مقالات لنفس الكاتب
أخر مانشر
الأكثر قراءة
يوم اسبوع شهر
    دورية الأزمات!
    الأحد 29 أغسطس / آب 2010 - 07:33:48
    يجادل بعض الساسة بأن العراق ليس بدعا في تأخير تشكيل حكومته، إذ إن هذا حال كثير من الدول الديمقراطية، خصوصا تلك التي لا تأتي نتائج انتخاباتها أو نظامها المتبنى بأغلبية مطلقة قادرة على الحسم، من دون انتظار أو احتياج إلى تحالفات، ولكن الذي يغفلونه أن تلك الدول رسخت فيها المؤسسات وتعمل بمعزل عن الحكومة، بل هي غير معنية حتى بشكل الحكومة ولا تتأثر بها، وهذا مما يبعث لديها الاطمئنان والاستقلالية والحرفية في عملها، والثاني أن حيز النشاط والعمل الحكومي وتأثيره هو الأضيق عندهم بجانب الفعاليات الاقتصادية التي جلها يديرها القطاع الخاص، حتى لبنان الأقرب لنا تجربة وانحسارا في الأزمات، وتعسرا في ولادات حكوماته، وفي مقيداته التوافقية، فإن أغلب دخله القومي يعتمد على تحويلات العاملين في الخارج وعلى السياحة، حيث النشاط الحكومي هو الأضيق.

    ولكن في العراق، الأمر مختلف. ففضلا عن أن التحديات الأكبر مع العنف، التي يغذيها وينعشها التباطؤ في تشكيل الحكومة والفراغ وعدم ثبات المؤسسات وزئبقية الولاءات فيها وتنقلها وفقا للتحولات السياسية، والافتقار إلى ثبات الاستراتيجيات وإخضاعها إلى تغير الحكومات، كل ذلك يجعل من الفراغ والجمود البيئة المثلى للعنف. ومن جانب آخر، فإن العراق بخلاف الديمقراطيات الأخرى التي يقاس عليها، الدولة فيه هي المشغل الأكبر في المجتمع وهي ماسكة بالمنافع توزعها بصيغة رواتب ومنح.

    مع ذلك فإنه على عمق واستطالة وتأثير أزمة التشكل الحكومي الحالية وكونها تأخذ بعدها الكارثي عندما تجري على وقع طاحونة الموت وتتعايش بجانب التردي في بناه التحتية واقتصاده، فإن الأهم أنه على النظام السياسي أن يعالج دورية الأزمات، تلك التي تنتج احتمالات لمفاوضات لا نهاية لها بعد كل انتخابات. فالأزمة الحالية خلقتها «تقنيا» مشكلة من يجب أن يحصل على الفرصة الأولى لتشكيل الحكومة، فعلى الرغم من أن أيا من الأطراف لم يحصل على الأغلبية الكافية أو القريبة من التشكيل، فإن هناك إدراكا بأن أيا كان الذي سيتم تكليفه بالذهاب أولا، فإنه سوف ينجح، بسبب أن الكتل البرلمانية والأحزاب منقسمة ولا تقوم على أسس آيديولوجية قوية ولا تتسم بالضبط الحزبي، حيث إنها مهتمة بالوصول إلى السلطة وأن تكون في دائرة الفعل السياسي ومنتفعة من المغانم التي تجلبها المشاركة أكثر مما هي مهتمة بالسياسات، فكما يصف أحد شخصيات الكتل الكبيرة هجينية كتلته بأنها تجمع تحت غطاء ليبرالي، بعثيين سابقين وإخوان مسلمين وقوميين وشيوعيين ويساريين وعشائريين وليبراليين، في حين يؤشر أحد الساسة الكبار إلى المخاوف من منح التكليف الأول بالتشكيل، بأنه في العراق لو كلفت عجوزا بتشكيل الحكومة فإنها ستنجح، لكونها ستمسك بيد كيسا به خمس وثلاثون حقيبة وزارية، وباليد الأخرى منافع الحكم، وتستطيع أن توزعها وتغري وتحول الولاءات وتشظي الكتل، وإن كنت لا أميل إلى هذه المخاوف وأفترض الأفضل عن الانسداد بأنه لو سمح لعلاوي بالمحاولة والفشل، ولكن السياسيين لا يمتلكون مثلي ترف التجريب والمجازفة!

    لذا فالأهم لتجنب دورية الأزمات التي ستصيب النظام السياسي بعد كل انتخابات، الابتداء بالدستور، بعدم إبقاء عباراته احتمالية التفسير وحمالة أوجه، بل جعلها قطعية النص والدلالة، وثانيا موازنة السلطات من الناحية الفعلية وعدم جعلها في الفرع التنفيذي من السلطة. وهنا لا بد من الإقرار بأن الدستور منح سلطات واسعة للسلطة التشريعية، بل حتى فضلها وخصها بحق الإطاحة بالحكومة من دون أن يكون ذلك حقا مقابلا للحكومة بحل البرلمان كما هو معمول به في النظم البرلمانية. والمسلك الثاني الأقرب عمليا وآنيا لو كانت قد جربته الكتل منذ وقت مبكر على بدء الانسداد، أن تحتكم للشعب في تعيين المرشح لرئاسة الوزراء من بين المرشحين الجديين وهم لا يزيدون على ثلاثة، لكان الاختيار كاشفا عن إرادة الشعب وليس مرتهنا بمناورات الكتل، ولأصبح اختيارا عابرا للمكونات وموضعا للإجماع الوطني، والمسلك الثالث هو وضع توقيتات زمنية لتشكيل الحكومات مستقبلا، في حالة الفشل في ملاقاتها يعاد عندها الأمر إلى الشعب صاحب التفويض بالدعوة لإجراء انتخابات ثانية أملا في أن تأتي بمعادلة أيسر تساعد على التشكيل، وهذا سيكون سيفا مسلطا على الكتل السياسية يجبرها على التوافق، ومن ناحية ثانية يجعل الناخبين أمام مسؤولياتهم بضرورة منح التفويض الكامل لجهة دون توزيعه على عدد من الجهات، وبخلافه سيظل نظامنا السياسي يجتر أزماته!

    "الشرق الأوسط"
      © 2005 - 2011 Copyrights akhbaar.org all right reserved
      Designed by Ayoub media & managed by Ilykit