وداعا محي الدين زنكنه
السبت 28 أغسطس / آب 2010 - 21:03:03
إن أسوأ ما يعانيه الإنسان في حياته، هو أن يقف الموت حاجزا بينه وبين صديقه الذي تجمعهما ذكريات الصبا والمراهقة.
الموت هو الشيء الوحيد الذي يدق إسفين الفراق الحقيقي، حيث لا لقاء بعد سوى على أعتاب شاهد القبر الذي تتزاحم الذكريات والدموع على رصيفه.
كان محي الدين حميد زنكنه أحد المؤسسين البارزين من جماعة كركوك، بيد أنه كان يحب العزلة ويبتعد عن مماحكاتهم التي يعتبرها صبيانية. كان يختفي برهة كي يظهر من جديد كما لو أنه جاء يقدم عربونا للوفاء والاخلاص.
كنا من مشاة شوارع كركوك حيث نقطعها طولا وعرضا، بدءا من باب منزلهم المطل على شارع ألماس ووصولا إلى بوابة القلعة المشرفة على نهر خاصه صو. كان يتحدث قليلا ويستمع، بل ويقرأ كثيرا. كان يضع مسافة قصيرة بينه وبين أصدقائه. كنت أفهم هذا الجانب عنده وأعتبره عقدة الخجل. بيد أنني، أحسست فيما بعد، بأنني كنت خاطئا في اعتقادي. كان يفكر في أن يمنح الثقافة العراقية والكردية المكتوبة باللغة العربية شيئا جديدا وفعل، حيث تم له ما أراد بنجاح باهر. وهكذا تربع على عرش المسرح العراقي وقدم روايات وقصص جميلة يحركها أبطال يمتلكون إرادة قوية وصمود فريد في معترك الحياة. ويؤسفني أن جماعته أهملوه، ذلك أنهم انشغلوا بالشعر كما لو أن الشعر هو الشيء الوحيد الذي أنتجته جماعة كركوك.
لم يتمكن جبروت البعث من فرض الانحناء عليه وشراء قلمه وخلق القطيعة بينه وبين أصدقائه. كنا نعثر على بعضنا بعضا رغم الجو السياسي المكفهر والبعد والرقابة. عرفت أنه تألم كثيرا حين علم بقراري بترك الوطن في ربيع العام 1967 . وحين التقينا في بغداد تعانقنا على أمل اللقاء القريب في وطن حر وديمقراطي. وإن أنسى لن أنسى موقفه وهو يمد لي يد المعونة التي كنت أحتاجها فعلا، حيث وضع في يدي مبلغ خمسة دنانير. وحين زارني في الموصل في العام 1977 حيث سهرنا ليلة كاملة، قال كمن يواصل الحديث الذي بدأناه قبل عشرة أعوام:
"يبدو إننا لن نلتقي في وطن حر وديمقراطي"
وقلت:"المهم أن نلتقي نحن وتحت أي ظل كان"
وتباعدت أزمان ومحطات لقاءاتنا العفوية المتناثرة بين كركوك والموصل وبغداد والسليمانية وبرلين.
كان محي الدين صديقا حميما يركض وراء الصديق الحقيقي ولا يعرف النفاق. زرته آخر مرة في بداية نيسان من هذا العام في منزله بالسليمانية التي لجأ إليها بسبب تدهور الأوضاع في مدينة بعقوبة ثم ذهبنا إلى زيارة صديق عمرنا محمد الملا كريم الراقد في فراش المرض بمنزله. كان يتألم لحاله ويزوره يوميا رغم مرضه هو، دون أن يدري بأن الموت يتربص به. بعد ذلك اصطحبنا علي زنكنه إلى منزله حيث سهرنا إلى وقت متأخر من الليل ونحن نستمتع بالصوت الشجي للفنان محمد كركوكي. واتفقنا أن تكون السهرة القادمة في منزل محي الدين ولكن بعد إشعار آخر.
أجل، لقد وقف الموت بيننا وبين تحقيق أمنية محي الدين. وظلت تلك الأمسية هي الأخيرة التي قضيناها معا.
لن ننساك يا محي. سنظل نذكرك. وستظل قائما بيننا.
لك المجد ولأهلك وأصدقائك الصبر والسلوان.