عن مهنة بيع وشراء الذمم الثقافيّة والصحافيّة في بازارات الشرق الأوسط!
الخميس 2 سبتمبر / أيلول 2010 - 21:08:25
من مستلزمات توثيق وتثبيت وترسيخ وإشاعات... الأجندات والمشاريع والأنظمة والتيّارات السياسيّة، وجود حملة تغذية وترويج وتسويق إعلامي لها، ليس من داخل الدوائر المعنيّة بها وحسب، بل الأجدى، أن تكون مصحوبة بحملة إعلاميّة خارجيّة. فالأخيرة، أنفع وأكثر مصداقيّة، لكونها صادرة من أناس، قد لا يرتبطون بأيّة آصرة، قوميّة أو سياسيّة، بالجهة أو النظام...، صاحب الأجندة أو المشروع. وعليه، يكون دفاع العربيّ عن القضايا العربيّة أمراً، اعتياديّاً. وحين يكون المدافعون عن القضايا العربيّة، من غير العرب، ومثقّفون وصحافيون وإعلاميون، يغدو دفاعهم أكثر لفتاً للانتباه. وكذا الحال، آناء تضامن بعضهم مع حقوق وقضايا الأكراد. إذ يكون الدفاع أجدى وأحسن وأقوى وأبرز، إذا كان آتياً من مثقف عربي أو تركي أو فارسي، لكون أنظمة هذه الشعوب، تتقاسم الجغراقيا الطبيعيّة والبشريّة، بفعل "سايكس _ بيكو" وما تبعها، وتقمع وتضطهد الكرد. تضامن من هذا النوع، يبرز أهميّة ومسؤوليّة وحساسيّة العلائق الإنسانيّة، وأخلاقيّة وسموّ فعل الكتابة والإعلام لدى كل مثقّف، ذو ضميرٍ حيّ، يتضامن مع أيّة مظلمة أو مظلوم، حتّى لو كان الظالم من بني ملّته القوميّة أو الدينيّة أو الطائفيّة السياسيّة. وهنا، تجدر الإشارة إلى مئات الشهداء الأكراد الذي سقطوا في سبيل القضيّة الفلسطينيّة، ودفاعاً عن القضايا العربيّة. ثمّ كيف للكرد أن ينسوا تضامن عشرات المثقفين العرب والأتراك والأوروبيين مع قضيّتهم وحقوقهم. وعلى سبيل الذكر لا الحصر: المفكّر العراقي هادي العلوي، وعالم الاجتماع التركي اسماعيل بيشيكجي، والسيّدة دانيال ميتيران والمفكّر نعوم تشومسكي ودعاية حقوق الانسان ديزموند توتو.
هذا الصنف من المثقفين، ممن دافعوا عن قضايا وحقوق المظلومين، دون مقابل، انطلاقاً من الضمير والذمّة الثقافيّة والاخلاقيّة والانسانيّة الحيّة، ثمّة على المقلب الآخر، أسماء ثقافيّة وإعلاميّة وأكاديميّة بارزة، دافعت عن سياسات الظالمين، وغازلت الدكتاتوريّات، وشرعنت الاستبداد، وبررت الاستعباد، وساهمت في إنعاش واستشراء وترطيب وتلطيف الفساد والإفساد، فضللت العباد، واتلفت المجتمعات والبلاد. وهذا الصنف من كتبة الظالمين والفسادين، جذورهم ضاربة في القِدَم. إذ كثيراً ما نراهم حول الملوك والسلاطين والاباطرة، يسعون لنيل الرضا منهم، ويبررون غاياتهم ووسائلهم على حدٍّ سواء. ولا نفشي سرَّاً، إذ نقول: إن بازارات الشرق الأوسط، باتت تعجّ بهذا الصنف، مع ندرة أصحاب الذمم والهمم الثقافيّة الحيّة والصلبة، الذين يأبون وضع كلمتهم ورأيهم على طاولة المتاجرة والعرض والطلب!.
قصص النظام العراقي السابق، في هذا الصدد، أشهر من النار على علم. بل ثمّة مبدأ كان رائجاً لدى النظام العراقي السابق، وصار بوصلة كل النظم الاستبداديّة الشرق أوسطيّة، بهذا الخصوص، أطلقه النائب السابق لصدّام حسين، طارق عزيز، حين قال: "بثمن دبّابة واحدة، يمكن شراء ذمم كتيبة كتّاب ومثقّفين"!. ويبدو أنه رغم افتضاح لوائح اسماء مثقّفين وإعلاميين الكوبونات النفطيّة، على زمن النظام العراقي السابق، لا زالت هذه المهنة، تزداد رواجاً في العراق الحالي أيضاً، وبل أكثر بشاعة وشناعة وقباحة ووقاحة، مما كانت عليه هذه المنهة، على زمن صدّام حسين!. والأنكى، أن المتظّلمين والمتضررين من تلك السياسة الصدّاميّة في شراء الذمم الثقافيّة والإعلاميّة، بغية تشويههم والنيل من قضاياهم، صار المظلومون، يمارسون هذه المهنة القبيحة، ليس لخدمة القضيّة، بل لخدمة أشخاصهم وزواريبهم ودكاكينهم السياسيّة. والقصد هنا، قادة كردستان العراق. دون أن نعفي بقيّة الرهط السياسي العراقي العربي، الشيعي _ السنّي، من هذا المسلك الوسخ!.
في الإقليم الفيدرالي الكردي العراقي، أكثر القطاعات انتهاكاً، ومعبراً لتبييض الأموال، هو الإعلام. وغالبيّة المؤسسات الإعلاميّة، يتقاسمها الحزبان الرئيسان، الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني!. مع وجود قلّة من الصحف والمجلاّت وقنوات التلفزة والإذاعات، المستقّلة، أو خارج نطاق سيطرة الحزبين الرئيسيين. ويحظى رئيس الوزراء السابق، نيجيرفان بارزاني، بحصّة الأسد، من الإعلام الكردي في كردستان العراق. في حين بدأ رئيس الوزراء الحالي برهم صالح، هو أيضاً، يتّجه نحو تكوين إقطاعه الإعلامي، إذ أطلق قبل فترة، مجلّة "الأسبوعيّة"!. ومما يثير "الإعجاب"، قدرة قادة كردستان العراق، على شراء صحافيين عرب بارزين، ودلق الأموال في جيوب الكثير من محرري صحف عربيّة مهمّة، بعد أن فرغوا من شراء أصوات كرديّة كانت تنتقدهم، بشدّة وصرامة ولاذعة!. وإلى ذلك، ذكراً وليس حصراً، تخصيص الرئيس جلال طالباني، سيارة مصفحّة، كي تقلّ كاتب كردي سوري مقيم في عاصمة أوروبيّة، تمّ توجيه الدعوة إليه، من مطار بغداد إلى مكتب طالباني في السليمانيّة!. فانزلق كاتبنا نحو تدبيج المدائح بحكمة وعبقريّة قادة كردستان العراق والنهضة ونضوج التجربة "الديمقراطيّة" في كردستان، وصار يكتب مقالات نقديّة في قادة كردستان العراق، بين الفينة والأخرى، لحفظ ما الوجه، أو أن ما دُفِعَ له، نفد، بالتقادم!.
ومن قصص محاولات قادة كردستان العراق شراء ذمم بعض الاعلاميين العرب، عرض منصب إدارة مكتب قناة تابعة لطالباني على زميل إعلامي عربي مهمّ، كان يعمل في تركيا. ناهيكم عن شراء العديد من مثقفين وإعلاميين أتراك، يسوّقون لقادة كردستان العراق في الصحافة التركيّة!.
وكذا الحال مع زعيم حزب العدالة والتنمية، ورئيس الحكومة التركيّة، رجب طيّب أردوغان، الذي نجح، إيّما نجاح، في استمالة وبل شراء كمّ لا بأس به من المثقفين والصحافيين العرب، بغية التسويق لاردوغان وحزبه، ثمّ لتركيا، تحت قيادته!. وينبغي ألاّ ننسى محور خامنئي _ أحمدي نجاد، الذي بدوره، نجح، أيّما نجاح، في شراء كتيبة من الإعلاميين والمثقفين العرب، الذين يدافعون عن سياسات إيران، إن بشكل مباشر، أو عبر الدفاع عن أدوراته وزواريبه السياسيّة في لبنان وفلسطين والعراق والبحرين واليمن.
ولعل أبرز أسباب هذه المهنة، هو توافر شرط الاستعداد وقابليّة الاستجابة لدى بعض المثقفين والاعلاميين، لوضع كلمتهم ورأيهم على بازار العرض والطلب، مع الاسف الشديد. وبل الأكثر خباثة ورداءة، هو صلافة بعض الإعلاميين الذين يعرفون كيف يستدّرون الأموال من خزائن المستبدّين والفاسدين الى جيوبهم، بأن يتنقدوا هذا المسلك، ثمّ يقترفونه!. ومن طينة ذلك، ما فعله صاحب موقع إلكتروني عربي مهمّ ومشهور، حين سمح لبعض الكتّاب الكرد والعرب، نشر مقالات ناقدة وحادّة، بحقّ قيادات كردستان العراق، بهدف زيادة منسوب المقابل والمردود المادّي والمعنوي، لقاءَ منعه نشر هذه المقالات!. وبذا، جعل هذا الإعلامي العربي، الكثير من الكتّاب الناقمين على الفساد في كردستان العراق، مطيّة، بغية اسحصال الحظوة والمكرمة لدى زعامات كرد العراق!. وقد تمّ له ذلك، بأن تمت توجه الدعوة له لزيارة كردستان العراق، بحجّة ثقافيّة!.
قصارى القول: يظنّ شُرَّاء الذمم الثقافيّة وباعتها، أنّهم مستورون، لا تراهم الأعين ولا تسمعهم الآذان!. وهم يعرفون أن التاريخ، قد يتغافل، لكنّه لا ولم لن يرحم!. وإذا كانت بازارات الشرق الأوسط، الأكثر اتساعاً، وانتعاشاً بالفساد والإفساد، صار ليس غريباً، اكتشاف أن من كنّا نظّنه، داعم قضيّة ونصير حقوق مظلومين، يتّضح أنه بائع كلام ومتاجر، وذو ذمّة واسعة، وصاحب ضمير مستتر _ ظاهر، مرفوع لفظاً على أنه فاعل، وهو المنصوب محلاً على أنه مفعول فيه وبه في آن!. بعد العذر من قواعد اللغة ونحاتها.
كاتب كردي
Shengo76@hotmail.com