عجز مفهوم الناتج الوطني في قياس التنمية والرفاهية في المجتمعات، هل حان الوقت لرميه في مزبلة التاريخ ؟ !
الأربعاء 18 يناير / كانون الثاني 2012 - 21:52
د. باسم سيفي
معد ومحرر مجلة قضايا ستراتيجية
منذ عصر التنوير والثورة العلمية والصناعية ومعظم مجتمعات العالم ترى اهمية تحسين معيشة الناس من خلال تحسين الغذاء والصحة والتعليم والعمل والحرية بشكل اساسي وهذا ما اصبح مطلب انساني عام وتعمل على تحقيقه الدول المختلفة من خلال مشاريع التنمية. مع تطور النظريات الاقتصادي من كلاسيكية جديدة وماركسية اصبح مفهوم التنمية مرادفا للنمو الاقتصادي ويحسب على اساس زيادة انتاج واستهلاك المجتمع من بضائع وخدمات. ومن هنا اصبح من الضروري ابتكار مؤشر الناتج الوطني. اختزال التنمية الى نمو اقتصادي يقاس بحجم الناتج الوطني والذى يتزايد مع زيادة الانتاج والاستهلاك المادي في القطاعات المختلفة يقود المجتمعات البشرية الى كوارث على المدى البعيد بسبب تعزيز الجوانب الفردية والمصلحية في المواطنين واهمال البيئة الطبيعية واستنزاف الموارد وتراجع القيم الاجتماعية واطلاق العنان لاستهلاك مادي متصاعد لا تتحمله كرتنا الأرضية وانظمتها الايكولوجية. معظم الزيادات في الانتاج الزراعي والصناعي التى حصلت في القرن العشرين وتحصل اليوم هي على حساب تدهور البيئات الطبيعية واستنزاف الموارد الطبيعية.
التنمية والنمو الاقتصادي تقاس بالناتج الوطني وهو مجموع قيمة ما ينتجه المواطنين والدولة من بضائع وخدمات وهو يساوي مجموع مداخيل المواطنين ولذا يطلق عليه ابضا بالدخل الوطني، وهذا اختزال كبير لموضوع التنمية الذي يعني ويهتم بتحسين معيشة المواطنين في المأكل والصحة والتعليم والامن والعمل والحرية. من الصعب انكار وجود علاقة ايجابية بشكل عام بين زيادة الدخل الوطني وارتفاع مستوى المعيشة ولكن اذا كانت التنمية وما تعنيه من تحسن في هذه الامور مهمة ومن صميم اهدافنا فلم قياسها بشكل غير مباشر عن طريق الناتج الوطني. في العقود الماضية جرى بعض الترقيع على مفهوم الدخل الوطني من حيث شمول القروض والاستثمارات الخارجية وايضا القدرة الشرائية للعملات الوطنية دون ان يغير ذلك كثيرا من معنى وفائدة المفهوم. الاقتصادي والفيلسوف امارتيا سن الذي ساهمت اعماله في تبني مؤشرات مياشرة لاهداف التنمية يقترح في كتابه "التنمية كتحرر" اعتبار التنمية زيادة في التحرر من الجوع والمرض والجهل والبطالة والاضطهاد السياسي والاجتماعي. مثل هذا التحرر يمكن تلبيته للاجيال الحالية والقادمة عن طريق التنمية الحقيقية او التنمية المستدامة وليس عن طريق انتاج واستهلاك مادي متصاعد نسعى اليه بالنمو الاقتصادي.
مفهوم التنمية المستدامة ظهر في الثمانينات بسبب تعاظم المشاكل البيئية منذ اواسط القرن الماضى على المستوى المحلى والوطنى والعالمى حيث ان تلوث الهواء والماء والتربة لم يتزايد فقط على المستوى المحلي وبالأخص المدن الكبيرة وانما انتقل ايضا عبر البلدان والقارات. فانتشار الكيمياويات وتدهور البيئات الطبيعية وزيادة الاحتباس الحراري (تحمية مناخ الارض) اصبحت مشاكل عالمية تهدد المجتمعات البشرية. هذه وغيرها من المشاكل البيئية مصاحبة لنمط وحجم الانتاج والاستهلاك المعاصر والذى يسبب ايضا اضمحلال الموارد الطبيعية المتجددة مثل الغابات والأراضي الخصبة والغير متجددة مثل النفط والمعادن والتى ازدادت اسعارها بشكل ملحوض فى السنوات القليلة الماضية. ومع ضوضاء النمو الاقتصادي والتقدم نرى ازدياد المشاكل الأجتماعية من فقر وتهميش وادمان وجرائم. هذا يعني ان هناك نقص واضح وعجز كبير فى مشاريع التنمية والنمو الأقتصادى التى مورست خلال القرن العشرين وتمارس حاليا.
التنمية في قطاعات الزراعة والصناعة والمواصلات والصحة والاسكان العراقية خُذلت بسبب المشاكل البيئية والمتعلقة بالموارد الطبيعية والاجتماعية حيث تراجع الجودة في المعيشة متمثلة باستياء واسع وهجرة ملحوضة عن مناطق النشأة رغم تحسن الوضع المادي لشريحة كبيرة من المجتمع وزيادت الناتج الوطنى بشكل ملحوظ. مقارنة سريعة بين الدخل الوطني في الستينات والآن تشير الى مضاعفة معدل دخل الفرد خلال 50 سنة. نحن الذين كنا شبابا في الستينات هل نرى تحسن في مستوى حياة الشباب وسعادتهم بين تلك الايام والان؟ شلتنا في الكاظمية وكنا من الطبقة الوسطى كانت تنظم السفرات والمسكوف بين فترة واخرى ولم يكن ذلك يشكل عبأ مالي يذكر وكنا نذهب الى الاعظمية لمشاهدة فلم ونتعشى بصمونة على الماشي وكل ذلك بدرهم واحد. كنا نقرأ ونلهو ونتناقش ونهتم بقضايا شعبنا واحداث العالم. في دردشة مع جنود قرب القشلة قبل عدد من الشهور وكنا ثلاثة من شلة الستينات قال احد الجنود: عمي انتو من زمن الخير والثقافة!
لا يمكن لمؤشر الناتج الوطني ان يمثل الجودة في المعيشة او رفاهية الناس التي هي حسب العالم النفسي ماسلوف حالة عقلية مرتبطة بالقناعة في تلبية الحاجات الانسانية الاساسية من مأكل وملبس وبيئة نظيفة وامان وانتماء واحترام النفس والجماليات. هذه الحاجات مرتبطة بالانسان ككائن اجتماعي فيه جوانب متعددة لم يكن فيها وعبر تاريخنا اهمية كبيرة للجانب الأقتصادي مثلما هو عليه اليوم والامس القريب. النظريات الاقتصادية السائدة ومشاريع التنمية والنمو الاقتصادي تؤكد الانسان الاقتصادي الذي يسعى الى الحصول على الحد الاعلى من الفوائد المادية. اما التنمية المستدامة فهي تلبية الحاجات الانسانية الاساسية للاجيال الحالية من مستوى معقول من الغذاء والصحة والتعليم والسكن والعمل والانتماء والحرية والجماليات والروحانيات بدون اعاقة الأجيال القادمة في العقود والقرون القادمة من تلبية احتياجاتهم. في هذا المفهوم يصبح الانسان كائن اجتماعي يهتم في منظومة المجتمع والبيئة المحيطة.
بالاضافة الى النقاش اعلاه حول عجز مفهوم الناتج الوطني في تمثيل رفاهية الشعوب وتقدم المجتمعات يمكن تشخيص نواقص وسلبيات مهمة في مؤشر الناتج الوطني الذي لا يزال المؤشر السائد في دول العالم لاتخاذ القرارات والمقارنة بين الدول وبين الفترات الزمنية في الدولة الواحدة منها:
1. استبعاد النشاطات الاقتصادية التي لا تمارس ضمن عمليات السوق او الانتاج الرسمي مثل العمل البيتي والتطوعي. فالعمل غير مدفوع الثمن لا يدخل في الانتاج الوطني، اي ان عمل ربة البيت لا يحسب في الناتج الوطني ولكن اذا قامت به عاملة او شركة تأخذ اجر مقابل ذلك فعندها يحسب. وكذلك العمل التطوعي في النوادي الرياضية والجوامع والمنتديات الثقافية ليس ذا قيمة فى الدخل الوطني رغم قيمتهم الكبيرة للمجتمع.
2. شمول خدمات الدولة في الدفاع والتهديم والتنظيف وشراء الاسلحة والمعدات والمواد لذلك وحسب التكاليف في الناتج الوطني وان كانت لا تفيد المجتمع مثلما يدعى. فما يصرف على بناء وتشغيل السجون عند زيادة الجرائم والتي قد يتسببها النمو الاقتصادي الغير عادل في التوزيع وعلى تنظيف المناطق الملوثة والخطرة يزيد من الدخل الوطني.
3. اهمال كيفية توزيع الزيادات في الناتج الوطني التي قد تكون لفائدة الشريحة العليا من المجتمع او لدكتاتور وبطانيته، وهذا يعني زيادة الفوارق الطبقية وشعور الغالبية بتردي اوضاعها المعيشة. فقد يزداد الدخل القومي للفرد كمعدل بخمسة بالمائة يذهب معضمها لمنفعة الاغنياء والمتنفذين في حين يعاني معظم المواطنين من تردي الخدمات وانخفاض قدرتهم الشرائية.
4. تدهور البيئات الطبيعية والطبيعية الاجتماعية مثل المساحات الخضراء والمنتزهات وتلوث الهواء والماء والتربة وزيادة الجرائم والفوارق الطبقية والنفاق لا تدخل في حسابات الناتج الوطني رغم سلبيتها على المجتنع. اليس لتلوث الهواء وانتشار الكمياويات من ثمن يجب ان يطرح من حسابات الناتج الوطني؟ وأليس للمنتزه والبستان من قيمة جمالية وصحية؟
5. استنزاف الموارد الطبيعية المتجددة والغير متجددة تدخل في حسابات الدخل الوطني كزيادة فقط رغم انها تخفض من الثروة الوطنية ويجب اعتباره نقصان في الرأسمال ايضا. فالنفط الذي يستخرج يخفض من المخزون القابل للاستخراج وقد يهدر ايضا كميات من الغاز المصاحب والمياه ويلوث البيئة ولكن استخراجه وبيعه فقط يضيف الى الناتج الوطني.
6. مؤشر الناتج الوطني يتزايد مع زيادة الانتاج والاستهلاك في القطاعات المختلفة وان كان بعضها يؤثر بشكل سلبي على حياة الناس ولا يحسنها اجمالا مثل انتاج واستيراد واستهلاك الكمامات بسبب تلوث الهواء وماء القناني البلاستيكية بسبب تلوث او الاعتقاد بتلوث ماء الاسالة. بشكل عام يمكن القول بان الاشياء المفيدة للناس والمشاعة في الاستعمال مثل الهواء النقي والبيئة النظيفة والامان لا تساهم في الناتج الوطني الا عندما تتدهور وتزداد في الندرة.
الحكام والمسؤولون الذين تهمهم مراكزهم ومصالحهم اكثر من مصلحة مجتمعهم الحالية والمسقبلية لا يرون او لا يريدون ان يرون هذه المنغصات لانها تقلل من ادعائاتهم بالمنجزات بقياس الناتج الوطني. منذ ثمانينات القرن الماضي حيث ادراك المشاكل البيئية المتراكمة ونقد مفهوم الناتج الوطني كمؤشر للتنمية والرفاهية في تزايد مستمر يدعونا الى التخلي عن هذا المفهوم او تغيره بشكل جذري ليشمل السيئات كتكاليف تطرح من الناتج الوطني. فنقصان المخزون الاحتياطي من النفط والغاز والمعادن يجب ان يحسب على انه نقصان في رأسمال الدولة في شكل ودرجة ما مثل احتساب كل ما يزيد عن نصف او واحد بالمائة من المخزون المعلن كنقصان في الرأسمال وكذلك كل ما يهدر من النفط والغاز المصاحب. تقلص البساتين وغابات النخيل والارض الزراعية يجب ايضا ان يحسب على انه نقصان في الرأسمال يطرح من الناتج الوطني وكذلك ما يصرف على الدفاع والاسلحة ومكافحة الجريمة ومعالجة تلوث الهواء والماء والتربة يجب ان لا يحسب كزيادة في الناتج الوطني.
وتطرح حاليا ومنذ سنوات منظمة التنمية الدولية في تقاريرها حول مؤشر التنمية البشرية في البلدان المختلفة معايير او مؤشرات مباشرة كمستوى الصحة والتعليم والفقر والتعليم والعمل والحريات وغيرها. تبني هذه المؤشرات في العراق والتوعية بها اهم بكثير في اتخاذ القرارات لرسم مستقبل العراق ووضعه في طريق التنمية المستدامة من مؤشر الناتج الوطني الذي لا يقيس سوى تداول الاموال في الانتاج والاستهلاك. ومن المفيد ان تضاف مؤشرات تعكس واقع البيئة واستخدام الموارد الطبيعية المتجددة والغير متجددة. على المستوى الوطني تقدير حجم انبعاث غازات الاحتباس الحراري للفرد الواحد مؤشر جيد بشكل عام وان كانت فائدته الرئيسية هو معرفة اسهامنا في تحمية مناخ الارض. حساب انتاجية الارض من المواد العضوية مؤشر جيد لحسن او سوء اسخدام الموارد الطبيعية المتجددة وحساب نسبة النفط المستخرج الى المخزون المعلن والقابل للاستخراج مؤشر جيد على استنزاف الموارد الطبيعية الغير متجددة.