد الاكراد ليحكموا مناطقهم بأنفسهم ولم تشمل الحماية نفسها مناطق الجنوب , فظل الناس خلف الحدود . وما قصص ومناظر مخيم رفحة في السعودية إلا دليل على ذلك .
وجاء الحصار الاقتصادي حين خرج في سنوات التسعينات غالبية الخبرات العلمية بسبب سوء الاحوال الاقتصادية في الداخل اضافة الى مضايقة جلاوزة الحزب للكوادر العلمية والادبية والاكاديمية . وقد ساهم الكثير من هؤلاء المغتربين في دعم عوائلهم الباقية في العراق من خلال ماكانوا يبعثون به من أموال كانت لازمة لتخفيف معاناتهم ايام الحصار الذي عانى فيه الناس من ظروف اقتصادية غاية في الصعوبة .
وحين حدث التغيير في 2003 كانت أعداد العراقيين في الخارج تقدر بالملايين . فهل ياترى أن هؤلاء قد فقدوا حقهم في العمل السياسي ومعظمهم قد تم تهجيره بالاساس لاسباب سياسية ؟
ثم كيف يمكننا أن نغفل الدور الذي لعبه هؤلاء في ابراز الصورة الحقيقة للنظام الصدامي الذي كانت دعايته تملأ الافاق . كما أن تعامل الدول الاوربية وخصوصا هولندا والسويد والدنمارك والمانيا وباقي الدول مع محنة العراقيين بمنتهى التعاطف والانسانية كان نتيجة اطلاعها على القصص المأساوية التي كان ينقلها العراقيون لهذه الدول . وكل ذلك ساعد في وصول النظام الى حتفه يوم التاسع من نيسان .
ولانريد هنا أن نخدش مشاعرا أهلنا في الداخل حين نقول أن شكل العراق لمن لايعرفه كان يبدو هادءا منذ دحر الانتفاضة وحتى سقوط النظام . وقد كان النظام واجهزته الحزبية والقمعية قادرة على اخراج الناس في مضاهرات تأييد من الموصل حتى البصرة . وقد نظم قبل الغزو بأشهر معدودات استفتاء شعبيا على رئاسته للعراق , وجاءت النتائج كما أذاعها عزة الدوري مئة بالمئة بالموافقة على استمرار صدام بحكم العراق .
أستخلص مما تقدم أن من يحاول أن يثير عراقيي الداخل ضد عراقيي الخارج هي جهات مضادة للتغيير بالاساس , وتريد أن تحرم الشعب من العديد من قياداته الحزبية المعارضة ومن طاقاته وكوادره العلمية والادبية . بل ويحلو للبعض أن يسخرها طائفيا ضد القادمين من ايران , علما بأن الذين عادوا لم يكونوا في ايران فقط بل في سوريا والدول الاوربية وامريكا . أما الدول العربية الاخرى عدى سوريا فلم تكن تقبل لجوء العراقيين وما حصل للاجئين في رفحة الذي تحول الى سجن صحراوي إلا دليل على مأ اقول .
أما اليوم فأبواب العديد من الدول العربية مفتوحة لاعوان النظام من المفسدين والمطلوبين بجرائم بحق الابرياء في العراق ويتمتعون بكامل الحرية في التأثير في الوضع الداخلي من خلال الفضائيات والصحف والاذاعات الموجهة . هؤلاء يتوسل الجميع بهم للعودة للعراق وممارسة حقوق المواطنة كاملة بما فيها حقوقهم السياسية وحصتهم في المناصب تحت عنوان المصالحة الوطنية .
يا للأسف على تلك الايام التي فقدنا فيها أعز الناس ونحن نجتر أحزاننا وحيدين في شققنا الباردة في المهجر لان القائد الفذ حرمنا من زيارة العراق لنتقبل التعازي بموتانا.
يا للأسف على تلك الايام التي انحسرت ثقافتنا العامة فيها بكلمة واحدة الا وهي "صدام" الذي لم نكن نذكر غيره في كل لقاء او مناسبة تجمعنا باخوتنا المغتربين العراقيين.
د. غسان الربيعي