اغتيال الخبير!
    الخميس 26 يناير / كانون الثاني 2012 - 23:10
    إبراهيم الغالبي
    بعيدا عما يقال حول تاريخ الملا ناظم الجبوري القائد السابق لصحوة الضلوعية والذي كان ضمن تنظيم القاعدة ثم انشق ليقود صحوة ضدها فإن الرجل كان قد كشف الكثير من خفايا وأساليب عمل التنظيم الإرهابي، وكانت قناة العربية كثيرا ما تستضيفه بوصفه خبيرا متخصصا في شؤون التنظيمات الإرهابية وبشكل خاص تنظيم القاعدة. أثار حضوره المستمر و حديثه عما اعتبر في جزء منه كشفا لأسرار القاعدة أثار غضب عناصر هذا التنظيم، و توعدوه مرارا في بيانات و مقالات نُشرِت على مواقع تكفيرية عدة.. قلة هم من استطاعوا خوض مغامرة شبيهة بمغامرة الملا ناظم الجبوري، فقضية نشر غسيل التنظيم على الملأ من قبل عنصر سابق وقدرته على وصف القاعدة من الداخل وطريقة تفكيرها وإطلاعه الوافي على خفاياها ليست قضية تتكرر يوميا، بل هي من الندرة إلى درجة يمكن القول إن الجبوري من القلائل الذين اختاروا شاشات الفضائيات و وسائل الإعلام لاستمرار فتح النار صوب هذا التنظيم. لهذا مثّل هذا الشخص استفزازا قل نظيره لكل أتباع القاعدة، وبدا كأنه في طليعة الأعداء المطلوب تصفيتهم. 
    بعد أيام من عودته إلى العراق قادما من الأردن على أثر مخاوف من تهديدات تلقاها هناك تم اغتياله في بغداد. على أية حال تم اغتيال الملا ناظم الجبوري وليس لهذا الجبوري أهمية ما كشخصية تكرر ظهورها في وسائل الإعلام وتصريحاته لها.. لا يعني أمره أحدا من المواطنين سوى أنه عراقي كغيره اغتيل بالكاتم كما اغتيل المئات في بغداد، والتعاطف هنا سيكون في حدوده الدنيا لما قيل عن تورطه بقتل أناس أبرياء سواء حين كان عضوا في القاعدة أو بعد انشقاقه عنها وعمله في الصحوة، وقد رفع البعض ضده دعوى بهذا الصدد. لكن من المؤكد أن الأمر يختلف لدى الحكومة، أو هكذا يجب أن يكون. أما لماذا؟
    لا أظن أن الإجابة صعبة، إن أي دولة في العالم ستجد نفسها معنية بملف رجل بهذه الخلفية التي ذكرناها والمعروفة للجميع وستشكل خلية أمنية لمتابعة ملفه.. القضية تتعلق بجوانب وحسابات أمنية ليست بذلك التعقيد الذي يمكن أن يعجز عنه العقل الأمني العراقي ليبدو على هذه الدرجة المخزية من الإعاقة الذهنية الفاضحة ببلادتها. ذلك أن اغتياله يعني نصرا للقاعدة ودفعا معنويا هائلا لأتباعها، فأهمية الجبوري بالنسبة للقاعدة ليست كأهميته بالنسبة للحكومة..
    كان من المفترض بل من الواجب أن يخضع الجبوري لمتابعة من خلية استخبارية تلازمه كظله، إن لم يكن حفاظا على سلامته باعتباره مواطنا عراقيا أو لكونه يحتفظ بالكثير من المعلومات والتي يقال أنه زوّد الجهات الأمنية ببعض منها، فعلى الأقل كانت عملية متابعته لأجل تحويله إلى فخ ذهبي للامساك بإحدى خلايا تنظيم القاعدة. هل يتطلب فهم هذه النقطة مشقة في التفكير لعقلية أمنية ولو على غرار عقلية "أمن" قبيلة في الصحراء تريد إلقاء القبض على قاطع طريق؟!
    اغتيال الملا ناظم الجبوري يصدّق ما قاله المغدور نفسه قبل أيام لقناة العربية إن القاعدة أعادت بسط نفوذها وترتيب أوراقها في العراق وقامت بتعيين قادة متشددين ذكرهم بالأسماء.. إخفاق آخر وجديد يضاف إلى سلسلة لا يبدو أنها ستختم قريبا تظهر مدى تقصير بل قصور مزمن في أداء الأجهزة الأمنية لواجباتها ويؤشر بالدليل القاطع أننا لا نمتلك أية فاعلية استخبارية ولو بدرجة معقولة. اليوم كُشِفت بعض التفاصيل عن تفجير البطحاء ومنها أن العملية تم التخطيط و التدبير لها في العاصمة بغداد عن طريق شخص معروف بالتشدد وهُدِر دمه من قبل أبناء المحافظة ومن عشيرته، ليذهب ويجد مأوى آمنا في العاصمة.. أية عاصمة يا ترى هذه التي نتحدث عنها..! مدينة مستباحة لعصابات إرهابية وإجرامية، تبدو كحانة كبيرة بلا سلطة للراعي على الرعية..
    السؤال المحير بعض الشيء: ما الذي جعل هذا (الخبير) بشؤون القاعدة يعود إلى مدينة الكواتم؟ هل هو القانون الإلهي القائل: بشر القاتل بالقتل ولو بعد حين؟ رغم أن هذه المقولة ليست حديثا نبويا كما يظن البعض شأنه كتلك المقولة: كذب المنجمون ولو صدقوا، والتي لنا أن تعدّلها لتناسب حال الجبوري فتكون: صدق الخبراء ولو كذبوا!!!
    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media