الفكرة والنسق الفكري
الأربعاء 1 سبتمبر / أيلول 2010 - 22:19:21
لا يمكن انتاج الأفكار من فراغ، فالأفكار بحاجة إلى خزين معرفي يستمد عمقه من التاريخ البشري فلا يصح القول بوجود أفكار قديمة وأخرى جديدة إلا ببعدها الزمني، فالأفكار القديمة زمنياً قد تكون صالحة للحاضر وعلى خلافه قد تكون الأفكار الجديدة لا تصمد أمام عتبة المستقبل فمن دون أن يمتلك الفردخزين معرفي لا يمكنه انتاج الأفكار لأنها عملية تطعيم بين جذر الفكرة في النسق الفكري وما يضيفه الفرد إليها لتكون فكرة جديدة يمكن تداولها.
لا يرتبط قيمة الفكرة بمدة انتاجها بل في ماهيتها وما يمكن أن تقدمه من فائدة للمجتمع لأن غاية العلوم والثقافة هو الارتقاء بالجنس البشري إلى مرتب أعلى، فالاعتقاد الشخصي الذي يوظف في بناء الفكرة عبر تفكير عميق لا يعد جهداً ذاتياً بحتاً وإنما جهداً مضافاً إلى جهود بذلت عبر التاريخ لتمهيد الأرضية الفكرية لانتاج الأفكار الجديدة.
إن الفكرة المنتجة لا يمكن عدّها كائناً منفصلاً عن أقرانه من الكائنات الفكرية الأخرى ةإلا فإنها تولد ميتة، فالفكرة تستمد حياتها من صلاتها مع أقرانها ومن المحيط لأجل أن تكون جزءاً من النسق الفكري للإنسانية.
يقول (( جوزيا رويس )) : " إن فكرتي هي نتاج مخاض طويل من التفكير والاعتقاد الشخصي الذي أستمد المعرفة من النسق الفكري للبشرية ".
لا يوجد فكر مستقل تماماً، ومن ثم فإن الأفكار ذاتها غير مستقلة بل يجب أن تكون منحازة، فالانحياز ليس تحزباً أو انتصاراً لرأي على حساب آخر بقدر ما هو مساهمة شخصية منتجة لحساب النسق الفكري العام لتصبح الفكرة جزءاً منه وليس بمعزل عنه، كما أن المساهمة ليس بالضرورة أن تكون صالحة لتكون جزءاً من النسق الفكري العام فيرفضها. إن الفكرة المنتجة ليست كتلة صلبة لرأي محدد، وإنما هي كتلة مؤلفة من مكونات فكرية تشكل بمجموعها ماهية الفكرة المنتجة، وفي الوقت ذاته كل مكون فكري على الرغم من صلاته مع أقرانه من المكونات الفكرية له صلاته مع المحيط. وفي المحصلة فإن مجموع الصلات تعد رابطاً وهمياً بينها وبين المحيط الذي لا يستهلك الأفكار وحسب، بل يعكس الآراء المتباينة عنها فإنما أن يجري تجديدها وتطويرها وإما أن تخلق من ذاتها جذور جديدة تصلح لأن تكون مادة أولية لانتاج فكرة جديدة من مفكر جديد يستمد معارفه من النسق الفكري ذاته. وهكذا فإنها تعدّ سلسلة فكرية إنسانية غير منتهية الحلقات وتضاف إليها حلقات جديدة خلال كل مرحلة تاريخية من عمر البشرية ليستمر التطور والتحديث للأفكار لأجل الارتقاء بالعنصر البشري لمراتب أعلى.
يعتقد (( جوزيا رويس )) " أن تاريخ الفكر بمثابة مدرسة فكرية إنسانية يتعلم الفرد منها صناعة عملياته الفكرية بنموذج إنساني وتزداد قدرته على تقييم العمل الإبداعي ".
هذا لا يعني أن كل الأفكار هي أفكاراً إنسانية تصب في خدمة الإنسان، فهناك الأفكار الشريرة أيضاً هي الأخرى تستمد من النسق الفكري مستلزماتها المعرفية لأجل تحطيم الإنسان لأن العالم قائم أساساً على ثنائية الخير والشر.
لذلك يجب التمييز بين الأفكار الخيرة والشريرة على الرغم من أنهما يستمدان مكوناتهما من النسق الفكري الضارب جذوره في عمق التاريخ البشري، فليس كل البشر ملائكة ولا كلهم شياطين. والحياة ذاتها لا تتبع نموذجاً واحداً لنمطها لاحتواء نماذج متباينة من البشر لكل منهم رواسبه الكامنة التي لا يعرف بالضبط حجم الخير منها أو الشرير. ومن ثم فإن حراكهم الفكير ينتج أفكاراً متباينة قد تكون خيرة على نحو محض أة شريرة بصورة كاملة، لكن في الوقت ذاته قد تستخدم الفكرة الخيرة في عمل شرير وقد تستثمر الفكرة الشريرة في عمل خير.
يعتقد (( نيتشه )) " إن الفكر عرف قديماً بصورة إله، وفي زمن لاحق عرف بصورة إنسان، وفي الحاضر عرف بصورة وحش ".
إن كانت الوقائع في المجتمع ليس سهلاً تغييرها لأنها من خاصته وثوابته والمساس بها يعد مساساً بقيمه وأعراف، لذلك عملية التغيير تتطلب زمناً طويلاً لضمان عدم حدوث اضطرابات اجتماعية وفي المقابل الأفكار على الرغم أنها ولدت حرة يسجنها المجتمع وراء القضبان ويفرض قيوداً لا حصر لها على تطبيقها أو تجديدها ومن ثم فإنها ليست حرة تماماً، فاللسلطة قيودها وللمجتمع تابوات لا حصر لها.
يقول (( جوزيا رويس )) : " إن العالم الواقع أسوأ من القيود، ولعالم الأفكار أيضاً موانعه وسلاسله وقلاعه الحصينة التي ليس سهلاً اجتيازها ".
إن النسق الفكري للبشرية يحمل في داخله الشيء ونقيضه بعدّه خزاناً كبيراً لجمع النتاج الفكري للبشرية عير مراحلها التاريخية لكنه من دون مرشحات للفصل بين الأفكار الخيرة والأفكار الشريرة، فالإنسان الذي انتج كلا الأفكار أودعها في خزائن التاريخ المعرفي للبشر لتشتغل بمثابة نسق فكري يمتد من عمق الحضارة الإنسانية إلى حاضرها ليكون للإنسان تاريخ وهوية حضارية أسهمت في تطوره وتقدمه.
الموقع الشخصي للكاتب:
http://www.watersexpert.se/