وكان الولاء للماء.. (فصل من رواية)
    الأربعاء 15 فبراير / شباط 2012 - 22:29
    أحمد ختاوي/الجزائر
    تكدّسَ  بنفسج السماء فوق  ظنوني وهذياني .
    ما كنتُ أقوى لأزيحه ، أو ألطم وجهي  ندما أو حسرة ، أو  أدبّج فقرات مسار حياتيّ ظلت عالقة بدفتر مذكراتي وذاكرتي.
    خصلتها تحمل  كل فأل " السماء " والنماء والعطاء . ما كنتُ  أشك يوما أن سمرتي  ستذوب يوما في تفاصيل أيامها ، أو أن   يسمع صدى آذان  المدائن  بمشارف سيدي بوزيد التونسية ، أو أن تشهر إسلامها  من هناك. ، أو أنني سأنكب  على قراءة روائع الأديب البرازيلي " باولو كوولو "  أو أن أسترق فصول الكاتب الفرنسي "جول رونار" وهو يعبر  أجزاء من مدينتي " المشرية "، وتحط أخيلته ورؤاه  بالجبل الأشم " عنتر ".
    صببتُ هذياني  في قدح من أمل وآخر من ندم ..
    كانت الغلبة للبكم  الذي أصابني حيث تفتقت  أخاديد  السماء ، فعدلتُ عن هذا الطرح .. وهذا التوجس.
    صديقي "بان " يؤازرني ، يسبح معي في كأس مترعة  من اليأس و الأمل ، لكنه يساعدني ، وغالبا ما يسيّج  هذياني ، يرشقه بالملح طمعا في الفأل.
    السماء تغرق في نسج خيوط جدائلها .
    والأرض يتصاعد منها  البخار والدمار .
    قالت السماء / أنا لستُ مسؤولة على ذلك .فيما تقدمتُ مرة لخطبتها ، لكنني تريث ُ، حيث قال صديقي" بان ": تريثْ
    سرعان ما نطقت السماء : تريثْ.
    أصابني ذهول عارم ، حيث شاهدتُ شجارا حادا بين السماء  والأرض والماء  لحظتئذ .
    قالت الأرض للسماء :أنتِ أم المصائب ، تمطرينا  بالقنابل  وتزيحين غيضك  بسناء القناديل لم ترد السماء ، تفتقت أخاديدها. لم يشفع لي فضولي الزائد  وأنا أشاهد  هذا الفصل المقتضب  من الشجار ، كمسرحية من مشهد واحد . ثم من خوّل لي  الفضول لتمطرني السماء غيضا .
    قلتُ في أعقاب فضولي الزائد جملة مبهمة ، لم أدرك معناها ، إلا بعدا تدحرج وجه السماء
    ليصحح ما صدر مني ...
    استوت السماء  فوق السماء .. واندثرت  الأرض  وبعض حضاراتها ، لم أكن أعلم  أن الأرض تندثر " غسقا" عندما تستوي السماء .
    هذيان أصابني ردها من الزمن ، لا أعرف إن  كان من  إرهاصات قراءاتي المتراكمة  لكتب  الفلسفة  التي  ألتهمها ، أم  لاحترافي المسرح ، وعشقي المفرط أيضا لتنظير الأديب   الناقد المصري عزالدين إسماعيل  الذي غالبا  ما بغوص في أعماق  نفسيات  أبطال النصوص  التي   يروضها .
    لم يضعني الدهر مع ذلك لقمة سائغة  في جيبه ، ولا تفاصيل أيامها التي أسكنها .
    لستُ أدري .
    الأرض ما تزال  تصدّر الحروب .. والسماء لا تمانع ..
    اختليتُ  مرة بالسماء ..أغازلها .قالت /  صفائي ثم صفائي  وخصلتي ناصية انتمائي ..
    وأرضكم  أرضكم : الإحسان  الإحسان ، الإحسان  إلى يوم الدين . قالتها ثلاث مرات  وزفرتْ.
    اللقمة توشك أن تكون سائغة في يدي ..
    قلت مذعورا/ بطش السماء  ولا رياء الأرض ..
    لا يؤوب الظن في هذياني  إلا حين  يطارده صديقي " بان "
    صديقي " بان "  يحبذ أن يطلق علي اسم " منذر " فيما أحبذ " أبدال" .
    ****              *******
    اسفك ْ دمعي  في دمي  أو  العكس .واسترح ْ.
    ووشّح أديم الأرض بغبار مسائها ، ..أو بطيف أسوارها .
    قف حيث أنت ، قال " بان " ثم واصل يقول /  أنت الذي قلت َ بطش السماء  ولا رياء الأرض "
    أنا نعم ، أعذرني صديقي " بان " .. وتوسّدَ خصلة قطته الفارسية المدللة  ونام ...
    استيقظ ْ ، قال "بان " مرة ثانية ، لا تماطل ، " أخرج لي من سدرة " ، بمعنى  صارحني ،  أليست ْ هذه العبارة  التي  تستعملها كثيرا وتفضلها؟.
    إيقاع السماء كما ايقاع الأرض تماما ... لا تماطل  " أخرج من سدرة .
    لم تقل السماء أشياءها بعد .
    للأرض جسد  وللسماء أيضا جسد ...
    وجسد باريس يقبع هو الآخر في منحنياتها ..هي هناك بين دفتي باريس  وبين أضلعك  تماما كما حواء ...( أخرج من سدرة )
    أولئك الذين حاولوا أن يقمطوها أفلوا...والذين حاولوا الإطاحة بها أيضا  عدلوا عن فكرتهم ..أعلم  فقط أن السماء  لن تأسرك ..فقط باريس  هي التي ستأسرك .. ربما تولوز  أو منتجات "كان "  أو مرتفعات أخرى بفرنسا ...
    عويل الأرض ، وعويل سيدي بوزيد بتونس يصل شرخا في ذاكرتك ، يجب أن تعلم هذا ..
    هرولتْ باريس  مرة ، فمسكتها من قميصها  كما زوليخا ، لكنها لم تدخلك – باريس – سجونها -  أحسنتْ مثواك باريس ، فأمطرتك  بعنفوان شبابها ....هي ذي باريس  تلجمك وتؤسرك..( أخرج من  سدرة )  صارحني ..
    تلبدت باريس بمعانيها ،  فصنعت أقحوانا ..افترشتموه ..
    صهيل باريس  يسكن  فصولها ، وفصولك لترتويان  بأيامكما الظمأى..( أخرج من سدرة )
    أسكب نواحك  بأزقة باريس، لتتودد لك باريس ، أم  باريس  هي التي تتودد؟ ( أخرج من سدرة )
    أطرق باريس بابا بابا  ليخفت هذيانك ..
    وهي تطرق المشرية  بابا بابا  ليتحطم رماد خصلتها  فوق قمة  لالة مغنية  بجبل عنتر الأشم..
    التحفْ باريس ، لتلتحف هي المشرية
    قمة جبل عنتر تنزف ضبابها وباريس تمسح دمع مآقيها ..
    باريس تكبدتْ دمع مآقيها ، وجبل عنتر تضوّع بعبير الشيح
    من يسكن  مخيلتك  " دمع مآقي باريس  أم عبير  الشيح  بجبل عنتر .. ؟ ما زلتُ أناشدك  أن تخرج من سدرة . استيقظْ...
    عبرتْ هذه الفصول  مداركه .. انتعشت  في أوصاله الرعشة الخامدة  كبركان ميت ، حي ، في لوعته  سريان  مجار  لم تخفت ولم تقل كلمتها بعد .. لأن للقطة الفارسية المدللة رأيها .
    قطة فارسية لا تنام إلا بقربه  ولا تأكل إلا من يديه ..
    استفاق  ( أبدال )  على وقع هذه الفصول .. غمغم .غمغم  ثم نام ثانية
    أضرمت باريس النار في  خلده  فانتشى .. كان الوقت أصيلا ..
    هي ذي باريس التي لم تجفف شعرها بعد ، خرجت لتوها من الحمام .. صعقته ...في محاولة أخرى لينام .. بعد ما نام ..  ونام ..رشقته ببرقية  قصيرة عبر الشبكة العنكبوتية ..هذا نصها :
    "باريس ترضع مصاصتها كل صباح من المشرية ، والمشرية أيضا "
    اخترقتْ وجدانه  هذه العبارة فصاح :
    أأنت بجانبي هنا يا أحمد ،  أم أنت " بان "
    أنا الماء  وأقراطه ..وولاءه..
    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media