النساء والثورات والعنف
    السبت 26 نوفمبر / تشرين الثاني 2011 - 20:53
    د. آمال قرامي / تونس
    لا تفهم قضيّة العنف المسلّط على النساء في مرحلة ما بعد الثورة إلاّ إذا نزّلناها في إطار ما واجهته النساء في جميع الانتفاضات والثورات العربية: العنف اللفظي والعنف الجسدي والعنف النفسي والعنف الاقتصادي والعنف المادي والعنف الرمزي. وهو عنف تجاوز الحدود العُمرية والطبقية والثقافية والعرقية والمذهبية والدينية والأيديولوجية والجغرافية وسلّط على النساء في الشوارع والبيوت والمزارع والمدارس وغيرها.
    وبالمقارنة مع ما كابدته السوريات أو الليبيات أو اليمنيات والبحرينيات  فإنّ ما ارتكبه 'البوليس السياسي' بحقّ التونسيات في الحوض المنجمي والقصرين وسيدي بوزيد وتالة وغيرها من المدن والقرى التونسية من انتهاكات يبقى أقلّ وحشيّة.
    بيد أنّ هذه الاعتداءات(اختطاف وتعذيب باستخدام مواد كيمائية حارقة وتقطيع أوصال الجسد واغتصابات وحشية، وقتل، وضرب مبرح، وشتم...)  لم تمثّل موضوع نقاش عميق بين مختلف الفاعلين السياسيين أو الناشطين الحقوقيين أو المثقفين أو الإعلاميين العرب .وهو أمر غير مستغرب مادامت ملفّات الاعتداء على النساء في الجزائر والسودان و إيران والعراق قد وضعت في رفوف لفّها النسيان بتعلّة أنّ قضايا النساء لا تشكّل أولويّة فهنّ  يمثلّن 'الآخر'.
    وبالرغم من أن المرأة التونسية كانت شريكاً أساسياً في الثورة، ولم تتأخّر عن النهوض بدورها وأداء واجبها تجاه الوطن، فإنّها لم تنل مكاسب تعكس حجم طموحاتها وكفاءاتها وقدراتها الفعليّة. فتمثيل المرأة سياسياً سواء في الحكومات المؤقتة أو المواقع القيادية كان ضعيفاً في بلد طالما افتخر بأنّ المرأة التونسية هي أنموذج بالنسبة إلى جميع النساء في العالم العربي الإسلامي.
    بيد أنّ هذا الخطاب جوبه بخطاب يعكس أوّل شكل من أشكال العنف ونعني بذلك تغييب حضور المرأة في مواقع صناعة القرار في تونس في هذه المرحلة المهمّة من تاريخها وتبرير ذلك بأنّ النساء غير قادرات على مواجهة حالة معقّدة تعيشها البلاد (عدد الوزيرات، كاتبات الدولة، استبعاد النساء من مناصب الولاة....).
    ولئن كان نصيب النساء في حكومات ما بعد الثورات تهميش أدوارهن فإنّ الظاهرة التي تلفت الانتباه تتعلّق بارتفاع حالات انتهاك حقوق النساء في الشهور الأخيرة وهو أمر يتعدّى تونس ليشمل مصر فعلى سبيل المثال ذكر تقرير حقوقي صادر عن مركز أولاد الأرض لحقوق الإنسان، أنّ هناك ارتفاعاً حادّاً في العنف ضدّ المرأة في مصر بعد الثورة، وشكّل العنف الأسري النسبة الأكبر في العنف ضدّ المرأة، و قد بلغت نسبة حوادث القتل على خلفية الشرف 59.4% من إجمالي حوادث العنف في ستة أشهر، ثمّ يأتي الاغتصاب في المرتبة الثانية بنسبة 20% بسبب الانفلات الأمني.
    والوضع في تونس ما بعد الثورة يشير هو الآخر إلى حالات عنف ممنهج ضدّ النساء في الشارع وأماكن العمل والجامعات والمدارس ولجوء بعض العائلات إلى تحجيب الفتيات القصّر وحتّى الراشدات رُغما عنهن وممارسة التضييق أو التحرّش بغير المحجبات فضلا عن لجوء بعض المسؤولين والموظفين أو الأساتذة إلى إلزامية الفصل بين الجنسين أو إجبار البنات المقيمات في المعاهد على لبس اللباس الشرعي  ...
    ولم يكن خطاب 'التطمين' والوعود بإبقاء الحال على ما هو عليه وعدم المساس بمكاسب التونسيات مُجديا ولم يكن أنموذج مرشحة النهضة "السافرة" مقنعا ومُحقّقا النجاعة المطلوبة فغير المحجبة تصنّف في دائرة 'المختلف' والأستاذات الجامعيات في دائرة 'العلمانيات '... لقد ارتفعت وتيرة الاعتداء على النساء بنسق سريع فهذه هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التونسية تطرد أستاذة جامعية (إقبال الغربي) من منصبها مديرة لإذاعة الزيتونة بدعوى أنّها غير مؤهلة للعمل في 'إذاعة مقدّسة' (على ملك صخر الماطري). ولم تقف إهانة الجامعيات عند هذا الحد إذ أجبرت أستاذتان في مدرسة الفنون الجميلة في القيروان على إعلان 'الشهادة' أمام الجميع ، حتى يسمح لهن بالخروج من مكتب الأساتذة وتم تهديدهن بطردهن إن لم يلتزمن بتغيير زيّهن. هذه بعض عيّنات عن عنف ما بعد الثورة التونسية، وهي مظاهر جديدة وممارسات تخبر عن استشراء 'كره النساء' و'تأديب' النساء بدعوى الدفاع عن 'الشريعة'.
    والواقع أنّ محاولة إخضاع النساء وترويعهن باستخدام العنف ضدّهن عمليّة لا يمكن فصلها عن سائر أشكال القهر الأخرى، فهياكل السلطة الأبوية التي تكرّس تبعيّة النساء قد ظهرت جليّة في مرحلة التحوّلات الديمقراطية وأدّت إلى المزيد من التهميش وتفعيل ثقافة العنف وانتهاك حقوق النساء في الفضاءات الخاصّة والعامّة والحيلولة دون تمتعهنّ بالمواطنة الكاملة وبحياة آمنة.
    وهو أمر يثبت أنّ المرأة هي دائماً الضحيّة الأولى في المراحل الاستثنائية في حياة الشعوب، مثل الحروب أو الانقلابات العسكرية أو الثورات، وفي المراحل التي عادة ما تشهد حالات انفلات أمني، ممّا يؤدي إلى انتعاش الجريمة وانتشار المجرمين بشكل واضح، وعادة ما توجه جرائم هؤلاء ضد الفئات 'الأضعف' في المجتمع:النساء.
    أمام هذا التوصيف الموجز لواقع الحال لابدّ من التحرّك الجماعي والتعبئة من أجل ضمان حقّ العيش معا والعمل الجادّ والسريع ضمن أطر جديدة وبآليات جديدة. ولعلّ ما يحدث متصّل بعوامل معقّدة تستدعي التفكيك وطرح الأسئلة.
    1- لِمَ لمْ تنل قضية الاعتداء على النساء بالتغطية الإعلامية التي تستحقّها ولم تكن مرئية، ألأنّها مُحرجة للضمير الجمعي؟ لِمَ يستمر الصمت بشأن ما تعانيه فئة من النساء من اعتداءات في وسائل النقل العمومي وفي أماكن العمل؟ هل تُنغّص إثارة هذا الملفّ على مسار الثورة طعم الفرح والحبور وعلى مسار افتتاح المجلس التأسيسي نشوة الانتصار؟. لِم لَمْ يتمّ فتح أيّ تحقيق رسميّ يتعلّق بعمليّات الاغتصاب الّتي تناقلها سكّان بعض المدن؟. لقد تجاهلت الحكومة تلك الأعمال ولم تحصّل الضّحايا حتّى اليوم على تعويضات أو ردّ اعتبار وعناية نفسية واجتماعية. بل إنّ أغلب الجناة مازالوا طليقين، وتجد الجمعيّة التّونسيّة للنّساء الدّيمقراطيات نفسها وحيدة تطوف البلاد منذ عدّة أشهر لجمع شهادات النّساء ضحايا العنف وشهادات أقاربهنّ ولمرافقتهنّ في إجراءاتهنّ القضائيّة.
    2- هل يجوز الاستمرار في الحديث عن عنف بصيغة المفرد أم أنّنا انتقلنا إلى مرحلة تقتضي استعمال صيغة الجمع (Les violences). فنحن إزاء عنف من الرجل وفي حالات أخرى عنف من المرأة (تصريحات سعاد عبد الرحيم بشأن التبنّي أو اتفاقيات مناهضة التمييز ضدّ النساءCEDAW)والمجتمع والدولة في آن واحد ،وأمام أشكال وأساليب وممارسات متعدّدة للعنف ضدّ المرأة.
    3- كيف ينبغي التعامل مع ملّف العنف ضدّ النساء: هل ينبغي التركيز على الضحايا أم البحث عن هوّية المعتدين الذين قد يتحوّلون بدورهم إلى ضحايا أدلجة أو جهل أو توظيف؟ ولا يخفى أنّ طبيعة المرحلة جعلت المعتدى عليهن يجدن صعوبة في تحديد الجهة التي تقف وراء المعتدين: رجال بلحى وقمصان وفي حالات أخرى نساء ببرقع أو محجبات وفي حالات أخرى نساء غير محجبات وشبان بزيّ 'عصريّ'.
    4- من المستفيد من وراء تخويف النساء؟ وما هي المقاصد من وراء تكريس ثقافة الخوف، وثقافة الكره، وثقافة الفرز حسب المظهر والممارسات والانتماءات الضيّقة؟

    وحتى لا يكون خطابنا مهدّدا لضمائر تنشد الإطمئنان أو يستهدف أطرافا نقترح مجموعة من الخطوات التي نعتبر أنّها تساعد في محاصرة هذه الظاهرة في هذا السياق التاريخي الخاص الذي لا نريد أن تعرقله أحداث من هذا القبيل.
    1- ينبغي الاعتراف بوجود هذه الحالات ومواجهتها بكل شجاعة كلّ من موقعه و'العمل معا' من أجل الوطن في محاولة للمّ الشمل وتوحيد المجتمع التونسي ونبذ الفرقة وتكريس التسامح والقبول بالاختلاف والتعددية، أي تجذير المواطنة.
     2- ينبغي نقل التعبئة من الأوساط المناضلة التّقليدية إلى أوساط جديدة تشتغل وفق خطط تتآزر فيها جهود من هم في موقع القرار مع الجمعيات مع المبادرات مع الناشطين الحقوقيين مع المؤسسات التعليمية والأمنية ....
     3- نعتبر أنّ على الجمعيات النّسويّة أن ترسّخ نفسها داخل الشّرائح الشّعبيّة وأن تخرج من خانة حُشرت فيها :النخب الفكريّة ذات الأصول البرجوازيّة الصغيرة في الغالب، فقد آن  الأوان لتقوم بإعادة تنظيم ذاتها ومراجعة جوهر عملها وأن تعمد إلى قراءة نقدية لآليات اشتغالها حتى تساهم في بناء الحركة النضاليّة المطلوبة في مثل هذه الفترة. وما من شكّ في أنّ مستقبل كلّ مسار من المسارات الثّوريّة في البلدان العربيّة مرتبط في جزء منه، بالمكانة الّتي ستحتلّها هذه الجمعيات النّسائيّة وكلّ قوى المجتمع المدني.

    4- إنّ سبل مواجهة أشكال العنف تتطلّب معالجة فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية ونشر الوعي والتربية على حقوق الإنسان والدفاع عن حقوق المرأة المشروعة في المجتمع الديمقراطي. فثمة علاقة جدلية بين الأمية والجهل والبطالة وغياب الوازع الديني والاجتماعي من جهة، واستمرار ممارسة العنف ضد المرأة في المجتمع من جهة أخرى.
    5- على منظمات المجتمع المدني أن تنشر الفكر الحرّ والثقافة الديمقراطية وأن تحارب كلّ أشكال سلب المرأة حقوقها وممارسة العنف ضدها. وعليها اتخاذ تدابير عاجلة لتغيير الثقافة الذكورية النمطية التي تعمل على استبعاد النساء عن مواقع اتخاذ القرار في المجالين العام والخاص نظرا إلى أن حقوق النساء هي حقوق إنسانية عالمية ولا يمكن التسامح مع أية إساءة تستهدف أو تشرّع استهداف سلامة النساء الجسدية والنفسية باسم الثقافة أو التقاليد أو الدين.
    6- على المؤسسة الإعلامية أن تتحمّل مسؤوليتها فتخرج من منطق إدانة العنف الذي يمارس ضد النساء والفتيات في جميع أشكاله الجسدية، الجنسية، النفسية، الاقتصادية، المؤسساتية والاجتماعية إلى فتح ملف حوار وطني جادّ ينأى عن ممارسة التراشق بالتهم والتشكيك في النوايا وخدمة أجندا التيارات السياسية. إنّه إعلام  تعبوي يحثّ الحكومات الوطنية على اتخاذ إجراءات عاجلة لتعزيز وتبني تشريعات ملزمة غير متسامحة مع الجناة ومرتكبي العنف ضد النساء. .
    7- التشبيك بين مختلف الفاعلين وخلق حركة تضامنية شاملة ذات أهداف محددة ومنظمة بحيث تنشأ جماعات الضغط التي تربط قضية العنف بالسياسة، والاقتصاد، والصحة، والثقافة والفن، والإعلام، والتعليم، والقانون وتوضح العلاقة الجدلية ما بين العنف وهذه المحاور.
    8- خروج النساء من حالة الصمت والخوف فقد أثبتت مشاركتهن في الثورات أنّهن كسرن جدار الصمت وتمتعن بثقة عالية في أنفسهن وتحرّرن من مرحلة الرضا بالمكتوب وواجهن 'الكاميرا' بكل رباطة جأش وأخبرن العالم وواصلن 'الحكي'. ولعلّ أهمّ سؤال يتردد على ألسنة التونسيات والعربيات اليوم: هل سيتراجع وضع التونسية وهل سنمر من حالة استبداد إلى حالة استبداد من نوع آخر؟
    8- عملية التصدي للعنف ضدّ النساء تتطلب تضافر جهود الرجال والنساء معا فلا يمكن أن تتحرر المرأة من القهر طالما أنّ الرجل يعيش أزمات متعددة منها ما له صلة بالوضع الاقتصادي السياسي ومنها ما له وشائج بالقيم التي تشكّل صورة الرجل عنه نفسه وبناء رجولته فأمام اندثار قوامة مادية تشعر الرجل بقيمته في الحياة باتت القوامة 'التأديبية 'والعنف آليات المواجهة.
    وفي اعتقادنا، لا يمكن تجاوز هذه المرحلة دون تحمّل النخب السياسية والثقافية ومن اختارهم الشعب ليمثلوه في المجلس التأسيسي رجالا ونساء مسؤولياتهم وأن يكونوا أوفياء لدماء الشهداء ولقيم مات هؤلاء من أجل أن ينعم بها الآخرون. ولعلّ أهمّ مطلب هو دسترة القوانين الضامنة للحريات والمكرسة للمواطنة والحامية للنساء من كلّ أشكال العنف.
    ولمّا كان حزب النهضة ذا مرجعية دينية فإننا نأمل أن تفعّل المنظومة القيمية الدينية في أرض الواقع اليومي وأن يعلو المنابر رجال يكرسون التسامح والتوادد والرحمة لا الكره والتلاعن والتنابز بالألقاب حتى يثبت أنّ الفزّاعة الإسلامية ليست حقيقة معيوشة بل هي 'أضغاث أحلام'...ومرحلة استثنائية شاذة و'الشاذ لا يقاس عليه''. ذاك هو الرهان الأكبر والتحدّي أن تنجح حركة النهضة في بثّ الطمأنينة الفعلية وأن تنشر السلم الاجتماعي وأن تحقق التعايش وفق مبدأ المواطنة: قد نكون نهضاويين، علمانيين، سلفيين ،ملحدين، بهائيين، من الإسلام السياسي ، متنصرين ، شيعة، اباضيين ....ولكنّنا برغم اختلافاتنا تونسيون، نحبّ تونس' صباحا مساء ويوم الأحد'.
        لقد ساهمت الثورات في تنمية الوعي السياسي ودعت إلى منظومة قيمية إنسانية: الحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية وما نعاينه اليوم نأمل أن يكون مرحلة ظرفية 'تغتسل فيها بعض الأطراف' من أدرانها ليعود إليها الرشد فتعمد إلى أنسنة سلوكها.
     
    © 2005 - 2024 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media