يساري سني
الجمعة 3 فبراير / شباط 2012 - 15:52
هيثم الغريباوي
في مقالة سابقة لي عنوانها "الطائفية تحت الشمس" والتي كتبتها دعماً لمقالة الدكتور عبدالخالق حسين "دكتاتورية الشيعة وتهميش السنة وهم ام حقيقة"، تناولت في المقال الدعوة تداول هذه الاصطلاحات وعدم جدوى التحرج من تناولهما في اطار البحث الاجتماعي والاكاديمي لما تكبده الشعب العراقي بسببها من هزات اجتماعية لم تنفك تنعكس على الاداء السياسي الكارثي الذي يقتل بدوره كل فرص النمو والتطور، كما شددت على الدعوة على تسمية الاشياء بأسمائها وذكر الافعال والاحداث كما يحفظها تاريخ العراق خاصة.
في احد التعليقات للسيد صائب خليل الذي احسبه يسارياً ينبري للاحتجاج على الموضوع بدعوى التأليب على السنّة من طرفي وطرف الدكتور عبدالخالق حسين، وينفي علمه بوجود سني واحد يقول بأن "الحكم امتياز سني لا يمكن التنازل عنه"، وتعليقه هذا فتح لي نافذة على التمدد في تناول هذا الموضوع لأرد على هكذا ادعاءات التي تعتبر جملاً غير مفيدة لعدم قيامها على دليل وتعبر فقط عن امتعاض نفسي من طرح الحقائق كما تحكي هي عن نفسها. لكنني اعود وأؤكد حقيقة ان التعميم غير وارد رغم ان الاستثناء قليل. فالسيد صائب خليل لا يريدنا ان نرى الجراحات تنطف من كياننا لكي لا يمتعض وحسب فهنا تعطلت يساريته وغلبته سنيّته.
وفي الواقع احار من اين ابتدئ في سرد وقائع الممارسة الطائفية السنية في العراق ضد العراقي المختلف وخصوصاً الشيعة منهم – باعتبارهم الند الفكري والبشري لهم-، أأبتدئ من المحيط السني للعراق الذي كان ومازال يستمد منه سنة العراق السند والدعم غير المحدود لإبقائه على سدة الحكم دون اعتبار لأي شرعية وطنية، فضلاً عن سحق اي مطالبة عادلة بأبسط الحقوق الانسانية؟ أم ابتدئ من تجربتي الشخصية المتواضعة قياساً الى تجربة باقي اطياف الشعب العراقي مع الدولة العراقية الى تاريخ 9 نيسان 2003، ثم تجربتهم مع المتطرفين من السنة – ويبدو انهم كثر – بعد سقوط رمزهم الطائفي؟.
ولكي استمر في سرد الاصطلاح بلا مزوقات لفظية فالسنة المقصودين في مقالي من هم على شاكلة ونمط ومذهب حارث الضاري، وعدنان الدليمي، والشيخ محجوب الفلاحي بجميع جيوشهم وكتائبهم الطائفية، اما الاستثناء فهم من قبيل الشيخ خالد الملا، والشهيد الشيخ فصال الكعود واتباعهم وهم قليل. ولكي لا اطيل اقول انني نشأت وترعرت بين السنة في بغداد حتى تطرفت في تسنني رغم انني من اسرة شيعية بالاصطلاح لا بالممارسة. فأصبح من عادتي منذ الصغر اتصفح وجوه العراقيين لتشخيص الشروكي منهم خصوصاً ممن لديهم وشم على الصدغين لكي اوقد الحقد عليهم وعلى مدنهم في نفسي والعن السبب في وجودهم في العراق، وحين اتعامل مع الآخرين احاول ان اتلمس اولاً طائفة الآخر عسى ان لا يكون ممن يلطمون على الحسين او يصلون على التربة حتى بلغ بي العمى الى ان احقد على علي بن ابي طالب عليه السلام لأنني اعتبرته المسؤول عن ايجاد هذا النمط من البشر. فلا يقولنّ صائب خليل ان هذا الامر يخصني كفرد فأنا انما كنت انضح عن مجتمع يغذي ابنائه من الصغر بهذه السموم فيعدمون فيهم البراءة والحميمية في التواصل مع المجتمع بمثل هذه المبادئ السقيمة.
الحالة الاولى: كنا اربعة عراقيين فقط في صف من صفوف اللغة الانكليزية ثاني الاربعة فيلي (وهو شقيقي الروحي) منتحل لقباً عربياً مخافة التسفير وثالث موصلي ورابع حديثي كان قد تخرج من ثانوية في اسكتلندا. انتهى بنا الحال كالتالي: الفيلي اختطفه الامن قبل التخرج بشهرين رغم احرازه أعلى الدرجات متفوقاً على كل اولاد الذوات في القسم، وانا بعده بسبعة اشهر غير انني تخرجت، الموصلي تم تنسيبه الى طيران الجيش ليحمل رتبة ملازم اول. وبينا كنت في زنزانة في الامن العامة القي الينا بحريدة الجمهورية كالعادة لاطالع خبر حصول الحديثي على شهادة الماستر في الترجمة من جامعة بغداد في ذروة الحرب العراقية-الايرانية اواخر عام 1986 حيث لا أمل لأي خريج بمواصلة دراسته العليا مع نهم الجبهات لوقود الحرب.
الحالية الثانية: في مديرية الامن العامة بعد استقدامنا من الشعبة الخامسة (استخبارات)، كان في الموقف اربعون سنياً متهمين بتنظيم الاخوان المسلمين يتزعمهم شخص سوري الجنسية وجلهم من ابناء مسؤولين في الدولة. هؤلاء كانت تصلهم حاجياتهم من بيوتهم دورياً وكل معه نسخته من القرآن الكريم، في وقت كان اهلونا لا يجرؤون حتى عن سؤال مركز شرطة الحي الذي نسكنه عنا. بعد الحكم علينا وانتقالنا الى قسم الاحكام الخاصة، تم تخفيض حكم الاعدام بحق اربعة منهم الى المؤبد بعد ايام معدودة فقط من صدور الحكم فالتحقوا بباقي المجموعة. بعد صدور عفو عام 1988، كانوا اول مجموعة يتم اطلاق سراحها في حين شرعت هيئة السلامة الوطنية بتشكيل لجنة لمراجعة قضايانا للبت في شمولها بالعفو من عدمه.
الحالة الثالثة: في موقف تابع لسجن رقم (1) (استخبارات) في قسم الاحكام الخفيفة يمر احد جلادي الموقف من اهالي ديالى العزيزة بين الزنازين ليشتمنا بالمذهب قائلاً "انعل ابوكم لابو الشيعة".
الحالة الرابعة: في الجيش وفي مركز تدريب مشاة الحلة يأتي مندوبون من الاستخبارات العسكرية لاختيار خريجي اللغات فيبدأ كبيرهم بالسؤال عن الاسم والعشيرة والمدينة ويفرز على ذلك الاساس بحيث سأل احد ابناء الموصل عن عشيرته فأجابه الجندي بأن لقبه "العغاقي" اي العراقي –بحكم اللهحة الموصلية- فرد عليه الضابط بتوتر طالباً منه اسم العشيرة واجاب الاخير بأنه لا يعرف اكثر من هذا اللقب فوبخه الضابط بالقول "انجب عاب هالشوارب" وبعد برهة رجع اليه واختاره. اما انا فلكي اعمل مترجماً في القوة الجوية، تمت مقابلتي من قبل نقيب فحين لم يستطع تمييزي بالاسم لأنه ليس فيه عبدالزهرة او عبدالعباس او عبدالحسين وما شابه، سألني عن عشيرتي واذ لم تسعفه معرفته بمكان عشيرتي وهو قضاء الحي سألني عن اسم امي وعشيرتها ومدينة ابيها، ثم ختم بالسؤال الاكبر "انت تصلي؟".
الحالة الرابعة: احد اخوتي الاكبر مني امضى اربعة اعوام في المخابرات العامة دون جريمة قبل ان يطلق سراحه.
الحالة الخامسة ولم تكن الاخيرة: انني غادرت البلد هارباً معرضاً مصير اسرتي الى هول يحيط بهم من كل جانب بحيث يتعذر علينا العودة لأن الارهابيين الذين كانوا في سلطة الامس اضحوا مجاهدي اليوم بحيث اتوا على كل ما بقي شاخصاً في البلد من ركام حروبهم "التاريخية".
الحالة السادسة: اعترافات الارهابيين الحالية المخزية على السن حمايات طارق الهاشمي وسواهم.
تجربتي هذه لا تعني شيئاً في قسوتها الى جانب تجارب خبرتها عن قرب في قسم الاحكام الخاصة (المغلق منه والمفتوح) او تلك التي خبرها باقي العراقيين اثناء وبعد انتفاضة 1991 وحملة بناء المقابر الجماعية وشعارات لا شيعة بعد اليوم ومجازر معسكر الرضوانية. فأعتقد ان الجواب اصبح متناولاً للسيد صائب خليل بأن هذا النمط من العقلية لا يرى الحكم امتيازاً وحسب بل يراه ضرورة من ضرورات البقاء.
ومن اجل قطع دابر هذه الثقافة التي تفتك بأصحابها قبل ان تفتك بضحاياهم، يجب ان نذكّر بأحداثها ونتذكرها دائماً ونعلن تفاصيلها ونعمل بجد باتجاه استئصالها لكونها جنون محض لا يمكن مواجهته الا بمنطق التطبيب وليس التفرج. ولكي نتفادى عواقب كارثية تهدد سمات الدولة الناشئة وفرص رفاه المجتمع، فيجب مواجهة جنون الارهاب وجبنه بحزم القانون والشجاعة في امضاء احكامه، والعدول عن سياسة العبث الرخاوة التي تنتهجها القوى السياسية الوطنية في الحكومة والممثلة لغالبية الشعب العراقي لأنها لن تجلب سوى مزيد من الهدر في الارواح والثروات. فلا تجوز مكافأة القاتل بمكاسب سياسية او امتيازات وظيفية، كما لا يجوز الانصياع لابتزاز قائم على الجريمة والتخريب.
واخيراً ثمة حقيقة سياسية عسكرية امنية فكرية تفيد بأن الارهاب العالمي منه والعراقي ينطلق من الكيان السني، واعود واذكر بأن الاستثناء منه معلن ومعروف عند تعارض الجبهات وتمايز الاصطفافات؛ وانما نقول ذلك لوضع اليد على العلة وليس بعيداً عنها حتى تبرأ. وعند ذلك نعرف كيف ننعم بحياتنا ونحتفظ بخصوصياتنا العقائدية ونحتفي بها ونحترمها لدى غيرنا. فالاختلاف واقع ازلي وارادة الهية وهي بعد ذلك مصدر للتفاعل والحيوية.