إيران واسرائيل ... وألخيار العسكري...
    الخميس 26 يناير / كانون الثاني 2012 - 23:31
    أ. د. حسين حامد حسين
    عندما قامت القوات الجوية الإسرائيلية بتدمير المفاعل النووي العراقي قبل حوالي ثلاثين عاما، تلقت اسرائيل ادانة عالمية تقريبا ، لكن حكومة مناحيم بيغن رئيس وزراء إسرائيل أنذاك , أعلنت "التصميم على منع دول المواجهة العربية... من الحصول على أسلحة نووية". ثم صرح وزير الدفاع الاسرائيلي ارييل شارون قائلا ان "اسرائيل لا تستطيع تحمل تكاليف إدخال السلاح النووي (في الشرق الأوسط) . بالنسبة لنا ، انها ليست مسألة توازن الارهاب ولكن المسألة مسألة بقاء على قيد الحياة، ونحن يجب، بالتالي، أن منع مثل هذا التهديد في بدايته ".
    ومع انه ما يزال واضحا ان معظم صانعي القرار في إسرائيل يعتقدون أن إلاسرائيليين لا يستطيعون تحمل مخاطر العيش وإيران تمتلك السلاح النووي ، تبقى الاراء غير دقيقة بشأن الوقت الذي تحتاجه ايران فعلا لإنتاج سلاحها النووي هذا. فبينما تقول إسرائيل ان ايران ستحتاج سنة  أو سنتين ، يصرح رئيس الموساد السابق مائير داغان في يناير - كانون الثاني 2011، ان ايران لن تكون قادرة على امتلاك سلاحها النووي قبل عام 2015. (1) .
    وبينما كان زعم اسرائيل في تدمير مفاعل (الكبر) السوري في 2007 ، قد أكد استعداد الحكومة الاسرائيلية للقيام بعمل عسكري لمنع اعدائها من تطوير أسلحة نووية، فإن التقارير الاسرائيلية تؤكد مسؤوليتها عن اغتيال عدد من العلماء النوويين الإيرانين في السنوات الأخيرة.  كذلك فان اسرائيل ساعدت في خلق فايروس الكمبيوتر (ستاكسنت)
     Stuxnet computer worm ، الذي وصفته صحيفة نيويورك تايمز أنه "سلاح الإنترنت الأكثر تطورا من أي وقت مضى" فقد تسبب في نكسات كبرى لبرنامج تخصيب اليورانيوم إلايراني في عام2009 .(2 ) .  
    وقد أظهر استطلاع تم اجرائه بين الاسرائيليين في 2009،  ووفقا لأغلبية ضئيلة تبلغ حوالي 51 %، فانهم يؤيدون شن ضربة عسكرية على منشآت ايران النووية كخيار لا بد منه
    ) Ibid( 
    ولكن تبقى مسألة ما إذا كانت إيران تشكل تهديدا حقيقيا على الدولة العبرية أم أنه مجرد منطق خطابي. فحتى لو لم تلجأ ايران الى استخدام أسلحتها النووية ، فإن مجرد امتلاكها للسلاح النووي فانه يعد انتصارا قاسيا على المشاعر الإسرائيلية بما يتعلق بأمنها. ففي أستطلاع أخر للرأي ، قال 27 % من الشعب ألاسرائيلي انهم يفكرون في مغادرة البلاد في حالة امتلاك طهران لقدرات نووية. وهذا يعني فقدان ثقة المستثمرين ، وفي ذلك ضرر بالغ على الاقتصاد الاسرائيلي. وهذا يعني أيضا ، فشل مهمة الصهيونية في توفير ملجأ أمن لليهود ، وأن على اليهودي ان يكون مضطرا للجوء الى الشتات من اجل سلامتة. (3)

     فبدون أدنى شك ، إن حيازة طهران لأسلحة نووية سوف يخل في ميزان القوى في المنطقة وبشكل كبير، بحيث أنه، في المرة القادمة عندما يحاول حزب حماس خطف جندي اسرائيلي في هجوم عبر الحدود ، فإن على اسرائيل أن تفكر مرتين قبل ان تلجأ الى مخاطر التصعيد النووي. فضلا من ان هناك أيضا احتمالات أن طهران يمكن أن توفر لوكلائها من الإرهابيين  (4) معدات نووية .

    والخوف السائد في إسرائيل متأتي من الاعتقاد الراسخ أن حدوث مواجهة هو أمر لا مفر منه ، وأن كان هناك أيضا من الشعب الاسرائيلي من يعتقد أن الشعب الإيراني شعبا مسالما وخصوصا مع الإسرائيليين ، حيث ان البلدين كانا يتمتعان بعلاقات وثيقة قبل الثورة الايرانية عام 1979. وهم يجادلون بأن النظام الايراني المتشدد المناهض للصهيونية ، انما يستخدم ذلك كوسيلة سياسية لكسب النفوذ في الشرق الأوسط ذات الغالبية السنية العربية ، ولكن ليس لدرجة ما يجعل قادة النظام في ايران يفكرون بالانتحار . فقائد قوات الدفاع الاسرائيلية السابق ورئيس هيئة الاركان دان حالوتس ، الذي قاد الجيش الإسرائيلي خلال الحرب في لبنان في عام 2006 يقول :"أننا لا نقلل من أهمية وجود إيران نووية ، ولكن لا ينبغي لنا أن نجعل منه ضمنيا محرقة مثلما يحاول السياسيون تصوير ذلك" . (5). كما وان وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك وفي مقابلة تم تعميمها على نطاق واسع في سبتمبر- أيلول 2009، قال (أن إيران لا تشكل تهديدا لإسرائيل) . (6) .

    ويتركز الكثير من الجدل في اسرائيل حول مسألة النوايا الايرانية. فطهران حقيقة ضخت كميات هائلة من المال ، فضلا عن رأس مال بشري كبير، وربما استثمرت حتى صناعتها في التنمية النووية على حساب قوتها العسكرية التقليدية ، والتي تعاني من ثغرات كثيرة . ناهيك عن الاقتصاد الايراني والذي يعتبر في حد ذاته مؤشرا مقلقا لما يتعلق بأولويات ايران. فرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو وغيره من العديد من كبار الشخصيات الإسرائيلية السياسية والأمنية ، ينظرون الى الجمهورية الإسلامية على أنها دولة معادية دون كلل الى الدرجة أن "كل شيء يهون" أمام التهديد الذي يشكله سعيها للحصول على أسلحة نووية. (8) .
    وأنصار هذا الرأي قد توصلوا الى مثل هذه القناعة، من خلال التهديدات المتكررة من قبل الرئيس محمود احمدي نجاد في تهديده الى محو اسرائيل من الخريطة. (8) . وكذلك من خلال دعم الجماعات الراديكالية الفلسطينية واللبنانية التي تسعى الى تدمير اسرائيل ، وهم بذلك فأنهم يشيرون إلى أحمدي نجاد كشيعي إسلامي راديكالي . (9).
    والنظام الايراني لديه برنامجا مؤثرا من الصواريخ البالستية ولإنتاج أسلحة الدمار الشامل. فالايرانيون بدأوا التجهز  بصواريخ سكود خلال الحرب العراقية الايرانية 1980-1988. ثم لجأوا الى كوريا الشمالية من اجل الحصول على الصواريخ والتكنولوجيا لإعداد البحوث الخاصة ببناء مرافق إنتاجها. وقد أنتجت طهران مئات صواريخ شهاب 3، ولديها مجموعة تصل لمدى 1000 كيلومتر وبالامكان تحميلها رؤوسا حربية تزن من 500 كجم الى طن. (10) . وفي عام 2009، قامت طهران باختبار جديد ناجح على مرحلتين، للصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب، وسجيل 2 - والذي يبلغ مداه أكثر من 1200 كيلومتر .

    الخيار العسكري :
    التقييم العام هو أن الطيران الإسرائيلي لديه القدرة على ضرب بعض المنشآت النووية الايرانية الرئيسية وخلق انتكاسة في  برنامجها النووي من اجل تعطيل العمل فيه بضع سنوات ، ولكن ليس بمقدور اسرائيل تدميره تدميرا تماما من خلال ضربة واحدة. (11) . فهناك عوامل عديدة تجعل من البرنامج النووي الايراني أكثر صعوبة من تلك التي استطاعة ان تشل قدرات المفاعل العراقي . ففي حين كانت معظم موجودات النووي العراقي أوزيراك تتجمع في مكان واحد ، نجد ان المنشآت النووية الايرانية تنتشر في اماكن عديدة متفرقة ، هذا حسب تصريح (يعلون) ، الرئيس السابق لهيئة الموظفين . (12) . والبعض منها على مقربة من المراكز السكنية، كما وأن المسافة للوصول إلى ألاهداف إلايرانية أكبر بكثير من المسافة للمفاعل العراقي أنذاك، كما وانها محصنة بشكل أفضل . فضلا أن ايران اتقنت التكنولوجيا النووية بدقة وبشكل أعظم بكثير مما كان الحال في العراق ، وبالتالي ، فإن إصلاح الكثير من الضرر، سيتم بدون الاعتماد على مساعدات خارجية.
    فمن بين المواقع النووية الايرانية المعروفة ، هناك خمسة مرافق رئيسية تكون بالتأكيد مستهدفة في أي ضربة وقائية. ألموقع الأول :هو مفاعل بوشهر الذي يعمل بالماء الخفيف ، وعلى طول ساحل الخليج في جنوب غرب ايران.
    الثاني : هو مفاعل يعمل بالماء الثقيل ولا يزال قيد الانشاء قرب مدينة اراك ، والذي سيكون الوسيلة لإنتاج البلوتونيوم.
    الثالث : هو منشأة تحويل اليورانيوم في اصفهان. واستنادا إلى صور الأقمار الصناعية ، فأن المنشأة مبنية فوق سطح الأرض ، بينما تقول بعض التقارير أن له أنفاق بالقرب من المجمع. (13) .
    الرابع : هو منشأة تخصيب اليورانيوم في مدينة (قم ) ، والتي أخفاها الايرانيون عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية    International Atomic Energy Agency (IAEA) قبل سبتمبر -- أيلول 2009.
    ثم علمت بها لاحقا أكثر وكالات الاستخبارات الغربية . وهذه المنشأة تستوعب حوالي 3000 جهاز طرد مركزي . وقد تم بنائها في الجبال ، مما يجعل من الصعب اختراقها. وقد قال عنها وزير الدفاع الاسرائيلي باراك انها "محصنة ضد القنابل القياسية". (14) .
    الخامس : وتعتبر المنشأة الرئيسية وألاعظم تحصينا ، وهي منشأة تخصيب اليورانيوم الايراني في (ناتانز) . والمجمع يتكون من قاعتين كبيرتين ، وبما يقرب من 300000 قدم مربع لكل منهما ، و تم حفرهما تحت سطح الأرض وبعمق يتراوح بين ثمانية و 23 قدما وتغطيهما عدة طبقات من الخرسانة والمعدن. وتقدر سمك جدران القاعة بحوالي قدمين . ويحميهما   وهي صواريخ روسية الصنع من طراز ارض جو قصيرة المدى .TOR - M-
    ويجد المخططون العسكريون الاسرائيليون انفسهم مجبرون على مهاجمة مواقع طهران لتصنيع أجهزة الطرد المركزي ، فأن تدميرها من شأنه أن يعرقل الجهود المبذولة لإعادة تأسيس برنامجها النووي. ومع ذلك ، فأنه من المعتقد إن الايرانيين قد قاموا بتفريق بعض أجهزة الطرد المركزي وأخفوها في مواقع سرية وغير معلنة للوكالة الدولية. كما وانها ليست بأي حال من الاحوال واضحة تماما للمخابرات الإسرائيلية فيما يتعلق بتفصيلاتها الكاملة ومكان وجودها .

    ويتعين على الإسرائيليين أيضا في حالة الهجوم ، اختيار قصف محطات الرادار والقواعد الجوية الإيرانية من أجل تدمير قدرة طهران على الدفاع عن سمائه ، وخصوصا إذا تطلب استخدام موجات متعددة. ويخمن (يعلون) ، ان اسرائيل ستحتاج الى مهاجمة بضع عشرات من المواقع ألايرانية. (15) .

    ويمتلك الجيش الاسرائيلي ذخائر متخصصة صممت لاختراق الأهداف المحصنة، بما في ذلك تلك الموجهة بالليزر، و القنابل الخارقة والذخائر المختلفة المنتجة في اسرائيل وطيارون يمتلكون خبرات في استخدام الضربات الصاروخية المتتالية لاختراق التحصينات. حيث يوضح قائد سلاح الجو السابق اللواء ايتان بن الياهو، الذي شارك في ضرب المفاعل العراقي عام 1981 قائلا : "حتى لو أن قنبلة واحدة لا تكفي للاختراق، فإننا يمكن أن نوجه مباشرة قنابل أخرى الى الحفرة الناجمة عن الصاروخ السابق لتدمير أي هدف " (16) .

    وختاما ، فالاسرائيليون في نهاية المطاف عليهم الاختيار بين شن هجوم من المرجح أن يكون شرارة لصراع واسع وعلى النطاق الاقليمي والسماح لايران في انتاج سلاحها النووي مع آثار وتعقيدات وخيمة مدمرة على المدى الطويل. فعلى الرغم من بعض الاختلافات حول الطابع الملح في التهديد وتداعياته المحتملة، فإن غالبية كبيرة من الاسرائيليين يؤيدون العمل العسكري على العيش مع هذا التهديد في كل مكان من الفضاء النووي . وفي نهاية المطاف ، سيكون القرار عائدا لإسرائيل، ولرئيس وزرائها بالذات، في مواجهة معضلة ، لم يسبق لها مثيلا في تاريخ الدولة اليهودية.


    ألمصادر :

    (1) Ariel Sharon، address، Government Press Office، Jerusalem، Dec. 15، 1981.
    (2) The Sunday Times (London)، Feb. 4، 2007; The Washington Post، Nov. 29، 2010; The Observer (London)، Dec. 5، 2010.
    (3) The New York Times، Jan. 16، 2011.
    (4) Shlomo Brom، "Is the Begin Doctrine Still a Viable Option for Israel?" in Henry Sokolski and Patrick Clawson، eds.، Getting Ready for a Nuclear-Ready Iran (Carlisle، Pa.: U.S. Army War College، Strategic Studies Institute، 2005)، p. 139.
    (5) Yiftah S. Shapir، "Iran"s Ballistic Missiles،" Strategic Assessment INSS، Aug. 2009.
    (6) Ibid.
    (7) Ha'aretz (Tel Aviv)، Jan. 7، 2011.
    (8) Ibid.، Nov. 14، 2006.
    (9)  Islamic Republic of Iran Broadcasting (Tehran)، Oct. 27، 2005.
    (10)  See Mohebat Ahdiyyih، "Ahmadinejad and the Mahdi،" Middle East Quarterly، Fall 2008، pp. 27-36.
    (11)  Charles Krauthammer، "In Iran، Arming for Armageddon،" The Washington Post، Dec. 16، 2005.
    (12)  Islamic Republic News Agency، Sept. 26، 2007.
    (13)  Benjamin Netanyahu، speech، Jerusalem، Jan. 25، 2010.
    (14)  The Jerusalem Post، Oct. 15، 2010.
    (15)  Reuters، Sept. 17، 2009.
    (16) http://www.rightsidenews.com/2011122715248/world/geopolitics/irans-nukes-and-israels-dilemma.html - _ftnref16 Yossi Klein Halevi and Michael B. Oren، "Israel Cannot Live with a Nuclear Iran،" The New Republic، Jan. 26، 2010.

    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media