ولدوا فقراء وعاشوا عظماء
    الثلاثاء 31 يناير / كانون الثاني 2012 - 23:29
    سيلوس العراقي
    صحيح أن من يولد في هذه الدنيا لا يختار مكان ولادته، أو العائلة التي يحب أن يولد فيها، غنية أم فقيرة، برجوازية أم ارستقراطية أو ريفية تمارس الزراعة وتعيش حياة عادية، كما أن من يولد لا يختار البلاد إن كانت باردة او منجمدة، صحراوية،  جبلية أو بحرية، اضافة الى الكثير الذي لا يمكن لمن يولد أن يحدده مسبقاً ، لكن الحياة والبيئة والظروف المحيطة ، إضافة الى عامل آخر جدير بالأهمية بشكل كبير ألا وهو العامل الشخصي للفرد ، ومدى استثماره لكل العناصر المتوفرة له ليحقق نجاحاً في حياته، لم يتمكن من تحقيقه أقرانه الآخرين الذين ولدوا في ذات بيئته وحتى في نفس العائلة ومن ذات الأبوين.
    حين نتعرف على حياة وبيوغرافيا الكثير من العظماء في التاريخ، والرجال المشهورين في التاريخ البعيد والقريب ، فغالبهم لم يولدوا عظماء ولم تولد معهم المكانة و العظمة أو النجاح ، التي حصلوا عليها فيما بعد من خلال مشوار حياتهم ، وقيامهم بما كان ممكناً بصورة تامة، بتحمل الصعوبات. فالكثير من زعماء العالم ولدوا في عوائل فقيرة عادية لم تكن تشير حينها انهم سيكونوا من عظماء الرؤساء أو الساسة أو المفكرين أو العلماء... لكن من قصص حياتهم تركوا بعض الشهادات والكلمات التي تعبر عن أبعاد مهمة في حياتهم وخياراتهم ومواقفهم التي جعلت منهم ما أصبحوا عليه. تجعلنا أن نعتقد أحياناً بصحة الأمثال والحكم مثلاً التي تقول : "الحاجة أم الاختراع" ، "الفقر أبو كل الفنون "  و " الجوعان يتعلّم أشياء كثيرة".
    ومن هؤلاء مثلاً ثورو ويد Thurlow Weed ( 1797 ـ 1882) ، الذي أصبح ناشر صحيفة نيويوركية للحزب الجمهوري الاميريكي ، ودخل عالم السياسة، وساند كثيرا الرئيس الاميريكي جون آدامز ، كما أصبح ناشطا ضد الماسونية، الى غيرها من النجاحات التي حققها في حياته لم يولد الا ولداً في عائلة فقيرة، ولشدة فقره، وفي أيام مارس آذار شديدة البرودة، كان يشد قطعاً من الأقمشة على قدميه العاريتين، للاستعاضة عن الجواريب وزوج الحذاء الذي كان يحلم أن يملكه.  فالمجد يرفع الكثيرين من أصحاب الأقدام الحافية، لكنها أقدام مكافحة ومجاهدة، تبحث عن الحياة بشرف، يكون النجاح أمامها دائماً ليعوضها وبفيض كبير. 
    أما اليهو باريت Elihu Burritt (1810 ـ 1879) :
    فأحد أولاد الفقر هو الآخر، الذي ولد لأب فلاح له من الاولاد عشرة ، كان تسلسل اليهو  رقم 10 بين أخوته. في الثامنة عشر من عمره ذهب الى محل ليتدرب على مهنة الحدادة. لكن كان فيه شوقاً كبيراً لكي يدرس ويتعلم، لذلك اشترى بعض الكتب في اللاتينية واليونانية، يحملهم في قبعته على رأسه أو في جيبه، ويقرأ ويتعلم من كتبه وهو يشتغل على سندان الحداد.
     وما جناه من مال من تعب عمله في الحدادة، خصصه لسفرة الى بعض الدول في اوربا، حيث سافر الى فرنسا واسبانيا وايطاليا. وكانت الكتب رفيقته الوحيدة دائماً،  وكان يشتري كتباً من المال الذي يبقى في يديه. في شتاء واحدٍ تمكن من دراسة سبع لغات. قام بالتدريس لمدة سنة واحدة في إحدى المدارس، لكنه توقف بعدها لأسباب صحية. فالتجأ الى أعمال البقالية، لكنه تعرض لخسارة رأس ماله في أعمال البقالة، واضطر للعودة الى مسقط رأسه ، بريطانيا. ما لبث أن ترك بريطانيا مغادراً صوب بوسطن ومنها الى روستر   Worcester  ـ أميريكا. حيث سيعود ثانية الى الحدادة وسندانها، من دون أي خجل من أجل توفير لقمة عيشه من عمل متواضع. اليهو في هذا الوقت كان يبلغ من العمر 27 سنة، مفتقراً الى النجاح، لكن يبدو أن النجاح لا ينتظره ليحصل على المال في الحدادة، بل في مجال آخر كدارس وباحث، فحينما بلغ الثلاثين من العمر كان قد تعلم تقريباً كل اللغات الاوربية ولغات عدد من دول آسيا، ولم يغفل تعلم السريانية والكلدانية.
    بعد فترة وجيزة، السيد ادوارد ايفيريت ، حاكم بوسطن سيقدم لاليهو فرصة لكورس في جامعة هارفرد، لكن اليهو لم يفرّط بالعمل بيديه الى جانب الدراسة. وسرعان ما عرف عنه النبوغ والامكانية الكبيرة ، فتم الطلب منه أن يقدم محاضرات، وكان طلاب الجامعة في شغف لسماع المحاضر اليهو (الحداد المتعلم). قام بتقديم أكثر من ستين محاضرة في الفصل الأول، ثم عاد الى سندانته ليشتغل في الحدادة.
    من بعد هذا زار اوربا عدة مرات. ثم أصبح قنصلاً في برمنكهام وأصبح صديقاً حميماً لجون برايت ، ريتشارد كوبدن، وغيرهما من الشخصيات البارزة في حينه. كتب كتباً ، وحاضر محاضرات عديدة، كما حرّر في عدد من الصحف.
    لم ينسى زيارة الفقراء والمعوزين حيث وجدهم، ويمد المساعدة لهم. وشرع بمشروع يؤمّن القراءة للفقراء في مدينته أسماه بينيس للقراءة penny reading   واستطاع من خلال تأمين ما يلزم الفقراء ليقرأوا ويتعلموا. كما انه قام بمبادرات أخرى في مجالات مختلفة.
    اليهو لم يتزوج أبداً، بل تكرّس لخدمة أخته وبناتها، وكان يعتقد بالكفاح من أجل النجاح. مات عن عمر 68 سنة.
    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media