ألوهم التركي في قيادة المنطقة... من كان بيته من زجاج ...فلا يرمي الناس بالحجر...
السبت 21 يناير / كانون الثاني 2012 - 21:25
أ. د. حسين حامد حسين
في الوقت الذي تمارس فيه الحكومة التركية ورئيسها اوردغان اكذوبة ما يسمى برنامج "الديمقراطية الاسلامية " أو السياسة اللينة والتي أوهمت اوردغان وجعلته يعتقد ان بامكانه خلق اقتصاد تركي قوي ومتماسك , يستطيع من خلاله تحقيق اهدافه العدوانية في التدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار وفرض اجندات واحلام مريضة , وخصوصا فيما يتعلق في التدخلات والتصريحات عن الشأن العراقي , فاليوم يمكن ان نجد أن رئيس الوزراء التركي يدرك ان الاماني وحدها لا تستطيع ان تحقق الطموحات على ارض الواقع بعد ان بات الاقتصاد التركي يعاني من نكسة كبرى. كما وأن خططه الرامية الى اثارت النعرات الطائفية في العراق من خلال تأليب أهلنا السنة ضد الشيعة, انما اصدمت ولله الحمد , بجدار لقلعة متينة من خلال تكاتف شعبنا بكل اطيافه من اجل وحدة عراقنا الغالي. وستنتهي احلام المغرضين باذن الله تعالى الى مزبلة التاريخ مثلما انتهت اليها من قبل مخططات النظام السعودي والقطري ودول الجوار الاخرى. وينبغي على اوردغان , احترام ارادة شعبنا في بناء الديمقراطية في عراقنا الجديد, والنأي عن الشأن العراقي وعدم التدخل واطلاق تصريحات غير مسؤولة . وعليه ان يتوجه الى معالجة نكسات تركيا ومشاكل شعبها السياسية والاقتصادية.
انهيار برنامج اردوغان :
أن برنامج رئيس الوزراء التركي اردوغان , والذي حلق عاليا من خلال تمكين الاقتصاد التركي من تحقيق نموا سنويا وبمعدل 10% من الانتاج المحلي الاجمالي خلال النصف الاول من عام 2011, حتى ان صحيفة ديلي تلغراف سمته ب"المعجزة الاقتصادية"، ذلك بعد ان اعتمد البرنامج على معدل سنوي مقداره 40% من التوسع في الائتمان المصرفي , فان ذلك قد أنتج عجزا كبيرا في ميزان المدفوعات يقدر تقريبا بحجم ألأزمة التي تعاني منها بلدان جنوب أوروبا , وبذلك فان البرنامج قد اصيب بنكسة في عام 2012. (1) .
فلقد توقعت الأسواق تحولا مفاجئا في الاقتصاد التركي , وهذا ما حصل فعلا , فقد انخفضت الليرة بنسبة ربع قيمتها بين نوفمبر- تشرين اول 2010 وسبتمبر- أيلول 2011 ، مما جعلها الاسوأ في العالم من ناحية أدائها في أسواق العملات . (2) كذلك انخفض سوق الأوراق المالية من حيث قيمة الدولار بنسبة 40%، مما جعل تركيا ألأسوأ أداءا بعد مصر بين جميع الأسواق حسب مؤشر مورغان ستانلي كابيتال انترناشيونال القابل للتداول خلال عام 2011. (3) . ويتوقع معظم المحللين الآن أن التباطؤ الدوري سيعمد على كشف العيوب العميقة في قوة العمل والبنية التحتية في تركيا، مما سيؤدي إلى انخفاض هيكلي لفترات طويلة بدلا من ركود عابر..
وعليه فإن حجم هذه النكسة الاقتصادية المفاجأة, ستعمل على تقويض قدرة حزب العدالة والتنمية الحاكم في استمرار اعتماده على نجاح البرنامج الحكومي من خلال محاولته استخدام الحوافز الاقتصادية والذي كانت حكومة اوردغان تعول عليه في تحقيق هدفين اساسيين هما :
1- تمكين الحكومة التركية على نزع فتيل الحركة الكردية الانفصالية واحتواء المعارضة الداخلية.
2- ومطالبة تركيا في الاضطلاع بدور إقليمي رائد في المنطقة وفقا لما كان اوردغان يخطط له.
لكن الانتكاسة الاقتصادية الكبيرة سوف لن تسمح لان يكون بمقدور تركيا التعافي من صدمتها الاقتصادية هذه بسهولة , ذلك لانها تفتقر الى الموارد الطبيعية التي تجعل من صادراتها قادرة على الانتعاش كما الصادرات من الارجنتين ودول امريكا اللاتينية الاخرى. (4) .
وعلاوة على ذلك، فإن بعض أسواق التصدير في تركيا تعاني من انخفاض حاد. فبين عامي 2002 و 2010، تضاعفت حصة صادرات البلاد التي اتخذت من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اسواقا لها من 13% إلى 26 %. كذلك فان تراجع الاوضاع الاقتصادية نتيجة عدم الاستقرار في العالم العربي منذ السنة الماضية , ساهم في تقليص الصادرات التركية. وعلى الرغم من أن تركيا خفضت اعتمادها على التجارة مع أوروبا بنسبة 56% من إجمالي الصادرات في عام 2005 إلى 46 % في عام 2010، فإن المشاكل الاقتصادية في أوروبا لا تزال تؤثر بشدة على تعافي الاقتصاد التركي. وعلى النقيض من ذلك، نجد ان الصادرات التركية الى آسيا أو أميركا اللاتينية قليلة جدا، في حين نجد أن آسيا و أميركا اللاتينية هما الاسرع نموا في الاقتصاد العالمي. (6) .
بالاضافة الى ذلك , فتركيا لا تواجه تغيرا ايجابيا في مجالاتها الاقتصادية على المدى القصير فحسب , ولكن أمامها أيضا عقبات كأداء من اجل الانتعاش على المدى المتوسط. فتركيا لا تمتلك الموارد الطبيعية التي تضاهاي دولا كالبرازيل أو روسيا , فضلا انها تفتقر إلى رأس المال البشري من اجل المنافسة مع آسيا والمنظمة الى اسواق العمل. كما وأن الصناعة التركية لم تنجح في أي من مجالات التكنولوجيا العالية. (7) .
وعلى الرغم من النجاح المتوسط في الاناضول في بعض صناعات التكنولوجيا المتقدمة مثل المنسوجات وتجهيز الأغذية ، لكن التخلف العميق في المناطق النائية التركية لا يزال واحدة من العقبات الصعبة. حيث أن خمس الزيجات من الأقارب التركية (أقارب من الدرجة الأولى أو الثانية) ، ما يزال بنفس المستوى المتأخر في مصر. فالتميز العنصري التقليدي ضد المرأة مايزال يحول دون السماح لمعظم النساء من العمل خارج المنزل على الرغم من تقدم ألمرأة في مجال التعليم وانخفاض معدلات الالانجاب. فالمرأة التركية فقدت ارضيتها في الحياة الاقتصادية : ففي عام 2009 ,كان 22% فقط من النساء يبحثن عن وظائف ، حيث انخفضت النسبة عما كانت عليه في عام 1988 , فكانت 34%. (9) . والانهيار في معدل مشاركة القوى العاملة النسائية هو مقياس لفشل الحداثة في البلاد . كما وان معدل البطالة الرسمية في تركيا يبلغ نحو 10% ، ومعدل البطالة للمرأة التركية، أكثر من 25 %. (10) .
من جانب اخر , أن حزب العدالة والتنمية الاسلامية الحاكم , يواجه معارضة راسخة وبشكل مرير بعد ثلاث سنوات من الاعتقالات الجماعية للمعارضين السياسيين والصحفيين وضباط عسكريين وتوجيه تهم واهية في التآمر لقلب نظام الحكم . وفي حين أن الأغلبية الصامتة من الأتراك قد أذعنت لمثل هكذا اعتداءات طالما كان الاقتصاد مزدهرا، فانه من المرجح أن يتغير ذلك الاذعان في أعقاب الانتكاسة الاقتصادية الكبرى في البلاد .
وختاما , ان الحالة الاقتصادية المتفاقمة في تركيا , سوف تعمد الى تقويض الدور الذي يطمح ان يلعبه أردوغان من خلال مشروعه في جعل التأثير التركي في المنطقة كبيرا ليتسنى له تحقيق طموحاته المريضة في تصعيد المؤامرات والدسائس وبث التفرقة الطائفية بين شعوب المنطقة. (11).
وقد جاء تعليق صحيفة لندن تايمز المختصة بشؤون المال مؤخرا, ليعطي صورة واقعية عن المتوفر لدى تركيا من قدرات حقيقية , وما تطمح هي اليه , حيث قالت الصحيفة :" أن تركيا تتطلع إلى لعب دور يفوق وزنها ، لكن المشكلة أيضا أنها تريد ان توجه لكمات تفوق ما لديها من قوة" (12) .
ألمصادر :
(1)The Telegraph (London), June 12, 2011.
(2)The Wall Street Journal, Sept. 12, 2011
(3) The Wall Street Journal, June 30, 2011.
(4)One of these four banks, Bank Asia, is controlled by the Fethullah Gülen movement.
(5)Bloomberg Business News (New York), Sept. 20, 2011.
(8)"Education Attainment," OECD Fact book 2010: Economic, Environmental and Social Statistics,
(9)Female Labor Participation in Turkey: Trends, determinants and policy framework," World Bank Report 48508-TR, 2009, Washington, D. C.
) 10 (Bloomberg Business News, Oct. 7, 2011.
(11) "Education Attainment," OECD Fact book 2010: Economic, Environmental and Social Statistics, Organization for Economic Co-operation and Development, Paris, May 25, 2010.
(12) "Female Labor Participation in Turkey: Trends, determinants and policy framework," World Bank Report 48508-TR, 2009, Washington, D.C.