الذين يدرون ... والذين لا يدرون !..
الخميس 2 فبراير / شباط 2012 - 22:30
سليم البصون
الناس أجناس وألوان وفئات ، في أي مرفق من مرافق الحياة .. في كل زمان ، وفي كل مكان.. فيهم العالم وفيهم الجاهل ..وفيهم الذكي وفيهم الغبي..وفيهم الكفؤ القدير الذي يملأ منصبه ، والضعيف المتهافت الذي يهتز الكرسي من تحته .. فيهم العاقل الحكيم الذي يفيد ،وفيهم الأهوج الأحمق الذي يضر .. فيهم الذي ينفع وفيهم الذي لا ينفع ، وفيهم الخشب المرفع الذي لا يضر ولا ينفع !..
ويضيع الإنسان ، إذا كان من هؤلاء الناس، بين فئات وألوان هؤلاء الناس ..لا يدري في غمرة الحياة ومشاكلها ، في لقاءاته ومرجعاته ، أيهم يصدق ويفيد ، وأيهم يخدع ويضر .. وأيهم فيه الخير ، وأيهم منه الخير ، والناس أحوال مثل الأحوال ، تغيرهم الأحوال !..
والناس فيما لا يدرون وفيما يجهلون ، وفي ما لا يدرون ولا يجهلون ، وفيما يردون ولا يردون ، ألوان وأحوال ، بعضهم يتلون بمقتضى الحال من حيث لا يدري، يتزيا بمقتضى الحال ، وهو لا يدري !..
وقد قسم الخليل بن احمد أحوال الناس ، فيما علموه أو جهلوه ، الى أربعة أقسام متقابلة ، لا يخلو ـ بعرفه ـ حال الإنسان منها فعنده ان الرجال أربعة :
رجل يدري ويدري انه يدري فذلك عالم فأسالوه !..
ورجل يدري ولا يدري انه يدري فذلك ناس فذكروه !..
ورجل لا يدري ويدري انه لا يدري ، فذلك مسترشد فعلموه !..
ورجل لا يدري ولا يدري انه لا يدري ، فذلك جاهل فارفضوه !..
وفي هذا المعنى ، ولمثل هذا الغرض، قال أبو القاسم الامدي :
إذا كنت لا تدري ولم تك بالذي يساءل من يدري فكيف إذن يدري ؟
جهلت ولم تعلم بأنك جاهـــــل فمن لي بان تدري بأنك لا تدري ؟
إذا جئت في كل الأمور بغمــــة فكن هكذا أرضا يطأك الذي يدري
ومن أعجب الأشياء انك لا تدري وانك لا تدري بأنك لا تدري .
ومن أعجب الناس ـ أعزائي القراء ـ ان هناك من يدري بأنه لا يدري، ويتوهم انه يدري ، فيروح يسيء الى الآخرين من حيث لا يدري ، ويظن ان الناس لا تدري ، ويجهل أنها تدري !
والمجتمعات العربية ، في سوحها السياسية ، وفي مراكز القيادة فيها ،وفي دفات الزعامة منها ، مليئة بمثل هذا النوع أو اللون من الرجال الذي يدري بأنه لا يدري ، ويتوهم انه يدري .. مثلما هي مشحونة بمثل هذا الذي لا يدري ولا يدري ولا يدري ، فذاك مخادع ومخاتل ومضر ، وهذا جاهل وغافل ومضر أيضا !..
فيا لعلة هذه المجتمعات ، بمثل هؤلاء وأولئك ، وما أحوج هذه المجتمعات الى كثرة من مثل القلة ، في تلك السوح والمراكز والدفات ، من مثل الذي يدري ويدري انه يدري .. فهو العالم الذي يسألون .. وهو الزعيم الذي يجلون .. وهو القائد الذي يتبعون !..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم المرحوم سليم البصون
نشرت في جريدة الأنباء في "أورشليم " القدس في 7/1/1979