الحق في الحياة.. محطة نلتقي عندها في واشنطن
الأحد 29 أغسطس / آب 2010 - 07:29:09
أوجه كلمتي هذه للسادة أعضاء وفدي التفاوض الفلسطيني والإسرائيلي الذي يبدأ بعد ساعات في واشنطن متمنيا لهما التوفيق في الوصول إلى سلام انتظرناه طويلا، وعمل بعضنا لسنوات طويلة من أجل الوصول إليه، كما عمل البعض منا بإخلاص شديد على استحالة تحقيقه. لذلك سوف أكون سعيدا إذا أثارت كلمتي هذه بعض الاهتمام لدى الطرفين بوصفي من دعاة السلام بين الشعبين، وبوصفي أيضا واحدا من هؤلاء الذين يؤمنون بأن السلام بين شعوب المنطقة جميعا، ليس أمرا مستحيلا.
يقول عاموس عوز الروائي الإسرائيلي وأحد نشطاء السلام، بأنه من الطبيعي أن تكون لنا نظرتان مختلفتان إلى الماضي، ولكن ذلك لا يمنع من أن تكون لنا نظرة واحدة إلى المستقبل. يا لها من مهمة شاقة وإن كانت ممكنة في حالة واحدة هي أن يزيح الطرفان كل الأوراق الموجودة أمامهما بكل ما تمتلئ به من قرارات ومخاوف وتحفظات ومحظورات وأهداف وآمال، أن يزيحوها إلى ركن بعيد من مائدة التفاوض لكي يلتقوا عند نقطة من المحتم أن تكون نقطة البداية في التفاوض من أجل الوصول إلى السلام، وهي الحق في الحياة. إنها النقطة التي يستحيل عندها أي منطق رافض أو متحفظ. هذه هي النقطة التي تتحول عندها النظرتان المختلفتان إلى الماضي، المثقلتان بالكراهية والتعاسة والشك والريبة، إلى نظرة واحدة إلى المستقبل، مستقبل الشعبين ومستقبل السلام في المنطقة.
ولأبدأ بكلمات مع السيد نتنياهو، أنت قارئ جيد للتاريخ يا سيدي، هذا ما فهمته من كتابك المهم «تستطيع الديمقراطية الغربية أن تهزم الإرهاب» الذي كتبته في بداية التسعينات، وتحول بالفعل في بداية الألفية الثالثة إلى قوانين في عدد من دول الغرب، أريد أن أقول لك إن التعبير أو المصطلح الذي طلعت علينا به أخيرا وهو «ضرورة الاعتراف بيهودية الدولة» لا لزوم له من كل الوجوه، سياسيا أو أخلاقيا، وليس مفيدا لدولة إسرائيل بحال من الأحوال نظرا للآثار السيئة التي يحدثها في نفوس الإسرائيليين العرب، ونفوس أهل المنطقة وخاصة هؤلاء الذين يؤمنون بحتمية السلام معكم. أعرف أن اليهودية دين وقومية سابقة حتى على الدين، ولكن ذلك بالتحديد ما لا يدركه أحد من سكان المنطقة، وهنا تبدأ خطورة الكلمات غير الضرورية والتي لا لزوم لها في وقت يروج فيه دعاة الديمقراطية في المنطقة لفكرة المواطنة والدولة الحديثة. لقد كان بوسعك أن تقول «الاعتراف بإسرائيل كدولة عبرية» وهو تعبير صحيح ولا يخيف أحدا، غير أنه أيضا لا لزوم له، ولكنك لم تفعل. إن هذا الأمر كما قال الأستاذ صالح القلاب منذ أيام على صفحات هذه الجريدة «سيؤثر على المدى القريب والبعيد على فلسطينيي 1948 وهو سيشكل حتما مبررا لاقتلاعهم من المناطق التي يوجدون فيها في الجليل وفي عكا والناصرة وحيفا ويافا واللد والرملة ومنطقة بئر سبع في الجنوب وتهجيرهم إلى الضفة الغربية وربما حتى إلى خارج فلسطين التاريخية كلها»
تستطيع أن تقول: ولكننا دولة ديمقراطية، والمواطنة فيها لها الأولوية.. عرب إسرائيل هم مواطنون في دولة إسرائيل ولهم كل حقوق المواطنة.
حسنا.. بماذا أفادك هذا المصطلح الذي أصر على أنه لا لزوم له، مصطلح (دولة إسرائيل) هل ترى أنه لا يكفي في ظروفنا الحالية وظروف المنطقة والرغبة في الوصول إلى السلام. لماذا تجعل من الاعتراف بوجود إسرائيل أمرا أكثر صعوبة على الدول العربية؟
دعني أشرح لك ما أقصده بتعبير «لا لزوم له».. لا بد أنك قرأت «أعمدة الحكمة السبعة» للورانس العرب، بعد أن وصل إلى العقبة في الحرب العالمية الأولى برا بخطته العبقرية، كانت الحامية التركية ضعيفة وقليلة العدد، لذلك استسلمت، وفوجئ لورانس بأحد ضباطه يقتلهم جميعا، وانزعج لورانس بشدة ليس لأسباب أخلاقية كما يقول هو بل لأنه يؤمن بأن أسوأ الأمور في التاريخ هي تلك التي لا لزوم لها.
أنتقل إلى نقطة أخرى، لم يكن من حق وزير خارجيتك أن يطلب من الشعب الإسرائيلي ألا يتوقع الكثير من هذه المفاوضات. حدث ذلك في الوقت الذي يصرح فيه أبو مازن بأنه ذاهب إلى المفاوضات حتى لو كان الأمل في نجاحها 1% فقط. لقد تكلم ليبرمان كرجل سياسة عينه على الشارع وليس كرجل دولة عينه على المؤرخ. هو لم يصرح بمقولته ردا على سؤال في لقاء صحافي مثلا، بل تطوع من تلقاء نفسه بأن يطلب من الشعب الإسرائيلي ألا يتوقع النجاح. خبرة التاريخ تقول إن هؤلاء الذين لا يتوقعون النجاح، يساهمون ربما بلا وعي في صنع الفشل. ترى ماذا كان لدى الرئيس السادات ليتوقع النجاح؟ كان لديه ثقته بنفسه وإيمانه بأنه قادر على صنع السلام. لذلك أنا أطلب من السادة أعضاء الوفدين أن يتوقعوا النجاح، ليس مسموحا لكم أن تفشلوا، ليس من حقكم أن تفشلوا هذه المرة، حماية للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي وحماية لنا نحن سكان هذه المنطقة. الفشل هذه المرة يجعل هذه المنطقة أكثر ضياعا وتعاسة ويهدد بقدوم المزيد من المردة والشياطين من تحت الأرض لتفجير المزيد من أهلها ولجعل السلام أمرا مستحيلا في كل البؤر المتفجرة في الشرق الأوسط.
الحق في الحياة هو القاعدة الإنسانية والسياسية والتاريخية التي أرى أن الاستناد إليها يؤدي إلى نجاح المفاوضات والوصول إلى اتفاقية سلام. أما القدس فمن الممكن الاتفاق على أن تكون عاصمة لشعبين ودولتين، مع بقائها أيضا موحدة تديرها بلدية واحدة، هذا هو أيضا ما يراه عدد من المثقفين الإسرائيليين.
لا بأس في نهاية كلمتي من أن أعيد على الجانب الفلسطيني ما حذرت منه طول الوقت، وهو البحث عن مواصفات للسلام كانت صالحة دائما لتعطيله وعدم الوصول إليه، نفس المواصفات استخدمت وستستخدم بالطبع لتعطيله، وهي تلك المواصفات التي تطلب من السلام أن يكون كاملا شاملا عادلا نهائيا، لا يوجد على الأرض شيء بهذه المواصفات، هذا سلام لا وجود له، ولكن توجد إجراءات واتفاقات سلامية - ليست نهائية - تخلق واقعا جديدا على الأرض قابلا للازدهار وقادرا على إعطاء البشر المزيد من حرية العمل والحركة والانتقال. كما يجب على الجانب الفلسطيني ألا يتوقف كثيرا عند نقطة أن تكون فلسطين منزوعة السلاح. الواقع أنه يستحيل عمليا أن تكون الإدارة الفلسطينية مجردة من السلاح. في كل الأحوال لا بد من جهاز أمني على درجة عالية من الكفاءة.
"الشرق الأوسط"