التوازن بين المحاسبة والمصالحة
الخميس 26 يناير / كانون الثاني 2012 - 23:32
جميل عودة
مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات
سبقتنا شعوب تحررت من حكومات مستبدة والتحقت بنا شعوب أخرى، والقاعدة المستنبطة من تجارب تلك الدول أن توفير العدالة الانتقالية مدخل أساسي للاستقرار والتقدم وهي لا تتحقق إلا باسترجاع حقوق الضحايا وملاحقة مرتكبي الانتهاكات في إطار سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، ثم المصارحة والمصالحة.
ويرى كثير من المراقبين أن التجربة الجنوب إفريقية (1995-2000) نجحت لأنها لم تتهرب من ماضيها بل تناولته بالتشريح مستخلصة منه الدروس والعبر في الممارسة السياسية، وفي الخطاب السياسي الرسمي فصارت أكثر لجان الحقيقة والمصالحة شهرة رغم أنها لم تكن الأولى..
في العراق – للأسف- هناك شعور عام أن إجراءات العدالة الانتقالية، سواء ما يتعلق بحقوق الضحايا أو محاسبة رموز النظام البعثي لا تسير بالشكل الصحيح مقابل دعوات بعض السياسيين لتفعيل المصالحة (الوطنية) بغض النظر عن موقف ضحايا النظام البائد.
تقول مجموعة العدالة الانتقالية في العراق( إن كفة ميزان العدالة في العراق - رغم الإجراءات الحكومية- لم تستقم بعد، فهناك غضب متزايد بين أسر الضحايا، يقابله قلق واضح في صفوف المحسوبين على النظام السابق، إلا أن الجميع يريدون حدا قطعيا لحالة اللااستقرار، لكي يتمكنوا في المستقبل من العيش جنبا إلى جنب)
ولكي تتمكن العدالة الانتقالية من تحقيق أهدافها الإنسانية، فأنه ينبغي النظر مجددا بإجراءاتها وتصحيح مسيرتها، بمشاركة حقيقية لجميع قطاعات المجتمع العراقي من ضحايا، ومتهمين، ومؤسسات دينية، وعشائرية ومنظمات غير حكومية محلية ودولية.
وبالتالي، نعتقد أن معالجة آثار الماضي تعتمد على قيام الحكومات العراقية بالعديد من الإجراءات والمشروعات والبرامج، ولعل أهمها:
1-تبني برنامج العدالة الانتقالية قانونا:
نعتقد إن الخطوة الأولى التي ينبغي أن تعمل عليها الحكومة العراقية هو الشروع بسن قانون "برنامج العدالة الانتقالية" الذي ينظم مشروعات العدالة الانتقالية وأنشطتها المطلوب تحقيقها في العراق، ويعمل على تقويم الخطوات التي قامت بها خلال السنوات السابقة، وما يجب أن تقوم به في السنوات اللاحقة.
2- المحاكمة العادلة والشاملة:
ضرورة الاستمرار والتواصل الجدي والعملي لمحاكمة الجناة ومرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان في العراق محاكمة عادلة ومنصفة، أمام الرأي العام المحلي والدولي، وعدم الاقتصار على بعض رموز النظام السابق من باب ذر الرماد في العيون، والتوسع في شمول رجال الأمن والأمن الخاص وتشكيلات المخابرات والاستخبارات والمجندين المشاركين في أعمال غير قانونية.
3- لجان الحقيقة حاجة ملحلة:
إن إحدى التحديات الكبرى في تجارب الانتقال الديمقراطي بعد المساءلة الجنائية، هي عمليات الكشف عن الحقيقة، ولعل الكشف عن الحقيقة يُشكل احد اختبارات صدقية رجال السياسة والقانون، كما تشكل عنصرا رادعا ضد الانتهاكات، ويعيد الاعتبار للضحايا ويسهم في تعزيز العدالة الانتقالية، وبالتالي يوفر أساساً للمصالحة الوطنية وللانتقال الديمقراطي.
4- عزل البعثيين من مناصبهم:
إن عزل منتهكي حقوق الإنسان وطردهم من دوائر الدولة جزء مهم من إجراءات العدالة الانتقالية في كل الدول التي سبقت العراق نحو حكومة ديمقراطية مثل ألمانيا. إذ مازال البعثيون يمارسون في إدارات الدولة المختلفة سياسية تعطيل كل ما من شانه أن ينقل العراق إلى دولة ديمقراطية دستورية، وهم يعرفون بالثلث المعطل، لهذا ينبغي للحكومة العراقية أن تتحرى عن المسؤولين في النظام السابق الموجودين في المناصب حاليا، ويمارسون دورهم في تضليل العدالة.
حيث إن إجراءات عزل مرتكبي الانتهاكات من مواقع السلطة إذا ما نفذت بطريقة عادلة ومناسبة ودقيقة يمكن أن تكون جزءا شرعيا من عملية إصلاح مؤسسي اكبر في الفترات الانتقالية. كما أنها يمكن أن تؤدي دورا مهما في ضمان عدم تكرار الانتهاكات التي حدثت في الماضي، وأن تمنع مرتكبي الانتهاكات من استعادة نفوذهم وسطوتهم على السكان المتضررين في أثناء عملية إعادة البناء الاجتماعي. كما جاء في " العدالة المؤجلة-المساءلة وإعادة البناء الاجتماعي في العراق-إريك ستوفر".
5-توسيع دور مؤسسات العدالة الانتقالية:
من خلال إعطاء فرصة أكبر وصلاحيات أكثر للمؤسسات الدستورية الراعية لشؤون المتضررين والضحايا من أمثال مؤسستي الشهداء والسجناء ولجان المفصولين السياسيين لكي تتمكن هذه المؤسسات من أداء دورها بالتزامن مع الأدوار التي يمكن أن تقوم بها المؤسسات السياسية الأخرى لتتكاتف جميعها وتتسابق في الوصول إلى جوهر العدالة الانتقالية، فواقع الحال يشهد إن مؤسسات الضحايا وذويهم تتعرض إلى مزيد من التقييد، ومزيد من التعطيل المتعمد من بعض المسئولين في الحكومة العراقية لا يرغبون ولا يريدون أن تتحقق العدالة للجميع.
6-برنامج التعويض الشامل والسريع:
يمكن للحكومة العراقية العمل بشكل أكثر جدية وواقعية على تهيئة الظروف الملائمة لصيانة كرامة الضحايا، وتحقيق العدل بواسطة التعويض عن بعض ما لحق بهم من الضرر والمعاناة.
وثمة مجموعة واسعة من الإجراءات الرمزية لجبر الضرر- والتي يمكن أن تؤخذ كذلك بعين الاعتبار-سواء بالنسبة إلى الضحايا بشكل فردي مثل رسائل شخصية للاعتذار من طرف الحكومات اللاحقة، أو مراسيم دفن ملائمة للضحايا القتلى، أو الاعتراف الرسمي بما جرى من قمع في الماضي، أو تخصيص أماكن عامة وأسماء الشوارع أو رعاية المعارض الخاصة أو الأعمال الفنية أو بناء النصب التذكارية العامة والمآثر والمتاحف.. الخ.
8- مجلس أعلى للعدالة الانتقالية:
نرى إننا في العراق بحاجة إلى مجلس أعلى للعدالة الانتقالية يعمل على تحديد أطراف العدالة الانتقالية( الضحايا والجناة، والأطراف المحلية والدولية المساندة) ويعمل على وضع الآليات والسياسات والبرامج والخطط التي تضبط حركة العدالة الانتقالية وتحدد المستويات التي وصلت إليها.
وبالتالي، ينبغي أن يدرك الذين يعطلون العدالة الانتقالية في العراق، أو الذين لا يريدون أن يتدخلوا بصورة مباشرة لتحقيقها، أو الذين يتبنون مشروع المصالحة مع البعثين جزافا أنهم يشاركون الجناة في استمرار معاناة وآلام آلاف الضحايا، ويساعدون العراق على عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي..