الدولة المدنية وحكم السجن على عادل إمام..
    الأربعاء 15 فبراير / شباط 2012 - 09:32
    د. عزيز الحاج
    في ديسمبر المنصرم كتبت مقالا بعنوان " من يفهم ما يجري في مصر الغالية؟!"
    أما اليوم فيمكن القول إن ما يجري فوضى عامة في الشارع، وفريق من الساسة الذين  يدغدغون  مشاعره لحسابات سياسية، وإسلاميون هم وحدهم الرابحون، ومجلس عسكري يتخبط في سياسته الداخلية والخارجية..

    في الشارع خليط، ما بين شبان يساريين متطرفين مندفعين، وبين هواة للتظاهر لحد الهوس والاحتراف، وبين من يشاركون  في التظاهر بلا هدف ولا غاية، أو ربما للتنفيس عن المكبوت من المشاعر، ولكنهم جميعا ماضون بوعي وبغيره نحو نسف كل شيء، والأول نسف الدولة نفسها. فما يجري اليوم من اشتباكات دموية يومية وهجمات على وزارات لا علاقة لها بأهداف الأيام الأولى لانتفاضة الشباب.

    هذا الدوامة من الحراك الصاخب والعنيف كانت تجري تباعا أسبوعا بعد أسبوع وشهرا بعد شهر بينما استطاع الإخوان والسلفيون الهيمنة على البرلمان والمجتمع، وهم في طريقهم لتشكيل الحكومة " المدنية". وعندما ينادي الشارع اليوم بإسقاط المجلس العسكري [القادر وحده على حماية الأمنين الداخلي والخارجي غي هذه المرحلة] ونقل السلطة فورا لل"مدنيين"، وقفزا على المرحلة الانتقالية، فلا يعني ذلك غير تسليمها حالا للإسلاميين. وهذا ناهيكم عما تسببه هذه الفوضى العامة من مزيد من دمار الاقتصاد والبطالة وتشجيع عصابات الجريمة المنظمة التي تنشط وتقترف الجرائم يوميا وباستمرار.

    ما حدث في ملعب بورسعيد نُسب فجأة وبلا أوليات تحقيق لمؤامرة ما، أجنبية أو مؤامرة "فلول"، وهذا ما روجت له وسائل الإعلام المصرية، وحتى صحف عربية كجريدة الحياة. وقد نسي  دعاة نظرية المؤامرة هذه أنه سبق لهواة الكرة المصرية أن دخلوا في معارك طاحنة مع القريق الجزائري وأتلفوا العلم الجزائري، وأدى الصدام لجفاء وتوتر على مستوى الحكومتين عهد ذاك.

    إن المؤامرة الحقيقية هي في العقليات، وفي الثقافة  والممارسات السائدة بين شرائح واسعة من الجماهير والنخب. وكما كتبت مرارا، فإن حلم الديمقراطية العربية سيظل مجرد حلم لأمد بعيد لأن الشارع العربي ومعظم نخبه يحملون هذه العقليات والقيم والثقافة المتخلفة والإقصائية، والتي لا تعرف الحوار مع الآخر، والاعتراف بالخطأ، بل هي المكابرة والغرور الذاتي ونزعات العنف.

    المجلس العسكري ليس بريئا مما وصلت إليه أحوال مصر اليوم، ولاسيما بالتساهل الأمني، ومغازلة الشارع، والترويج المستمر لنظرية المؤامرة- كما نرى اليوم أيضا في ملاحقة المنظمات غير الحكومية الداعية للديمقراطية.

    الكل يتحدث عن [الدولة المدنية] كهدف إستراتيجي. ولكن ما معنى مدنية الدولة إن كان المثقفون يحاكمون على حرية التعبير، كما يحدث الآن مع الفنان الكبير عادل إمام بحجة أنه سبق وأنتج أفلاما يعتبرها محام إسلامي مغمور مسيئة للدين، بينما كانت تفضح النفاق باسم الدين والمتاجرين باسمه. وهذا حدث في تونس " الثورة" أيضا قبل فترة قصيرة بمحاكمة مدير قناة خاصة لكونها كانت قد بثت قبل شهور فيلما إيرانيا اعتبره المتطرفون إساءة للدين.

    في أخبار اليوم أن الإخوان المصريين يفاوضون السلفيين لكي يقبلوا عبارة " الدولة المدنية"، وكأنما العبارات هي المهمة وليس الفهم والتفسير والتطبيق. فعن أية مدنية دولة نتحدث حين يلاحق الناس في حرية الرأي والإبداع والتعبير؟ هل مدنية الدولة مجرد السماح بالتظاهر [ هذا إذا أبقوا على هذا الحق نفسه مستقبلا، وفقا لمشورة إمام الأصوليين القرضاوي الذي نصح  بالتدرج ومراعاة التوقيت!!]، بينما تلاحق النساء بسبب الملبس وتسلب حقوقها، ويلاحق الفنان والكاتب والشاعر والموسيقار باسم الدين، ويشعر غير المسلمين بالتهميش والتمييز؟

    إن مدنية الدولة تعني ديمقراطيتها وعلمانيتها، وهي لا تتقرر بملبس الحاكم [ورباط عنقه إن كان يلبسه] وبشعاراته المعلنة في الانتخابات، بل بالدستور الديمقراطي وبالتنفيذ والممارسة. ولدينا- ولله الحمد - حكام "مدنيون" لا عسكريون في معظم الدول العربية، ولكن كم منهم يتزعمون أنظمة حكم ديمقراطية تحترم الحريات العامة والخاصة؟! وما معنى الدولة المدنية إن كان الحجاب يفرض فرضا، والموسيقى والنحت والرسم من المحرمات، وإن كان الذي احترف بيع الخمرة، أبا عن جد  وجيلا بعد جيل، مطاردا ومقتولا، وإن كان المسيحيون مهمشين وفي خطر دائم، كما حدث ويحدث في عراق اليوم على سبيل المثال؟ وأي فرق بين بشار الأسد المدني وبين البشير العسكري، المتهم بجرائم ضد الإنسانية والمطلوب للعدالة الدولية؟؟

    ما يجري في مصر العزيزة مقلق جدا على الصعيد الداخلي، كما إقليميا ودوليا. والمجلس العسكري قد اقترف أخطاء كبرى ومتلاحقة وخصوصا بتلاقيه الصارخ مع الإخوان وبتساهله الأمني وبتبديله الحكومات الانتقالية حسب أهواء الشارع. وأما الإعلام المصري فإنه يلعب  دورا سلبيا في التحريض ونشر الشائعات، باستثناء أصوات ومنابر قليلة ظلت أمينة لرسالة الصحافة ولمصالح الوطن.     

    نعم، الحرية لا تتجزأ، و لا فصل بين مدنية الدولة وديمقراطيتها وعلمانيتها. والديمقراطية المدنية لا تعني مجرد انتخابات.

    الإسلاميون غي مصر وبقية دول الانتفاضات العربية لم ينتظروا كثيرا، فها هم يريدون الإجهاز على السينما الانتقادية. ومنهم من راحوا يهاجمون نجيب محفوظ، وحيثما كانت هناك كوتا انتخابية للنساء فقد أزيلت، وليبيا ألغت المنجز الوحيد للقذافي فيما يخص حقوق المرأة وعادت لأحكام الشريعة. أما القادمات، فقد تكون أمر وأدهى لو سارت الأمور على النحو الجاري.

          - كانون الثاني- 2012

    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media