لماذا الكتابة عن يهود العراق بعد 2003؟
    الثلاثاء 31 يناير / كانون الثاني 2012 - 23:41
    مازن لطيف
    لم يكتب عن تاريخ يهود العراق ودورهم وإنجازاتهم في تاريخ العراق الحديث ومساهمتهم الفعالة في بناء الدولة العراقية. والجميع يعرف دورهم الاقتصادي الكبير ومساهمتهم في ترسيخ اقتصاد العراق، حيث أسسوا المصارف والصيرفة والاستيراد والتصدير وبناء المعامل وغيرها. وفي مجال الثقافة برزت أسماء لامعة من أدباء وكتاب. وكذلك في مجال التعليم والغناء والطباعة والصحافة. ومنذ صدور القانون رقم(ا) لسنة 1950 وإسقاط الجنسية العراقية عن يهود العراق حتى سقوط النظام البعثي في نيسان 2003، لم تنصف هذه الطائفة العريقة في مجال الكتابة في الصحف او المجلات او الجامعات العراقية لاسباب عديدة منها انهم (اي يهود العراق) اعتبروا صهيانة وإسرائيليين، ومن يكتب عنهم كان يكتب بحذر شديد خوفا من السلطات او الحكومات المتعاقبة في تاريخ العراق ( يذكرون ان يهود العراق غبنوا وأن دولة إسرائيل قامت على أكتافهم. وجاء اليهود الغربيون). ومن كتب عنهم حاول تشويه صورتهم والتقليل من دورهم في بناء العراق الحديث. ومن كان يكتب عنهم كانت له مواقف وآراء مسبقة عن يهود العراق، بل من كان يتناول موضوع يهود العراق يعتبر جاسوسا وعميلا للصهاينة او اسرائيل، حتى الطلاب الذي كانوا يدرسون اللغة العبرية في جامعة بغداد، كلية اللغات، كان اغلبهم يعين في المخابرات والدوائر الأمنية وكانوا يخضعون لرقابة صارمة جدا، وبهذا كان قسم اللغة العبرية عبارة عن مدرسة "اعرف عدوك!"

    يمكن الجزم بالقول إن كل الكتب التي كتبت منذ تهجيرهم إلى سقوط النظام لم تكن موضوعية ومنصفة.

    هناك الكثير ممن يطرح سؤالاً واحداً لا غير ألا وهو: لماذا الكتابة والاهتمام بيهود العراق (في مجال الكتابة فقط) بعد سقوط النظام عام 2003؟ الجواب هو ان الشعب العراقي تخلص من أعتى سلطة دكتاتورية كان تحرم وتمنع اية محاولة لتناول يهود العراق، وبعد تحرير العراق كتب الكثير من المقالات والدراسات والرسائل الجامعية عن يهود العراق، نذكر منها على سبيل المثال: "الاقلية اليهودية في لواء الحلة" وكتاب "مير بصري" و"ساسون حسقيل" والنخبة اليهودية والموقف من الهوية العراقية" و"البيئة البغدادية في رواية سامي ميخائيل" وغيرها. وكذلك صدرت روايات لكتاب عراقيين تتناول موضوع يهود العراق منها "حارس التبغ” لعلي بدر، "ملائكة الجنوب” لنجم والي، "على ضفاف بابل” لخالد القشطيني، "الزمرد والذباب" لعبد الكريم العبيدي. هذه الروايات، كما تقول الدكتورة لقاء موسى فنجان، تعرفنا على جانب من تاريخ شعبنا ومكوناته وعمليات إفراغ البلد من اهله. وتذكر ان السبب وراء تناول موضوع يهود العراق هو ربما لأن الاديب العراقي تحرر من سياسة القطيع واخذ يغرد مرتاحاً خارج السرب، غير ان الثابت ان ضوءاً جديداً في الثقافة العراقية بدأ يفتح كوة في جدار المحرمات الصلب.

    بعد تحرر العراق من الدكتاتورية الغاشمة أصبح تناول موضوع يهود العراق متاحا للباحثين ولم يعد موضوعا محظورا،ً ولا تلصق تهمة الجاسوسية بمن يتناوله او يكتب عنه، فطلاب الجامعات ليسوا عملاء، والاكاديميون ليسوا عملاء، والصحفيون ليسوا عملاء، بل باحثين عن الحقيقة التي تقول ان يهود العراق جزء من تراث وماضي العراق، ولا يمكن تهميشهم والتقليل من دورهم في ما قدموه للعراق منذ تأسيس الدولة العراقة حتى تهجيرهم القسري، بل حتى منتصف السبيعنيات لأن عددا من كبار الادباء والصحفيين لم يغادر العراق الذي أحبوه وأخلصوا له، نذكر منهم مير بصري وانور شاؤل ونعيم طويق وسليم البصون ومراد العماري. ولا يمكن نسيان او تجاهل مزارات ومراقد واسواق ومحلات تحمل اسماء يهود العراق. لا يمكن تجاهل شخصياتهم الثقافية والادبية والاقتصادية، لا يمكن نسيان حكاياتهم وما نقل عنهم شفاهيا من قبل الآباء والأجداد، فهم جزء من تراث العراق. لكن المفارقة في عراقنا الجديد ان هناك من يتهم من يتناول موضوع يهود العراق بالعمالة لاسرائيل او الصهيونة وكأننا نتناول موضوعا ليس من صلب الكيان العراقي، ولان التربية البعثية القومية العربية المتطرفة ما تزال تجري في دماء الذين يطلقون هذه الاتهامات.

    أتمنى لهؤلاء المتهجمين ان يعرفوا ان كل يهود العراق الذين هجرناهم بعيدين عن الصهيونية، وانهم عراقيون أصلاء اكتوت قلوبهم بفراق العراق، معظمهم يحبون العراق والعراقيين إلى درجة الهوس، لقد أصبح العراق بالنسبة ليهوده حلماً بعيد المنال، يعيشون على ذكرياتهم فقط ويتابعون اخباره ويتمنون استقراره وأن يحمي الله هذه الأرض المباركة، أرض الحضارات والانبياء.
    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media