الصراع الايراني الامريكي وتاثيراته على مستقبل العراق الاقتصادي
الأثنين 30 يناير / كانون الثاني 2012 - 23:34
عمار الشاهين
التوتر السياسي بين امريكا وايران , والتطور المتسارع للاحداث يُنبأ بحصول صِدام عسكري , من خلال مجريات الاحداث الاخيرة , كتحرك الاسطول الامريكي الى الخليج , المناورات العسكرية والتجارب الصاروخية الايرانية , حمى التصريحات المتبادلة بين البلدين , التهديد بفرض عقوبات على الصادرات النفطية الايرانية ,تهديد ايران بالرد بغلق مضيق هرمز ... الخ .
ما يهمنا هو تبعات الازمة في حال حدوثها على الاقتصاد العراقي , سواء حصلت ضربة عسكرية شاملة او جزئية على ايران , انطلاقا من قراءة لتاثير ذلك على العالم اولا وعلى دول الخليج ثانيا . ومن جراء حركة التأثير والتاثر فان أي ضرر عالمي لابد من ان يعدي الاقتصادت المرتبطة ببعضها ويصل بالنتيجة الى الشرق الاوسط والعراق , سواء كانت تلك التاثيرات مباشرة اوغير مباشرة , قصيرة المدى تكون كموجات ارتدادية للحدث مثل ايقاف صادرات النفط الخليجية او تاثيرات على المدى المتوسط اوالبعيد كتوقف الاستثمارات الاجنبية من التوافد على المنطقة , مع التسليم باحتمال ان تكون المنطقة ساحة حرب .
العالم مع او ضد ضرب ايران ؟
ان الاقتصاد العالمي في الوقت الحالي يشهد تباطئ في معدلات النمو وان اية ضربة على ايران لابد وان تُأثِر به , وخاصة مع وجود احتمال بتوقف الصادرات النفطية الخليجية التي تقدر نسبتها 40% من الصادرات النفطية العالمية , مما سيعني قطع شريان الطاقة الحيوي للدول الصناعية ويرفع اسعار النفط الى معدلات كبيرة تنهك اقتصادات هذه الدول وسيدفع تبعاتها المستهلك بالدرجة الاولى, من خلال ارتفاع اسعار المشتقات النفطية والبضائع المصنعة , وقد لاينفع معها الاجراءات الاحترازية التي ستتخذها الدول الكبرى باطلاق المخزون الاحتياطي النفطية لتغطية العجز في الصادرات النفطية وخاصة مع امتداد مرجح لفترة الحرب , ورد فعل ايراني بضرب منشئات نفطية خليجية مجاورة .
دول الخليج وتاثير المد الايراني .
دول الخليج العربي محتمل ان تكون اهداف لضربات انتقامية تشنها ايران ردا على الضربة العسكرية , بسبب تمركز القوات الامريكية قبالة سواحلها والاستعانة بها كحليف ستراتيجي لتوفير الدعم للقوات المحاربة , مما يضعها في جانب واحد مع القوات الامريكية بالنسبة لايران , وحجم القوات العسكرية في الخليج ومنظومات الردع الصاروخي المتطوره قد لاتكون كافية للوقاية من ضربات تستهدف هذه الدول , وستلقي بظلالها القاتمة على الحياة الاقتصادية والسياسية والامنية فيها , وان اول ضربة ستكون بايقاف الصادرات النفطية الخليجية واستهداف منشئات نفطية , الهدف منها توجيه ضربة لصناعة النفط عالميا .
التاثير الثاني سيطال الاستثمارات الاجنبية في الخليج التي ستولي هاربة , بسبب انعدام البيئة الامنه لنموها واستمراريتها, يضاف اليه عدم جذب استثمارات جديدة وفقدان المنطقة للجاذبية الاستثمارية تصاعديا مع اشتداد التوتر وارتفاع عامل المخاطرة في المشاريع مما سيحيد باتخاذ القرار الاستثماري الى بلدان اكثر امنا .
ولكون الخليج العربي هو المنفذ البحري التجاري الوحيد لكل من قطر والبحرين والكويت فان اي توتر سيضر بالتبادل التجاري عبر الخليج ويوقف تدفق البضائع والحركة التجارية واقتصارها على المنافذ البرية التي لن تكون قادرة على تعويض القناة الجافة, مما سيؤثر سلبا على الاقتصاد والحياة العامة ويرفع التضخم ويتزايد التاثير مع احتمالية فشل امريكي في انهاء الحرب في وقت قصير .
من جانب اخر فان الدول الخليجية ستجد نفسها مضطرة تحت ضغط التهديدات بضربة محتملة من ايران الى زيادة الاموال المخصصة للانفاق على الامن والدفاع ,واستيراد المزيد من الاسلحة والعتاد , مما سينعكس على تخصيصات الخطط والبرامج التنموية .
العراق, ماذا سيحدث ؟
العراق وايران تجمعهما مشتركات دينية , ثقافية واقتصادية والتي سيكون لها تأثير حتمي في حال نشوب صراع ايراني امريكي بالاضافة الى التاثير الجيوسياسي.
يوجد خيارين للعمل العسكرري ضد ايران , الاول بضربة شاملة تُطيح بنظام الحكم , والثاني الاستمرار باضعاف ايران والقتل الاقتصادي البطيء, وتعميق العزلة الدولية لها, مع توجيه ضربات عسكرية محددة لمواقع مختارة يكون من ضمنها المواقع النووية الايرانية .
ولاي من الافتراضات اعلاه لن تختلف الاثار السلبية المحتملة لاقتصاد العراق , وكما يلي:
اولا:قطاع النفط : ان أي ضربة عسكرية ضد ايران ستقابل برد ايراني بايقاف الصادرات النفطية من الخليج ,والعراق يعتمد بشكل كبير على الخليج في صادراته النفطية , حيث ان المنافذ الرئيسية لتصدير النفط العراقي هي :
1. المنفذ الشمالي للخط العراقي/التركي على البحرالمتوسط (1,6) مليون برميل يوميا.
2. المنفذ الغربي للخط العراقي/الشمالي على البحر المتوسط (1)مليون برميل يوميا.
3. المنفذ الجنوبي الشرقي على الخليج العربي(3,2) مليون برميل يوميا .
4. المنفذ الجنوبي الغربي عبر السعودية على البحر الاحمر(1,5) مليون برميل يوميا.
مما يجعل الطاقة الكلية المتاحة للتصدير للعراق (7,2) مليون برميل يوميا الا ان اكثر من 68 % منها طاقة معطلة (1) , ومنها نجد بان 44% من طاقة العراق التصديرية الممكنة هي عبر الخليج العربي , والسياسة النفطية في قطاع التصدير تتجه الى زيادة الطاقة التصديرية عبر الخليج (2) لكون القسم الاكبر من النفط العراقي في الجنوب والبصرة تحديدا, وهذا الامر لن يكون جيدا في حال توقف خط النقل عبر الخليج , فيجب النظر بكل الاحتمالات الممكنة والبعيدة ايضا - ولايوضع كل البيض في سلة واحدة - والقيام باعمال رفع الطاقة التصديرية للنفط العراقي في اكثر من منفذ, خاصة وان المنافذ الاخرى لن تستطيع رفع طاقتها التصديرية في وقت قريب مما سيخفظ الايرادات النفطية العراقية , و العراق اليوم يستعد لزيادة صادراته النفطية الى 12مليون برميل يوميا بعد سلسلة من العقود الاستثمارية مع شركات نفط عالمية , اما ايرادات النفط فتغطي حاليا بحدود 90% من ميزانية العراق وان ايقاف هذه الايرادات سيوقف عجلة التنمية .
ومع افتراض نجاح الضربة العسكرية , سيكون هناك سيطرة امريكية على النفط الايراني وادخال لشركات استثمارية وفتح صنابير النفط لتغرق الاسواق العالمية وتوفير فائظ نفطي سيهوي باسعار النفط , مسبب خسائر اقتصادية للعرق جراء انخفاض العائدات النفطية التي يُعوّل عليها في بناء العراق مما سيؤدي الى تباطُئ عملية الاعمار التي بالكاد بدئت .
ثانيا:التبادل التجاري: العراق اليوم مستورد اكثر منه مصدر , فعند اغلاق المنافذ الحدودية للتبادلات التجارية ,سيوقف تدفق البضائع الايرانية للعراق , والتي يعتمد عليها المستهلك العراقي اليوم بشكل كبير بسبب رخص ثمنها نسبيا لانخفاض تكلفة النقل البري , مما يسبب ارتفاع الاسعار وزيادة معدلات التضخم في السوق العراقي , والاتجاه الى منافذ اخرى مثل الكويت و تركيا لسد حاجة السوق والتي قد لاتكون الانسب سعرا للمستهلك , مما يضعف القدرة الشرائية وتاثير محتمل على قيمة الدينار العراقي .
ولاجراء مقارنة حول تاثير توقف البضائع الايرانية , سنقارن بين التبادلات التجارية بين العراق والدول الرئيسة المجاورة بالاعتماد على احصاءات عام 2011 لتقريب الفكرة, فحجم التبادل التجاري بين العراق وتركيا بلغ 12 مليار دولار , العراق وايران 10مليار دولار ,العراق مع الكويت 10 مليار دولار , العراق مع سوريا والاردن 6 مليار دولار , وهذه الارقام قابلة للزيادة في عام 2012 لوجود مشاريع اقتصادية مشتركة ونمو مستمر لكافة القطاعات في العراق , وبحسابات بسيطة تجد ان التبادلات بين العراق وايران تزيد على 26 % .(3)
ثالثا:الوضع الامني : ذكرنا التاثير الجيوسياسي على العراق لان ايران جار العراق الشرقي بحدود مشتركة اكثر من 1400 كيلومتر وبلد يتعرض لضربة عسكرية لايستبعد ان تتحول هذه الحدود الى نقطة اختراق امريكي , خاصة وان العراق حاليا لايقدر على منع امركا من استغلال اراضية باية صورة كانت لضرب ايران , وامريكا لايمنعها سوى الاتفاقية التي وقعتها مع العراق في السابع عشر من تشرين الثاني لعام 2008 والتي نصت في القسم اولا:مبادئ التعاون / الفقرة 4 ( على الولايات المتحدة ان لاتستخدم اراضي ومياه واجواء العراق منطلقا او ممرا لشن هجمات على بلدان اخرى وان لاتسعى لان يكون لها قواعد دائمة او وحود عسكري دائم في العراق )(4), ولكنها ستتبخر فيما اذا طالت فترة الحرب وتعرض الاقتصاد الامريكي للانهيار فحينها ستكون كل الوسائل متاحة , وسيتتحول حدود العراق الى ساحة حرب .
عندها سيحتاج العراق لتخصيص المزيد من الاموال للجانب الامني الداخلي او الانفاق العسكري لحماية الحدود العراقية , مما يثقل موازنة الدولة والاولى ان تتوجه هذه الاموال الى الاعمار والبناء ولعام 2011 فان نفقات الدفاع والامن كانت 21,13 % من الموازنة الاتحادية (5) .
رابعا: السياحة والاستثمارات :يعول العراق اليوم على دخول الاستثمارات الاجنبية للتسريع في عملية الاعمار , وقد اتخذ خطوات مهمة لتوفير بيئة استثمارية امنه لجذب الاموال من الخارج, منها قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2006 , والذي تشكلت بموجبه هيئة الاستثمار الوطنية وهيئات الاستثمار في المحافظات , والعديد من قرارات الدعم الفني والاداري مع مغريات استثمارية تجعل من العراق بلد لفرص كثيرة ,مما اكسب العراق اهمية استثمارية ولكنه لن يكون كذلك في حال أي توتر عسكري في المنطقة , وكما يقال فان راس المال كالطائر يحط في الاماكن الامنة .
يمكن النظر الى عائدات السياحة الدينية بانها المورد الثاني لخزينة الدولة بعد عائدات الصادرات النفطية , بالاضافة الى اعتماد القطاعات المصرفية والتجارية والفندقية والخدمية عليه , والعرق يسمح اليوم بدخول 6.5 الف زائر يوميا من ايران تقدر اعدادهم 1.6 مليون خلال عام 2010 و العائدات السنوية المتحققه مليار دولار لكل مليون سائح باحتساب معدل الانفاق , أي بعائدات 1.6 مليار دولار .
الهوامش :
(1) دور العراق المستقبلي في تجارة النفط/عبد الوهاب الشيخ قادر.
(2) موقع وزارة النفط /العراق يستعد في الايام المقبلة لافتتاح مشروع لرفع الطاقة التصديرية من موانئ الجنوب , مد 3 انابيب لنقل النفط ونصب ثلاث عوامات طاقة كل واحدة 850 الف برميل يوميا .
(3) وكالات , متابعات اخبارية
(4) اتفاق الاطار الاستراتيجي لعلاقة صداقة وتعاون بين الولايات المتحدة وجمهورية العراق .
(5) تم حساب النسبة من قانون الموازنة العامة الاتحادية لجمھورية العراق لسنة 2011.
منشور على جريدة الشرق
Eng.a.alshaheen@gmail.com
07712632501
المهندس عمار شِنتة الشاهين