قل يا ايها الكافرون ...
الأحد 5 فبراير / شباط 2012 - 18:35
هيثم الغريباوي
قبل يوم من ذكرى مولد سيد الخلق صلى الله عليه وآله، التقى الاعلامي كريم حمادي امير السلفية الجهادية الشيخ مهدي الصميدعي ضيفاً على برنامج "مقابلة خاصة" اذ سأل الشيخ من ضمن ما سأله عن تكفير المخالف من الاديان، فأجابه الشيخ اجابة ناجعة تنم عن حقيقة كونية لم يشأ المتحجرون من الاقرار بها اذ كان مفاد جواب الشيخ انهم كفار في شرعنا ونحن كفار في شرعهم، والحقيقة الباهرة هي ان كل الناس مؤمنين وكافرين في آن واحد. فالواحد منا مؤمن بما لديه وكافر بما لدى غيره.
فالكفر بالشيء انكاره والجحود به وكثيراً ما جاء في القرآن الكريم في معاني الذم الحادّ لغير المؤمنين بالله تعالى وارادته الجليلة، لكن هناك من رتب على الكفر حكم القتل بغير مصداق من سنّة معتبرة في سيرة نبي الاسلام صلى الله عليه وآله او غيره من الانبياء صلوات الله تعالى عليهم. والادلة على ذلك لا يضيق بها العد، فاسمحوا لي بسرد مقتطفات من تاريخ اؤلئك الانبياء.
فالنبي الاكرم صلى الله عليه وآله باعتباره اشجع الخلق لم يقتل اهل القطيف حين رموه بالحجارة وسبوه وسفهوه وكفرهم صريح، ولم يقتل فتية قريش وقد هموا بقتله ليلة هجرته الى المدينة رغم ان الله تعالى ضرب على ابصارهم فانسلّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بينهم دون ان يروه ولم ينل (ص) احداً منهم حتى بجراحة وهم كانوا اولى بالقتل اذا كان حكم الكفر القتل. هذا كان في بدايات الدعوة، وعندما فتح صلى الله عليه وآله مكة كان اهلها كفار صرحاء فأطلقهم ولم يذكر التاريخ انه استقدمهم لأداء الشهادة لله بالتوحيد وله بالرسالة. ومثل ذلك موسى (ع) حين هرب من جيش فرعون لم يكن لجبن منه حاشاه لكنه لم يؤمر بالقتال ولو أُمر لقاتل ليس لشجاعة وحسب ولكن نزولاً عن امر الله تعالى، ونفس الشيء يقال عن كل تجارب الرسل والانبياء عليهم السلام، ومختصر القول ان الانسان قيمة كبرى وهو خليفة الله تعالى في ارضه فهو هدف الرسالات الاسمى التي جاءت تحاججه وتستثير فكره وتتحدى سوء تسويغاته ليختار طريقها بإرادته، ولم يُبعث الرسل ليسوقوا الناس سوق البهائم قسراً الى حيث لا يشاؤون، بل جاؤوا من اجل اصلاح الانسان لتصلح الارض به، ولم يكن ابداً هدفاً للإبادة.
وبناء على المقدمة اعلاه رأيت ان ارد على الدكتور احمد عبدالغفور السامرائي في خطبته بمناسبة المولد الاغر حيث قال في المقطع الذي عرضته قناة العراقية ضمن نشرتها الاخبارية مخاطباً العراقيين "... احترمْ رمزي، واحترم رمزك.. والا فهي المصيبة..." ومراد الشيخ الاصلاحي من مقالته واضح، لكن هذه الدعوة – مع احترامي الكبير للشيخ – لا تقترح حلاً ولا تتضمن علاجاً، فهي دعوة لتعقيم الفكر وتكميم الافواه وقمع الكلمة مع علمنا بما تنطوي عليه ضمائر بعضنا تجاه كثير من الرموز. انا ضد هذه الدعوة بقوة ولكني لست ضد الشيخ بنفس القوة ولاسباب منها: ان لا احد يمتلك رمزاً خاصاً به يذود عنه، فرجالات التاريخ ومحركو الاحداث فيه ملك للبشرية التي تأثرت بشكل ما بفعل اؤلئك الرجال. ورجال التاريخ الاسلامي ملك لنا كلنا فهم الذين شكلوا حاضرنا وكذلك مستقبلنا واذ نختلف في تقويمهم وننقد تجربتهم من اجل خير حاضرنا الذي هو ليس بخير، لا يسوغ لأحد ان يمنحهم حصانة من المساءلة والجرح والتعديل. فلا يعني ان لا نتفق على تقويمهم ان نتقاسمهم ونقتتل عليهم. فاذا افترضنا انهم عظماء ومن اهل الخير والكرامة، فلن يضيرهم سوء اقوالنا وظنوننا بهم. وفي علي عليه السلام خير مثال على ذلك في حياته حيث كان يخطب في الناس فمرت بهم امرأة جميلة، فرمقها القوم وتشاغلوا عنه فقال عليه السلام: "ان ابصار هذه الفحول طوامح وذلك بسبب هبابها، فاذا نظر احدكم الى امرأة جميلة، فليلامس اهله فإنما هي امرأة كامرأة" فرد احد الخوارج بالقول "قاتله الله كافراً ما افقهه" فهبّ القوم ليقتلوه فنهاهم عليه السلام بالقول "انما هو سبّ بسبّ او عفو عن ذنب"، كما اجّل امر قاتله ابن ملجم ليقضي فيه اذا ما نجا من ضربته، وكان يُتوقع ان يعفو عنه لو بقي عليه السلام حياً.
فعلي عليه السلام قُتل وبه قُتل اولاده وذراريهم من بعدهم وسُنّ سبّه على المنابر لأربعين عاماً، ولم يكلّف احداً بالدفاع عنه بل قال: "اذا امروكم بسبّي فسبّوني فإنه لي زكاة ولكم نجاة، ولكن لا تتبرؤوا مني، فإني وُلدت على الفطرة وسبقتُ الى الإيمان والهجرة". والى يومنا هذا هناك من يعبد علياً وهناك من يفضل عليه معاوية تحت قاعدة "الفاضل والمفضول" سيئة الصيت، واليوم هناك من يؤمّ الحسين عليه السلام مشياً الى مرقده، وآخر يصرح بأنه لو كان في جيش ابن سعد لما تردد بقتل الحسين نزولاً عند شرع جده، وهناك من يرى صدام دكتاتوراً هالكاً، وآخرون يعدونه بطلاً شهيداً ويتبركون بقبره ويحيون ذكرى اعدامه، وكثير مما يختلف فيه الناس على تلك الشاكلة.
ما اود قوله ان مطلب الشيخ السامرائي لا يحل مشكلة قدر ما يعقدها ومعارضة للارادة الالهية من الاتعاظ من تجارب الامم والافراد، فقاعدة احترام الرموز التي يدعو اليها تحتم علينا ان نحترم هتلر وموسليني ومائير وتشاتشيسكو ويلودفيتش وستالين وابرهة الحبشي وجنكيز خان وآلاف غيرهم ممن لهم اتباع ينزعجون لنقدهم او المساس بشخوصهم، بل العكس هو الصحيح حيث تحيا الدعوة الى الحوار لتشحذ الذهن وتربي الاحساس بالعدل والحق والمنطق السليم والاعتداد بالذات واستنكار التعصب الاعمى.
فللشيخ السامرائي عليّ ان احترمه واصون حريته وانسانيته، ولكن ليس له عليّ ان يفرض علي احترام رموز له لم تنجح في تلبية منظومة القيم التي ارجوها في الشخص الذي اعتبره مثالياً. فلذلك لن يستطيع احد ان يكمم الافواه حتى يتمكن من ان يحرق صفحات من تاريخنا تصرخ بالوقائع البائسة وينسف رمادها،، وقائع ظلت تتكرر رغم بشاعتها واذاها، فآن لنا الآن ان نصنع حاضراً يليق بأنسانيتنا ومستقبلاً يحمي ابناءنا ونثبت لاسلافنا بأننا احسن صنعاً منهم وافضل لأبنائنا منهم لنا.