مثل بعض الحكام مثل جحا في الحمام !!..
    الثلاثاء 24 يناير / كانون الثاني 2012 - 22:10
    سليم البصون
        تعرفون جحا ـ قرائي الأعزاء ـ مثلما اعرفه ، عن طريق ما قراناه عنه وله ، من مواقف ومن  طرائف ومن فكاهات ونكات . والأصح عن طريق ما قرأنا عنهم ولهم . لان جحا  لم يكن واحدا ، وإنما  لكثير من الأمم كان جحاها . فهناك العديد من الجحاوات  فهناك جحا العرب  وجحا الأتراك والفرس و"هادل كلاس" الشيكوسلوفاكي و"جيوفا" الايطالي و"اويلن شبيغل" الألماني وبمقارنات بين مواقف وطرائف ونكات فريق من الجحاوات البارزين الذين ذكرناهم ، نجد التشابه  في الكثير منها حتى لكأنها واحدة أو مشتركة !..
         جحا هذا اختلفت الروايات في أمره  حتى ذهب قسم من المؤرخين الى القول انه لم يكن موجودا ، وذهب قسم أخر الى ان كل شخص من نوعه وبظرفه وفكاهاته وخزعبلاته وشعبيته كان يعرف بجحا. بيد ان هناك من الباحثين من  يؤكد شخصية جحا . فقد قال "ابن شاكر ألكتبي" في مخطوطة  له بعنوان "عيون التواريخ" في حوادث سنة 160 للهجرة وفيها توفى "رجين أبو العضد ابن ثابت البربوعي  البصري" "المعروف بجحا. وروى عنه "ابن المبارك" و"مسلم الأصمعي" وآخرون انه كان فتى ظريفا وله جيران يمازحونه ويزيدون عليه !..
         ولقد كثرت أخبار جحا وصارت تنسب إليه كل طريفة ونكتة وعابثة ، وأضيفت الى اسمه ألقاب وصفات كثيرة ، وصار للشعوب جحا  أو  جحا وات. وكثيرا ما تختلط  مواقف وأفعال هذا بذاك ، حتى لتضيع نسبة بعضها ، كما هي الحال مع جحا الفارسي الذي اسمه " ملا نصر الدين" ، وجحا التركي المعروف بجحا الرومي واسممه "نصر الدين خوجه".
         الحديث عن جحا طويل وعريض ، ومواقفه وأفعاله وخزعبلاته  ونكاته وطرائفه طويلة وعريضة تأخذ أكثر من كتاب . وأنا لست في سبيلي إليها ،إنما  لي حكاية ، أو فعلة عن جحا ، لها مغزاها ، وعندي وعندكم هدفها ، أو  أهدافها !..
         دخل جحا ذات مرة الحمام ، فأخذته النشوة وانفتحت نفسه ، وراح يدندن بصوت خافت ، وأعجبه صوته ، الأمر الذي شجعه على ان يرفعه أعلى فأعلى فازداد الصدى
     والرنين، وازداد الصوت حلاوة ورخامة، فازداد نشوة وابتهاجا ووالى الغناء. فقد اكتشف نفسه فجأة، انه حلو الصوت شجيه، فظن انه يمتلك موهبة كانت خافية واكتشفها لأول مرة !.. فأراد  ان يعرض صوته على الناس وينتزع إعجابهم ، فانتظر موعد صلاة المغرب، وصعد الى المئذنة وانطلق يتلو الأذان !.. استنكر الناس صوته البشع القبيح وراحوا يقذفونه بالحجارة ويطلبون إليه النزول، وإلا حطموا رأسه !.. فقال لهم  جحا : والله ان صوتي لرخيم ، وان لم تصدقوني فهاتوا لي حماما هنا  وأنا أسمعكم أجمل أذان سمعتموه في حياتكم !..
         في  العالم العربي بعض الحكام  ومن أعداء السلام ، من يفعلون فعل جحا هذا. حين يتوهمون ـ وهم في قلاعهم ومعاقلهم ـ إنهم منقذو القومية والقضية ، وإنهم حماة العروبة والوطن فيروحون يخطبون ويصرخون ، ويتفننون ويغنون ، ويناطحون " أنابيب " المياه ويعاركون "صنابير" البخار ، ويملئون الدنيا ضجيجا ، ويتوهمون ان الناس تصفق لهم ، فيزدادون غناء وارتفاعا  في  الغناء ، حتى إذا انتهى " حمامهم " وخرجوا الى الناس ليحاسبهم الناس ، ويكشفوا عن "الأصالة " فيهم ومدى" صدقهم" ظهر لهم أنهم في حماماتهم "يعربدون" وما داموا في "الحمامات " فقط ولم يشتركوا في الحروب والمعارك ولم يذوقوا أهوال الموت والدمار ، ولم يجوعوا ولم يعروا ، فإنهم مستعدون لان يصدروا "غناء" أو  زعيقا . وإذا  لم تصدقوا أيها الناس ...فاجلبوا لنا "المنطقة" هنا ، أو اجلبوا لنا "القضية" لنحلها .. نحن نحارب في "المنطقة" في مكاننا، ونحن نحمي "القضية"في حمامنا..
         أما السلام الذي تصنعون.. وأما الموت الذي تكرهون.. وأما الحياة التي تريدون... فبأس  ما تفعلون .. فانتم خونة مارقون.. ونحن ها هنا  قاعدون !!....
                                      ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    بقلم المرحوم سليم البصون
    نشرت في جريدة الأنباء "أورشليم" القدس في 12/3/1979
        
    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media