مؤتمر وطني للمصالحة
الأثنين 23 يناير / كانون الثاني 2012 - 19:45
بدران أحمد حبيب
غياب الثقة هو الميزة الرئيسة للتعامل السياسي بين مكونات شعب العراق. فالماضي لا يمكن محوه من الذاكرة، لأن الخوف من تكرار ذلك الماضي يعشعش في الذاكرة مثل كابوس. لكن هل هذا الخوف حقيقي أم وهمي؟ أم، هل أن عدم الثقة هو حقا بين المكونات أم بين زعمائها؟ هل ان تكرار أحداث القرن العشرين، مستساغ في القرن الحالي، لكي نخافه هذا الخوف وترتعد فرائصنا خوفا منه؟
إن ما ألمسه، هو أن المحبة هي التي تجمع مكونات شعب العراق وليس الكره والحقد. فالكره والحقد ظاهرتان طارئتان على بلدنا ويعتبرهما الكثيرون مستوردتين لا محليتين. فمثلا لا يكره الكرد العرب. حيث يتدفق العرب على إقليم كردستان يوميا ويسكنون فيه، ويشترون العقارات ولا يعودون. وليس من معترض على ذلك. وبرغم ان أغلب الكرد سنة، فإنهم لا يفرقون كثيرا بين السنة والشيعة، ولا أعتقد أن أحدا سأل واحدا من النازحين ما مذهبك أو ما دينك؟
كما أرى كل يوم عربا، شيعة وسنة، ولا أجد فيهم من يقر بأدنى درجة من الكره للآخر. وأصدقهم في ذلك. اعتاد العراقيون على كثرة الحلفان وهم يتكلمون، ولولا الحلفان لما أمكن تمييز الشيعي عن السني. فالشيعة يقسمون بالحسين وبالعباس، بينما يقسم السنة بمحمد. ولو لم يحلفوا لما أمكن التفريق بينهم. وخلا ذلك، لا تجد اختلافا في اللون ولا الأسماء ولا اللهجة ولا نمط الحياة.
إن انفصال الكرد عن العراق حق طبيعي، وينبغي ألا يعترض أحد سبيل الكرد إن أرادوا انفصالا. وكذلك انفصال الشيعة عن السنة أمر طبيعي، للعرب 22 دولة، فلتصبح 23. لكن بقاء المكونات الثلاثة معا "حسب رأيي" ضمن إطار عراق موحد خير لمستقبلهم.
يرى كثيرون، كما أسلفت، أن الكره والحقد بين العراقيين ليسا مادة محلية. ومصدر هذين هو برامج خارجية ترى أن عراقا ضعيفا يصب في مصلحتها. لكن لا يخفى أن الاختلافات بين مكونات العراق، عرباً، وكرداً، وتركماناً وسرياناً "كقوميات"، ومسلمين ومسيحيين "كأديان"، وشيعة وسنة "كمذاهب" مع اختلافات كثيرة أخرى، كلها تمثل أساسا جيدا لقيام الديمقراطية، وأنا أراها سندا لها. وإن أردت الصدق، فإن الديمقراطية التوافقية ملائمة لمنطقتنا، منطقة الشرق الأوسط. فهي من جهة ستمنع قيام مكونات البلد باضطهاد بعضها البعض، ومن جهة أخرى ستكون أداة لتقدم الحياة الديمقراطية داخل المكون الواحد. وبخلاف هذا، فإن الانفصال سيمهد للتفرد بالسلطة في كل جزء.
لو أقام الشيعة دولة لهم في جنوب ووسط العراق، فإنهم سيقيمون شيئا شبيها بالجمهورية الإسلامية التي هي بمثابة كابوس يكبس على صدر شعبه. وسيكرر العرب السنة شيئا من قبيل نظام صدام بل وأسوأ منه، أما الكرد فلن يختلفوا كثيرا عما سيفعله الآخران.
إن المستقبل المشرق للمكونات الثلاثة الرئيسة في العراق، وإلى جانبها المكونات الأخرى الأصغر "كالتركمان والمسيحيين"، يتمثل في الحفاظ على المكاسب التي تحققت بعد سقوط نظام صدام، وأهمها في رأيي الديمقراطية التوافقية. والدستور العراقي الجديد موجه جيد للخروج من أزمة علقنا فيها منذ قيام دولة العراق "بعد الحرب العالمية الأولى". وهذا بحد ذاته سيكون عائقا في طريق تكرار الظلم. وإن ناصبت الحق، فليس ثمة أرضية خصبة لإعادة التاريخ في العراق، والذين يخيفوننا بالتلويح بذلك الخطر الخيالي، يريدون غير ذلك ويحاولون تحقيق ما يريدون من خلال هذا. إن النظام الدكتاتوري لن يقوم في عراق توافقي. بل على العكس، إن تكرار ظهور تلك النظم سيحظى بالفرصة في كل جزء من العراق في حال تعرضه للتقسيم.
إنهم زعماء البلد، وهم يقررون مصيره وليس الشعب المغلوب على أمره. وأولئك الزعماء هم الذين يدفعون بالبلد إلى الحروب الخارجية، من أجل تثبيت مقاعدهم في السلطة، كما فعل صدام حسين مع إيران والكويت. وزعماء البلد هم الذين يحرضون أبناء الشعب ليواجه بعضهم البعض، ومن أجل الغرض نفسه "ترسيخ مواقعهم في السلطة". ليس للشعب العراقي في تاريخه شيء ليعيده، فهو لم يكن صانع تاريخه، بل إن الذين يتربعون على القمم هم المسؤولون عن ذلك التكرار إن وقع.
لكن من الممكن توجيه سؤال إلى تلك القمة "أو تلك القمم"، وهو أليس ممكنا أن تؤدي المواجهات بين المكونات إلى تقسيم العراق؟ إننا في إقليم كردستان نرغب، حتى في حال الانفصال، أن يظل العراق وطنا ثانيا لنا، نريد أن يدخل البصريون والبغداديون إقليم كردستان بدون تأشيرة دخول، وأن نتمكن من زيارتهم بالصورة نفسها. وإن كان مقدرا لنا أن نترك العراق فلا نريد أن نتركه نتيجة حرب. نريد الانفصال عن إخواننا العرب في أجواء احتفالية تسودها البهجة. فهناك آلاف من الذكريات الحلوة والمرة تجمعنا معا على هذه الأرض. وفي آلاف من الأيام والليالي اختلطت دماؤنا بدمائهم ودموعنا بدموعهم.
لذا نرجوكم أن تعقدوا مؤتمرا للمصالحة والاتفاق، في سبيل حياة آمنة ديمقراطية، وإن كنتم قد عزمتم على أن تفارقوا بعضكم البعض، فلتفعلوا ذلك وأنتم تشدون على أيدي بعضكم البعض. فيجب ألا ننسى أننا في النهاية سنكون جيرانا.
"أكانيوز"