إن كان الاسلام هو الحل ؟ فما هو الداء ؟
    الجمعة 20 يناير / كانون الثاني 2012 - 22:31
    سيلوس العراقي
    انتشرت نكتة (أو ربما قصة حقيقية !) في العراق بعد قيام الأمريكان بتحرير العراق ، تقول بأن مجموعة من العراقيين قاموا بالاستيلاء على أحد السجون في البصرة والدخول الى زنزانات السجن تحت الأرض حيث كان يقبع فيها الكثير من السجناء المقطوعين عن العالم وأخباره وما تم فيه من تغييرات منذ عدة سنوات. فكان بأحد السجناء المعمرين في زنزاناتهم منذ عقود، ذو لحية وصلت بطولها لتلامس فخذيه ، أن تفاجأ وسأل مقتحمي الزنزانات وتحرير من كانوا فيها: ماذا حصل ؟ هل تم الانقلاب على حكم أبو هيثم  ـ أحمد حسن البكر؟ !
    النكتة معبرة جداً وذات دلالات من الممكن أن تكون مثالاً للأوضاع التي كان عليها العراق في عقود عديدة من القرن الماضي (مع أني أشك أنه قد خرج منها تماماً). حينما سمعت النكتة من أحد الاخوة العراقيين الفارين الى لبنان (حيث كنت هناك لعديد من السنوات) من جحيم ما بعد التحرير الأميريكي للعراق، تذكرت حينها قصة أهل الكهف الشهيرة التي يأتي على ذكرها أفلاطون.
     أهل الكهف الذين ما كان لهم أن يتصوروا حياة أخرى أكثر حقيقية من حياتهم خارج عالمهم ـ كهفهم ، بل كانوا يعتقدون بأن حياتهم في الكهف هي الحقيقية بل والمثالية، وبقية القصة معروفة لكثيرين حينما رأوا النور خارج الكهف لأول مرة. هناك في صورة الرجل المنقطع عن العالم تماماً في زنزانته في أعماق الأرض وحياة أهل وحالة أهل الكهف شيء من الشبه في حدود معينة .
    في أيام من السنة الماضية 2011 لا أدري كيف رجعت بي الذاكرة الى تلك النكتة، حينما بدأت التحركات الشعبية في عديد من الدول العربية، تونس ومصر وليبيا و سوريا، واليمن، وكان في قراءة ما حدث وما يحدث من قبل الاعلام إن لم يكن أكثرية الكتاب (اسمحوا لي القول بتسرعهم ) بتسميته بالربيع العربي، وبالرغم من أن هذه التسمية ممكنة في بعض وجوهها، ولكن ليس في كل أوجهها .

    أهل الكهوف لا يطيقون الحياة خارج كهوفهم :
    فالحال الذي كانت عليه الدول العربية هي ذات حال قصة المثال الافلاطوني لأهل الكهف. فإن كان السادة المفكرين والصحافيين والكتاب ومعشر المتابعين المنصفين النزيهين يتذكرون المسيرات المدوية التي كانت تقوم بها الجماهير العربية ذاتها اليوم ،في شوارعها وساحاتها ذاتها اليوم وباسمائها وصورها وهتافاتها ، لكن كانت تهتف باسم حكامها وحياتهم وتصفق لهم وتعتبر مثلاً الجماهير في مصر في شخص الرئيس مبارك رمزاً لمصر ولعنفوانها ولمواقفه الشجاعة في الدفاع عن مصر وتحقيق مصالحها ومصالح العرب ، زعيماً للعرب. هذا لم يحدث فقط في مصر، بل في سوريا أيضاً ، حيث الشعب السوري المنتفض اليوم ، هو ذاته مع الكثير من اللبنانيين (شاميي وأسديي الهوى والعقيدة القاطنين في الحديقة أو المحافظة السورية " لبنان") كانت تهتف وتشق حناجرها صراخاً،  وتملأ اعلامها الصفراء والبرتقالية والمردية والأملية (ولا زالت) تعظيماً باسم وحياة الأسد وممانعته باعتباره حجر الزاوية والسند والدعم الوحيد لما يسمى بالممانعة والكرامة والحقوق والى ما شابه من الشعارات الحنجرية، الى حد اعتبار أن من دون سوريا سوف ينقرض العرب والعروبة ، وأن سوريا هي بلاد الحرية والتعايش والديمقراطية والرفاهية والعدالة الاجتماعية والحمص والتبولي واللبني ووو. ومن دون سوريا الأسد سينتهي لبنان بالنسبة لعدد كبيرمنهم.
    أعتقد أنه تكفي هاتين الصورتين من دولتين عربيتين تدعيان بأنهما حصن العرب والعروبة، لنتفحص مقاربتهما من القصة الاستعارية الافلاطونية لأهل الكهف. مع انهم سيتفوقون على قصة الكهف الافلاطوني.
    لأن ما سيضيفه العرب النجباء من سكان الكهوف (على القصة الافلاطونية) أن الكثير منهم لا يود الخروج من كهوفه، بل يتوسل بقوى وكهوف كبيرة كروسيا والصين وايران (القابعين كلهم في كهوفهم بشكل أكثر أو أقل ، نسبياً ، والأمر سيان)  للمساعدة والدعم لعدم الرغبة في الخروج من الكهوف التي شعوبهم فيها.
    سننتظر الأحداث (ونحاول أن لا نتسرع هذه المرة مثلما حدث في بداية الانتفاضات العربية ) لنرى مدى امكانية انتصار الراغبين في البقاء في الكهوف التي لا تريد أن ترى أنوار العالم الحقيقية وتظن أن أنوار أو ظلمات كهوفها هي النور الحقيقي وعلى الآخرين الذين قد بدأوا الخروج أو هم في طور الخروج (النهائي ؟ أيضاً لا يمكننا الحكم على نهائية قرار الخروج) أن لا ينتفضوا على قادة الكهوف لأنه سيتم مثلاً اصلاح أمر الكهوف.

    حالة كهفية جديدة :
    لماذا اصراري على عدم الحكم في أن المحتجين في بعض الدول العربية قد خرجوا أو هم في طور الخروج من كهوفهم الظلامية ؟
    إن ما يحدث في مصر مثلاً يشير (وربما يؤكد) أن جماعة كبرى معروفة (لا يصعب على الفهيم تسميتها) ترغب بادخال الخارجين مما يسمونه جحيم (كهف) مبارك الى كهوف ليست بجديدة بل أكثر عتمة وأكثر ظلامية أخرجوها من قصص قديمة (منذ 15 قرناً) كانت فيها أقوامهم ترى في ظلماتها النورَ الحقيقي الذي أنار حتى العالم الاوربي وأخرجه من ظلماته قبل قرون !
    لا أريد القول هنا بأنني ضد خروج الشعوب من كهوفها المظلمة، لكن أحب القول أن لا فائدة من الخروج من كهف مظلم للدخول في آخر أكثر ظلاماً. والمهم وبحسب قصة أهل الكهف وجود أحد ما كأفلاطون مثلاً قادراً على توعية وتنظيم سير الخارجين ووضع علامات سير للشعوب الخارجة من كهوفها والتي لم تتعود على النور والحرية ـ لأنها بضاعة بل عالم جديد ـ عليها أن تتبع فيه علامات مرورية عديدة تشير لها وبالالوان الى أماكن الخطر ومواضع عدم المرور والتوقف قبل الاستدارة. ولاتباع القواعد المنطقية في تحويل البشر من سكان لأهل الكف الى بشر جدد يستلزم الكثير من عمليات اعادة ولادة العقل والنظر والبصيرة ليتمكنوا من رؤية العلامات الخطرة التي يظننونها هي الطريق السليم من أجل عدم الدخول في كهوف أكثر ظلاماً.
    وبحسب اعتقادي ـ في حالة مصر وغيرها من الدول المنتفضة ـ فان الدين الاسلامي وشريعته لا تفيد كعلامات مرور سليمة في مشوار الشعوب لاكمال مسيرة الخروج من الكهف بشكل تام.
     ليس لي أية مسألة ذاتية ضد الاسلام لكن الموضوعية تحتم قول مانراه صواباً. ولنكن موضوعيين علينا قبول أن الاسلام (كرؤية للحياة والعالم المعاصر) بحد ذاته بحاجة الى الخروج من كهوفه (الغارقة في الظلمات ) ليرى الحقيقة خارجاً عنه متوفرة وبكثرة ، وأن لا يظن بانه يملك الحقيقة ، وبخروجه من كهفه سيرى كيف أنه لا يمكنه أن يكون الحل والدليل المروري الصحيح لإخراج الشعوب من كهوفها، وهو قابع منذ 15 قرنا في كهوف يأبى أن يفتح حتى كوات من النور لتدخل كهفه. فما بالك وأنت تسمع القول أو الشعار الشهير بأن الاسلام هو الحل ؟
    هل يمكن للأعمى أن يقود أعمى آخر ؟ الاثنان سيسقطان في الحفرة (الكهف الأبدي)، الذي لا يمكن حتى لقوة الهية إخراجه منها، لأنه يتكبر ويستنكف على القول بأنني لا أملك الحقيقة (وبالكاد أرى جدران كهفي التي أحسبها كل وغاية العالم) ولا يمكنني أن أقدم الدواء لمن له الداء الذي هو ذاته دائي. والنور الحقيقي لم يصلني بعد لأنير آخرين قابعين في ظلمات كهوفهم.
    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media