الكل يتكلم عن الازمة فما هي
    الأثنين 30 يناير / كانون الثاني 2012 - 22:53
    عبد الحميد العباسي
    الأزمة:
    ربما كانت كلمة *أزمة* اكثر كلمة يتداولها الإعلام و تردُ في َلغو  السياسيين (اللغو= كلام ليس فيه قول, قالت العرب كفى كلاما,قلْ شيئا يا هذا. قالوا: *قل* ما بدا لك ولم يقولوا تكلم ), مع ان الناطقين بها, إلا قلة منهم, لايدركون ما تعنيه تلك الكلمة وهم يستعملونها مُرادفا لاشتداد التوتر وزيادة المصاعب وكثرة التحديات وندرة الحلول ولو ان هذه, كلها, قد تشكل أرضية مناسبة لفعل الازمة ولكنها, بحد ذاتها, ليست الازمة.                                                                           
    ما هي الازمة إذن؟:                                                                           
    الازمة, نفسها, كظرف آني, تبدأ عندما تُساور المرءَ الشكوكُ  في قدرته على مواجهة ما يُحدق به او التحكم في مجراه, أكان ذلك نازلة ام ظرف غير محسوب أو إرتياب بمَن أو بما جاءه من معلومة.
    ولكلمة *الازمة* مرادفات منها: المُفترق, والمُنعطف, والمِفصل وكلها تشير الى ما تفعله الازمة في تغييرالحال الى نقيضه: البندقية الى غصن زيتون والصمود والتحدي الى خوار وإستكانة والمُحرم إلى حلال وهكذا.                                     
    إستعمال المرادفات واللغة العربية أغنى اللغات بها, إنما جاء لتمكين الكلمة من تحقيق وضيفتها الأساس في نقل الاحساس فضلا عن المعنى. وهكذا كلمة *الازمة* ومرادفاتها, تنقل الينا الحدث وأجوائه.
    يمكننا ان نستشف مفهوم الازمة من معنى الكلمة في اللغة اللاتينية, خاصة وان الغربَ هو أكبرُ مُورد للأزمات إلينا.  الازمة crisis كلمة مشتقة من الكلمة اللاتينية crucible ومعناها: *البودقة* وفي البودقة  ُتصهرالاشياءُ الى ما يُراد لها من أشكال. والى هذا جُند ت الازمة منذ أقدم العصور: ترويص الفرد وكسر إرادة الجماعة أي جعل الجماعة سليبة الإرادة والفرد مطواع لدِن. وهذا هو الغرض الأساس من إدخالنا في بودقة ثم اخرى  لإمرار ما  كان إمرارُه صعبا أو مُحالا. و مانراه من انتهاز ظروف الازمة للإقتناص والإبتزاز, إلا أمثلة, لذوي الالباب. 
    إن وقعَ الظروف القاسية على الفرد لا يعتمد فقط على عِظمها, سطوتها أو مداها بل كذلك وبشكل مهم, على قراءة الفرد لها. وعلى بنيانه النفسي والمعرفي ودرجة تما سّه بالاحداث وقرائته لها في ضوء خبرة تراكمية عنها.وألمامه بحركة التاريخ.                                                                                    
    بمَنْ تنشب الازمة اظفارها وتحقق ما  جُندت من أجله؟
    أولا. عموم الشعب. ظل شعبنا خلال عقود من الزمان, في حيرة من أمره يدرك انه امام تحديات لا رد  لها, شدة لا تنفرج ووهن وهوان, فكانت أزمة مزمنة حققت اهدافها وصار الشعب سليب الارادة سهل الترويض, ردود فعلة محسوبة وإنقياده تحصيل حاصل.
     ثانيا. فئة ذوي الأمر(سياسيون عادة) وهولاء نوعان:
    1.    نوع وهم ُكثر, لايهمه الا شأنه وقد ضمنه منذ البداية فلا خشية ولا حيرة, لا يحس لا يتحسس ولا يكترث, فبينه وبين الازمة  بون
    2.    نوع وهم قلة, يتحكم بالاحداث ولا تتحكم به. تعوَد الصبر وقراءة ما يدور حوله ووظف خبرته فيما فات لفهم ما هو آت. وما دام لا يرى ان الامر سيفلت من يده أو يكاد,  فهو عصي على الازمة ومراميها.
    والأزمات كالمنايا, من تُصبه  ُتمته او ُتبقيه ذليلا ومن تصدى لها وانتصر بلغ من العلياء كل مقام. ولكنها في كل الاحوال لا تنحسرإلا وقد تركت على  ضحاياها ندبات في السلوك وفى النفس وعافت خلفها حسراتٍ وآلاماً وعلى الوجه تجاعيدَ وعلى شعر الرأس إنحساراً قيل الاوان. ولكن لا شيىء من هذا يصيب الطارىءَ والسفيه. وفي التاريخ أمثلة لا تعد.
    منذ  سنوات وانا أرقب الازمات تتسلل الى البعص وتفعل فعلها فيهم وفي الدائرة مِن حولهم, كبُرت تلك الدائرة, أم صُغرت.    
    لبست الازمة *أبهى* حللها في يوم الاربعاء الدامي وقبلها كانت أزمات أخر. في ذلك اليوم الاسود تهيأت للازمة كلُ أسباب بطشها: خراب هائل في موقع وزمان غير مُحتسب وظنون غير مبررة (بمن ليس من شيمته الغدر). إلا ان المَعنيين سُرعان ما استحضروا ثوابتهم قبل ان تتمكن الازمة منهم (وكان لي من على فضائية الفيحاء تعليق حول الحدث في حينه) والسؤال:
    بمَ تتوسل الازمة للتوصل الى غاياتها في الترويض وكسر الارادة:
    الآلية البايولوجية لفعل الازمة.
    عندما يواجه فرد او جماعة (شعب او أمّة) أمرا جللا  لا قدرة على ردّ ه (أو هكذا يقرأه أو يقرأونه) وتساورهم الظنون ( مشروعة او مُتخيلة),  كوقوع كارثة طبيعية أو سياسية, أوغزو أجنبي أوتمرد أو انهيار حليف أو نضوب مَعين, وعندما يشعر من له علاقة, أن زمام الامر قد افلت من يده,  يُرسم عندها للحال صورة قاتمة تنقل الى الدماغ لتستقبلها وتستجيبَ لها المراكز الحسية:
     1. بإضفاء حالة سلوكية من الخوار والخنوع والطواعية لا ينشد الضحية فيها إلا السلامة والبقاء في الظرف الجديد والإستعداد الى قبول متطلباته سواء كانت شروطا أو إبتزازا. الواقع ان الجهات التي تعودت الابتزاز تنتهز مثل هذا الظرف او تصنعه لتحقق ما تريد عِبْرَه.
    2. بإستنفار محوريين هورمونيين رئيسين:
    اولا. محور الغدة النخامية ( الواقعة في قاع الدماغ) وقشرالغدة الكضرية الجالسة فوق الكلِية, ليُغمرَ الجسمُ بهورمونات (اهمها هورمون الكورتيزول), التي من شانها ان تساعد على:
    أ. تعلمِ  أنماطَ جديدةٍ في التعامل( التأقلم) مع الاحداث.
    ب. إيقاع افعال إندثارية (تخريبات) في مراكز الذاكرة خاصة, مركز ُُقرَين آمون Hippocampus مما يساعد على النسيان والتنكر لثوابتَ كانت مقدسة يوما. ويؤدي كذلك الى صعوبة استذكار دروس الماضي واستثمارها
    ج. اعتلال في الصحة وتداعٍ ٍ في القدرات الجسدية في وقت يكون المرء في أمس الحاجة اليها.
    ثانيا. محور الجهاز العصبي الودي Sympathetic n.s  ولب الغدة الكضرية, الواقعة فوق الكلية,  ليُصبَ وفرًٌ من هورمونات الكاتيكول مثل Adrenaline وشبيهاته المثيرة للاعصاب والتي قد تؤدي الى التهورواتخاذ القرارات المتسرعة أو الحمقى. 
    صورة مَن بطشت به الازمة او كادت.
    شكله مرتجف مهزوز متوتر, تتسارع الكلمات من فمه حتى لا يكاد يلتقط انفاسه بينها. من كلامه ما هو هذر, يلقي اللوم على هذا وذاك ويشك في هذا وذاك, أكان معلومة أو شخص, ذاك. لا يستقر على حال أو قرار أو مكان.
    عيون جاحظة وبؤبؤ واسع وجسد مرتعش, نومه متقطع وضغط دمه مرتفع وضربات قلبه وشرايينه تتسارع وتشتد, ُتحس في أعلى الرقبة وكأن القلب قد هاجر الى هناك. يرتفع معدل السكر في الدم بدرجة مفرطة وكذا الشحوم وغيرها ولا يستقيم الحال الا بانتصاره واستنفار عمليات البناء في جسده وفكره من جديد, أو إستسلامه وإلتحاقه بركب الخصيان (ويا مكثرهم هذه الأيام!). علما بأن بأن وصفهم بالخصيان Castrated لم يأت جُزافا فمستوى هورمون الذكارAndrogen في الدم يهبط الى درجة تقرب من العًدَمْ.
    في الايات الكريمة, تصوير رائع  لحال مَن وقع فريسة الازمة:  *وإذ زاغت الأبصارُوبلغتْ القلوبُ الحناجرَ وتظنون باللهِ الظنُون, هنالك أبتلي المؤمنون وزُلزلوا  زلزالا* صدق الله العلي العظيم.
    هنا الازمة في عنفوانها. يشعر الضحية وكأن الارض تميد به, تنبض شرايين  رقبته بشدة وكأن القلب قد هاجر الى أعلى الرقبة حيث الحنجرة. وطغت شكوكه حتى وسعت كل شيىء.
    أما كيف نمتنع على الازمة وندرء تداعياتها, فليس. هذا, الان,  مكانه. ولي عودة

    عبد الحميد العباسي
    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media