عام يروح ... وعام يجيء ..!
الأثنين 30 يناير / كانون الثاني 2012 - 23:29
سليم البصون
عام يروح ، وعام يجيء.. والحياة تمضي بنا ، وكانت قد مضت بغيرنا من قبل ، وتمضي بغيرنا في المستقبل .. والدنيا تدور ودولاب الحياة لا يتوقف بها، وإنما نحن الذين نقف ، ثم نتوقف ، ليأتي غيرنا وتمضي بهم الحياة مثلما مضت بنا .
العام الذي مضى أمس ، هو وان كان في التقويم الميلادي ، الذي اصطلحت الغالبية من العالم على ان تؤرخ به ، إلا انه في تاريخ هذه الدنيا عام من ملايين الأعوام التي لا تقف لها على حصر.. فملايين السنين مضت بنا ، بعضهم يقول إنها سنوات من البدائية والتحجر والجهل، والبعض يقول ، إنها دولة حضارة دالت ، وعهود ازدهار بادت ، وقام عام جديد، ليبدأ تاريخ من جديد ، وسواء كان هذا أو ذاك ، فتاريخنا نعرفه بآلاف السنين ، والتاريخ الميلادي يؤرخ لنا بنحو ألفي عام ...
أمس ودعنا العام الألف والتسعمائة والثامن والسبعين ، لنستقبل اليوم عاما جديد هو العام الألف والتسعمائة والتاسع والسبعون . وبذلك انضم العام الذي مضى الى الأعوام المئات التي سبقته وقد امتلأت بأحداث جسام في خيرها وشرها ، وفي تقاربها وتباينهما ، وفي تساوقها ، وتعارضها . مثلما العام الذي مضى بما شهد من أحداث وحوادث ، بايجابياتها وسلبياتها ، وبمحاسنها ومساوئها ، بما شهد العالم من انطلاقات نحو البناء والهناء والرخاء وبما شهد أيضا من أيام سوداء أظلمت بالخراب ، واحمرت بالدماء . وكما هي الحال ، في سنوات مضت ، من صراع الخير والشر، فقد اصطرعا وتصارعا ، وانتصر هذا في جولة ، وهزم في جولات ، ثم انتصر ذاك على هذا ، وما زال الحال قائما على هذا المنوال!..
ومنطقتنا ، مثل بقية أصقاع وبقاع العالم ، عاشت الأحداث بشكليها ولونيها ، وعاشت صراع الخير والشر، والإيجاب والرفض، وعاشت أمالا رحبة واسعة ، مثلما عانت ، وفي أكثر من بلد ، من رخص الإنسان ، وهو يقتل، وهو يجوع ، ويظمأ ، ويشرد !..
وإذا كانت تباشير السلام في المنطقة قد لاحت في العام الذي مضى ،وهي تبهر الأبصار ، وتحي الآمال ، فان المنطقة نفسها ، عانت وما زالت تعاني ، من أصابع الشر، وهي تعبث، وتخرب وتقتل، وتشرد، فمعارك طاحنة هناك وصراع سياسي هنا وهناك. وطائفية وعنصرية . وحزبية، بعضها في مكان ، وكلها ومجتمعة في مكان أخر..
لبنان الحبيب مازال يعيش مأساته التي مضت عليها أربع سنوات ونصف، بكل تعقيداتها السياسية والحزبية والطائفية ، وبكل الصراعات العربية والأجنبية فوق ارض لبنان ، ثم بصراعات رجالات لبنان !..
وإيران ...وإيران أيضا أصبحت ساحة حرب أهلية ، لها جذورها ، ولها جذواتها ، ثم فيها الأصابع الداخلية والخارجية تلعب وتوجه ،وفيها هذه الهوة التي تفصل بين الحاكمين والمحكومين ، ولتي يستغلها رجال السياسة مثلما رجال الدين !..
وأزمة الشرق الأوسط ، التي كان المؤمل ان يسجل العام الفائت لها ،خاتمة الاتفاق بين إسرائيل ومصر على طريق السلام ، لتعقبها التسوية الشاملة التي تطمح إليها شعوب المنطقة ، فان العام مضى ، والاتفاق كان قاب قوسين أو أدنى .. وتعثرت المسيرة ، وتوقفت لراحة قصيرة ،يراجع خلالها كل طرف آراءه وأفكاره ومطالبه ، وأراء وأفكار ومطلب الطرف الأخر، في أمور يعتقد كل طرف انه على صواب فيها ، وان الطرف الأخر متصلب ، أو مزايد فيها . ومن حق هذا الطرف ان يرى ما يراه ، مثلما من حق الطرف الثاني ، ولكن المهم ان تكون النيات حسنة ، والرغبات صادقة ، والمسيرة ماضية ، وان تقوى، فلا تكون عرضة للاهتزاز . ومن اجل ان تكون القاعدة التي يشاد عليها السلام قوية صامدة ، تبنى فوقها صروح المستقبل ، في السلام العادل ، والتعايش الصادق والتعاون النافع ، لما فيه خير جميع شعوب المنطقة !..
فإذا كان العام الذي مضى، عام استمرار المسيرة على درب السلام ، وإذا كان مازال يحيط بالمسيرة الرافضون وفعالياتهم ، واللاعبون على الحبال، والواضعون رجلا مع الرحمن وأخرى مع الشيطان ، المزايدون ، والمخادعون ، فإنما نأمل ، ونرجو ، ونحن نستقبل العام الجديد ، ان تمضي المسيرة الى الأمام ، بكل حزم وإقدام ، وان يمضي معها الذين ما زالوا يترددون وان يمضي فيها ، أصحاب القضية أنفسهم ، الفلسطينيون ، بعد ان يتبينوا ـ ولا يخفى عليهم ـ من اللاعب على الحبال والراقص في محنة الفلسطينيين والواضع رجلا مع الرحمن والثانية مع الشيطان !...
إننا إذ نودع عاما ـ بكل حوادثه ـ ومسيرة السلام كانت أبرزها ، فإنما نرجو ونأمل ان نستقبل عامنا الجديد ، وقد نجحنا في بلوغ الهدف النبيل لهذه المسيرة ، ونحن ننشد للسلام ما انشده شاعر العرب الكبير الجواهري :
جيش من السلم معقود به الظفـــر وموكب كشعاع الفجــر ينتشر
ونغمة من سماء الحق ترسلهـــــا غر الملائك يستهدي بها البشر
من مبلغ الشر ان الخير يصرعـه والبغي ان قوى الأحرارتنتصـر
أمنت بالسلم لا دين لمن كفــــروا بــه ودين لأهلــه وان كفــــــروا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم المرحوم سليم البصون
نشرت في جريدة الأنباء في "أورشليم" القدس في 1/1/1979