قصة قصيرة .. هـكـذا تفنى الأسر
... انه كغيره من مئات الشبان الذين تعج بهم المقاهي وتموج الشوارع، فلا تكاد هذه تسعهم، ولا تكاد تلك ترحب بهم... فالمقاهي ـ على وسعها ـ والشوارع ـ على كثرتها ـ تفصح بصراحة متناهية عن البطالة المنتشرة، انتشارا فضيعا في هذا المجتمع، وتكشف الستار عن مشكلة مستعصية تتهدد وتتوعد ويا للأسف!.
اجل! انه كغيره من مئات الشبان.. أكمل دراسته الثانوية،

وليس لديه المال الكافي ليتم دراسته الجامعية.. وليس لأهله المقدرة على الأنفاق عليه.. وليس لهم من معيل سواه .. فإذا به الأن شريد الشوارع والطرقات .. ونزيل المقاهي .. فلا يكاد يدخل بيته المتهدم البالي إلا ليأكل وينام .. ولا يمكث في فراشه غير ساعات قليلة، إذ انه يقضي جل الليل خارج البيت، ولا يعود إليه الآ بعد ساعة متأخرة تتجاوز الساعة الواحدة في كثير من ألليالي ! ...انه كغيره من الشبان ليس له ـ بالرغم من هذه البطالة المستحوذة عليه والآخذة بخناقه ولا ذنب له فيها بطبيعة الحال ـ انه كغيره من الشبان ليس له من عمل ينشغل به أو مهنة يتعاطاها ، وقد عدم المال والنصير وسدت أبواب الوظائف بوجهه لا يسعه إلا ان يطرق أبوابا لا يعود طرقها عليه بغير الضرر، ويسلك طرقا شائكة ، لا ينتج السير فيها إلا الوبال والدمار !
... ولهذا راح " رمزي " يطرق أبوابا مخطورة ، ويسلك دروبا وعرة في سبيل الحصول على بضعة دراهم يرن صوتها في جيب سرواله كلما مسته يده أو أصدمت به يد غيره مصادفة فلا تمكث تلك الدراهم في جيبه غير ساعات ينفقها على المقاهي ودور اللهو وباقي مرافقها بريئة طاهرة كانت أم دنيئة منحطة،حتى يعاود الكرة بعد الكرة، فيطرق تلك الأبواب ويسلك هذي الدروب.
ولعل سائلا يسأل عن تلك الأبواب التي يطرقها "رمزي" و تلك الدروب التي يسير فيها! إنها أبواب الاحتيال والتزوير ودروب الخداع والحيلة .. تلك الأبواب والدروب التي وجد في الركون إليها معينا له في الحياة ، هذه الشقية التعسة التي يحياها، على خلاف ما ارتآه كثيرون غيره من الشبان الذين لم يجدوا فيها إلا واسطة مشينة وعمل مستقبحا مستهجنا مقيتا !
... ولكن ماله ولغيره من الشبان الذين يشكون نفس ما يشكو ويعانون ما يعاني من إفلاس. فقد يكون لهم أقارب يساعدونهم وقد يكون لهم آباء ينفقون عليهم وقد يكون لهم أبواب مفتوحة ودروب معبدة لم يستطيع هو ان يتوصل إليها ! ولكنه هو، هو وحده ، ليس له من أقارب يساعدوه ولا أب ينفق عليه، فقد توافاه الله قبل سنتين ، وهو معدم وليس أمامه أبواب مفتوحة وطرق معبدة .. فماذا يفعل إذن ؟! لا شيء أمامه غير هذه الخطة التي وجد في انتهاجها معينا له على الحياة ، وان كان لفترة من الزمن قد تطول وقد لا تطول فهي ان طالت فبحسبه انه حر طليق السراح ، وهي ان قصرت ، فيكفيه انه نزيل السجون يعيش فيه عيشة يقبلها كل القبول وهو داخلها ، ولكنه لن يرضى عنها وهو حر يعيش بين أناس يأكلون ما يشتهون ويفعلون ما يشاءون ويلهون كيف يرغبون !.
عاش "رمزي" سنتين كاملتين على هذه الحال، حتى اعتادها وأضحى لا يجد ضررا في استمرارها أو ضير في بقائها كما شعر في مستهل انتهاجه خطة تلك التي قادته الظروف إليها، وهو لا يدري كيف قادته، حتى ساقه حظه العاثر، ذات يوم، إلى احد كبار موظفي الدولة يعرض له تذاكر حفلة فنية "وهمية" وكان بصحبة ذلك لموظف الكبير احد موظفي وزارة الشؤون الاجتماعية من المشرفين على مثل هذه الأمور، فانتهى به الأمر إلى ان يقضي في سجن بغداد بضعة أشهر لا يحتاج فيها إلى التزوير والاحتيال ولا يحتاج الى مبالغ يصرفها على لهوه أو على مأكله ومشربه .. فقد وجد داخل السجن ما يعوض له ذلك !.
لم يكن"رمزي" مجرما بطبعه ـ كما يقول بعض الكتاب والفلاسفة حين يبحثون عن عوامل الإجرام ـ ولم يكن بالإنسان الذي سلك الدرب الوعر الشائك، مختارا عن طيب خاطر. وجد جميع سبل الخير مسدودة أمامه. ولهذا نراه، وقد ترك السجن يحاول ان يسدل ستارا على هذا الماضي المشين الذي لا يشرفه ولا يشرف أي إنسان بمستوى ـ ولو ضئيل ـ من الثقافة ، فكيف به وهو يحمل شهادة الدراسة الثانوية ؟!.
وهكذا راح"رمزي" يفتش له عن عمل ويبحث عن وظيفة، فلم يجد عملا ولم يعثر على وظيفة، فالوضع هو، هو لم يتغير ولم يتبدل...أبواب مسدودة، وطرق وعرة ، وبطالة عامة وإنما ازداد سوءا على سوء بالنسبة له، فقد افتضح أمره لدى الكثيرين، حتى غدا الناس يخشونه ويحذرون كل حركة من حركاته وسكنه من سكناته.. فما عاد ليرى نفسه إلا غريبا شريدا في ارض ليس له فيها عيش أو حياة، وما عاد ليرى الناس غير أعداء الداء له، لا يعرفون نقاء ضميره ولا طهارة قلبه ولا يحسون بنزعته إلى الخير!.إنهم يفسرون كل حركة يأتيها بخلاف ما ينتويها ويقصدها.. إنهم يبتعدون عنه ويتهربون منه، فكأنه المجرم الوحيد الخطر على هذه البسيطة وكأن المئات غيره من المجرمين الخطرين الذين تطاردهم العدالة، شرفاء فضلاء ذوو نفوس طاهرة وذيول نقية لم يأتوا إثما ولم يرتكبوا جرما!.. وإلا فما بال الناس ينظرون إليه نظرات كلها سخرية وازدراء؟. وما بالهم يزدرون به ويحتقرونه؟! انه قام بما قام وفعل ما فعل مندفعا بعامل الحاجة والحرمان، فلم يجد سبيلا غير السبيل الذي سلكه فهل وجد أفضل من ذلك السبيل ولم يسر فيه؟! كلا، وألف كلا ! أو قد يكون هناك سبيل غير ذلك السبيل انتهجه غيره، ولكن لم يكن غير ذلك السبيل إمامه، فلم يجد نفسه إلا وهو فيه!..
لقد فارق"رمزي" أسرته التي كان هو المسئول عن إعالتها والمكونة من أمه العجوز وشقيقته البالغة ثلاثة وعشرين عاما، منذ ان دخل السجن ولم يعد إليها حتى بعد خروجه منه ومضى سنة على ذلك. وخطر له يوما ان يقصد بيته، وأي بيت ذاك المتهدم البالي؟ فما وجد للبيت أثرا غير سقوف متهدمة وأكوام من الحجارة وغربان تنعق.. "فقد ماتت والدته، أما شقيقته فلا يعرف من أمرها شيء" هكذا قال له الجيران، وهم يكلمونه بحذر وحيطة، بل بازدراء واشمئزاز فما استطاع ان يستزيد السؤال!..
ان القدر ذلك العابث الساخر ليدفعه دفعا إلى الإجرام وبالتالي إلى البؤس والشقاء والحرمان.. انه اليوم وحيد شريد طريد.. حتى أمه التي كانت تضحك له وتقبل جبينه بحنو وعطف قد ماتت.. وأخته، أخته تلك التي كان يجد فيها العزاء والسلوى، حتى تلك أخته الحبيبة إلى قلبه ، قد اختفت، فلا يعرف هو من أمرها شيئا، ترى أين رمت بها المقادير؟..والى أين ساءت بها الأقدار؟!
تبا لهذا القدر الذي يطارده ويعاكسه. أفلم يبق في الكون مخلوق سواه حتى يظل هذا القدر العنيد يلاحقه هو وحده؟؟..
لا تستغرب، ولا تعجب ـ ياسيدي ـ ان أخبرك ان الأمر انتهى "برمزي" إلى ان يمتهن أحقر المهن.. لا تسلني ـ يا سيدي ـ كيف أصبح كذلك. فانا مثلك لا ادري.. ولكنني مثلك ادري ان الحاجة تسوق "برمزي" وغير"رمزي" إلى هذا السبيل والى ما هو اخطر من هذا السبيل.. وتستطيع الأن ان تقول عنه انه أضحى غير ذلك الإنسان الذي كان.
وانتهى به الوقت يوما ما إلى ان يلتقي بأخته في مجال مهنته الجديدة. وهكذا أتم القدر ما كان ينسجه، واخذ يضحك ساخرا من هذا المجتمع .
نشرت في ملحق "صدى الأهالي في العراق" "عذرا من القراء. لم أجد التاريخ "
بقلم المرحوم سليم البصون