وضعت حقيبتي بجواري ,بها ملابس أمير ذلك الطفل الوديع الذي يحبه كل من رآه ,لم يتجاوز الستة شهور ,قبلته امرأة لا اعرفها من فمه وقالت لي
_اللهم أحفظه لك فأنت إلام المثالية التي تحسن التصرف في حياتها ,
المركز الصحي كان مكتظا بالمراجعين وأكثرهم من النساء ,اليوم بدأت حملة التلقيح للأطفال التي أعلن عنها عبر شاشات التلفاز ,لم أرى سوى اللون الأسود الطاغي إلى امتداد بصري ,من عباءات النسوة المنتشرات في المكان ,حدقت في تقاطيع وجه صغيري الذي لم يكن ابني بل ابن أخي التي تركته زوجته وغادرت بيتنا لأسباب لم تكن مقنعة ,لم أرضى على الطريقة التي تم فيها إعلان الخطوبة والزواج بشكل يلفت الانتباه,وكانت طريقة أرشادنا أليها قبل الخطوبة بواسطة أمها التي ما أن سمعت بان أمي تفتش عن زوجة لأخي حتى بادرتها بالكلام
_أتفتشين وابنتي موجودة ..؟
وحدث الذي حدث وباليته لم يحدث فقد نشبت المشاكل التي تفتعلها بسبب او بغيره وكانت تطالبنا بالمكوث مع أمها التي أدخلت الخراب في بيتنا والحزن الشديد والحياة المريبة إلى تفكير أخي أبا أمير ,كلما استدرت إلى جهة من الاتجاهات قبله كل من تقع أنظاره عليه ,بشوشا ومحبوبا ومرتب الهندام ونظيف الملابس ,ورقيق الصورة ومبتهج مبتسم طوال الوقت ,احتضنته بشغف وأجلسته داخل عربته الزرقاء اللون وبين هنية وأخرى أجده رافعا يداه للأعلى يطالبني بحمله ,انتزعته من بين الملابس المتراكمة داخل العربة ونطقت بصوتي الذي اعتاد عليه
_أموري ...حبيبي ..ها تريد الحليب ...
ظل فاتحا فمه وقد عرف ما أريده فحرك يداه مبتسما مناغيا لي
_اوغ...أوه...أيا....
حاول كل جهده أن يلتهم (الممه) وابتسم أخذا مآبها من حليب ,أعادتني الصورة إلى الأيام التي خلت يوم ولدته أمه وما أن خرجت متعافية حتى أرسلت ألينا المولود وكأنه ليس ولدها ولن تحس بتاتا بمشاعر الأمومة ,وكل غايتها التخلص منه بأي طريقه ,كانت ليلة سوداء مازالت أثارها باقية في ذاكرتي , يوم تجولنا بمولدنا كي نجد من ترضعه لن نجد حتى عدنا بإدراجنا حامليه وليدها أليه قلنا لها
_فقط ارضعيه ..
كانت رافضة وبشكل غريب وعجيب ,أما لا تريد وليدها الأول ,أيقنت أنها من عجائب الدنيا السبع,وان هذه المرأة جاحدة وكافرة بكل القيم الإنسانية ولن أجد ذرة واحدة من مشاعر الأمومة ,كان أخي استسلم ليأس لم يعد يطيقه لأنه لم يفعل الشيء المعيب حتى تتصرف مع ابنها هكذا..في منتصف الليلة ساعدتنا جارتنا وأعطته الحليب ,لا ادري والدهشة لن تفارقني فلن تسال عليه ولو لمرة واحدة , كأنها تغيرت نحو الحقد والكراهية من الممكن أن تكون لنا بل ليس لوليدها الوحيد ,حتى اعتبرت سؤالها عن ولدها لعنة تصيبها ,أريد أن أقول لها من خلال واقع عليها أن تحتسب له وكل من أفراد عائلتي يدعون عليها لو تزوجت أن يحرمها الله من الإنجاب لأنها لم تعتني بعطاء الله لها من ذرية تركتها تصارع العوز إلى حنانها ,بقى أخي بلا زواج بعد الذي عاشه وذاقه من زوجة مات قلبها قبل موت روحها وكلما سألته عندما أراه ساهرا على ولده أمير
_ما بك يا أخي أبا أمير ...
في عين الأسى والمرارة كان جوابه
_الم ترين ما فعلت بي زوجتي ....؟
حاولت إن اخفف من ألمه وعذابه قائلة له
_آنت لم تكن أول من طلق زوجته ..؟
قال لي وبعصبية
_أنا كنت السبب في تعذيب هذا الطفل الرضيع ..
كنت اخشي أن أوقظه فقد أغمض عينيه تاركا بقايا من الحليب في( ممته)وجهه الرائع جعل الممرضة أن توخزه الإبرة برقه لكنه صرخ بصوت عالي متألما منها ضمته الأخرى الواقفة جواره وقالت
_الله يحفظ ولدك لك ...
لم أرد عليها بأية كلمة بل حملته على كتفي وبيدي ادفع عربته وعلى عيني دموعا اذرفها بها دون شعور ,كنت أتمنى أن يهبني الله طفلا مثل أمير وان لا أرى أما مثل آمه في حياتي ...
هادي عباس حسين