هل كان هناك زمن خير وثقافة ؟ في ذكرى جمال شبر الذي رحل عنا قبل الاوان
الأحد 5 فبراير / شباط 2012 - 18:21
د. باسم سيفي
معد ومحرر مجلة قضايا ستراتيجية
لا يمكن وصف واقع ما يشكل موضوعي بدون تدخل الذات لان الواصف لا يمكنه التجرد من قيمه وطريقة تفكيره وادواته المتمرس عليها لا يمكن ان تكون كاملة من كافة الجوانب. فما يطرحه اهل العلم الاكاديمي والاجتماعي ماهو الا رأي قد يقترب من الواقع او يبتعد وهذا ما نساه مع الاسف حتى اهل العلم انفسهم واصبح الادعاء بالموضوعية شائعا ويدعو الى التناحر في الصغيرة والكبيرة. لو استوعبنا هذه الحقيقة لارحنا الله والعباد من التعصب والتعنت وسوء القرار وهو ما استوعبه صديق العمر جمال شبر الذي رحل عنا على عجل والى رحمة الله في نهاية العام الماضي وحرمنا من عشرته الحوارية الجميلة فقد كان مكثر في الحوار ومقل في التقاطع. طيبته وعطائه جعلت منه صديقا صدوقا لاصدقائه واهله واولاده لا يقصر فيما يتمكن عليه ولا يتأفف ويتضايق عند المساعدة.
قليلون من بامكانهم اقامة علاقات جميلة ومتكافئة مع الزوجة والابنة والابناء وزوجاتهم مثل التي اقامها جمال فقد كان متفهما ومتساهلا ومساعدا فيما يحدث ولا يحدث! في تحضير المأكولات والطيبات كان مشاركا متحمسا اينما كان فقد كان استاذا في تتبيل المسكوف قبل اربعين عاما وفي الزلاطة والبورَك حتى وفاته. غادرت العراق عام 1971 وخلال اربع عقود استمر التواصل بيننا بالرسائل واللقاءات المتباعدة في بلدان المهجر فقد كان حريصا على العودة الى بغداده التي لم يهجرها عدا في الازمة الطائفية. كان يرسل لي في بلدان المهجر المتعددة من ما يعجبه من كتب بنكران ذات عجيب فقد كان رحمه الله وحتى وفاته يسعده ان يقرأ الآخرين ما يراه جيدا من المقالات والكتب ولا يهمه فقدان الكتاب وان كان يريد الاحتفاظ به. بعد عودتي الى بغداد قال فيصل صديقنا الثالث من جيل الستينات وبطيبة عندما رأى علاًكة الكتب والمجلات والمقالات المختارة التي جلبها جمال لنقرأها "لو مات جمال منو يجيبلنا مثل هذي الكتب والمقالات الحلوة !". كنت اتطلع لعشرته الجميلة لسنوات عديدة من خريف العمر لكنه رحل.
قبل حوالي شهر من وفاة جمال شبر عام 2011 كنا الثلاثة من شلة اصدقاء اواسط الستينات نتمشى او نتسكع قرب القصر العباسي والقشلة ودخلنا في حديث مع جنود شباب حراس في المنطقة حول الماضي والحاضر والحماسة والضجر والاهتمام واللامبالات وقال احدهم بما معناه وقد لاحظ اعمارنا وحبنا واهتمامنا بالحياة "عمي انتو من زمن الخير والثقافة واحنا لا اهتمام ولا امل". بين زمننا كشباب والحاضر تضاعف دخل الفرد العراقي وكثرت التقنيات المتوفرة ومع ذلك فزمننا اجمل واثرى، هل هذا ممكن ولماذا؟. شلتنا في الكاظمية وكان جمال محور اساسي فيها وكنا من الطبقة الوسطى كانت تنظم السفرات والمسكوف بين فترة واخرى ولم يكن ذلك يشكل عبأ مالي يذكر وكنا نذهب مشيا على الاقدام الى الاعظمية لمشاهدة فلم ونتعشى على الماشي بصمونة مع شيش كباب او بدونه. كنا نقرأ ونلهو ونتناقش ونهتم بقضايا شعبنا واحداث العالم.
احاور واراقب من شباب وشابات اليوم فلا ارى حماسة الشباب واتقاد العيون في امور الحياة الا قليلا فالقرائة العامة والاهتمام الثقافي والاجتماعي شبه معدوم حتى في وسط ابناء المثقفين والمتعلمين. دوامة من البيت الى الكلية او العمل دون بهجة ومتعة لا في الدراسة ولا في العمل والرغبة السائدة هي الهجرة وليست بناء المستقبل في العراق. ولكن هناك امل وقد بدأنا نراه في تواجد الشباب في شارع المتنبي والتجمعات الثقافية والسياسية التي يجب ان تشجع وتدعم من قبل المسؤولين والاباء لا ان تقمع ويستهزأ بها وما على المثقفين والسياسين الا كسر قوقعتهم وابدال النقد التسقيطي التشائمي بنقد بناء ومتفائل يحرز تغيرا وتقدما هنا وهناك وان كان بطيئا وصغيرا ولكنه يشحذ طاقات الشباب. في ما قاله الجندي الشاب كان جمال يقول بان عقود القهر والتجسس والخوف لا تترك اهتمام في النفس لأي موضوع والطائفية والاسلام السياسي المتحجرلا يترك امل في مستقبل زاخر ومتنوع ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا، فالله يساعد جيل شباب اليوم.
ونحن نعيش تجربة بناء العراق الديمقراطي التعددي لا يسعنا الا ان نفتقد محبي التعددية والحوار والحياة من امثال جمال شبر فنحن بحاجة الى الكثير منهم ونأمل من السياسيين والمثقفين وما تبقى من جيلنا والجيل الذي سبقنا الاهتمام بالاجيال القادمة وبمشاكل الشباب ومساعدتهم في نفض الخيبة واللامبالات والتشائم وتشجيعهم على تبني التفائل وبناء القدرات والمشاركة في الحياة العامة بأمل وحماس فهم مستقبل العراق.