سالم حزبنا !
الخميس 16 فبراير / شباط 2012 - 17:08
علي شايع
ليس عنوان المقال شعاراً حزبياً أو مقطعاً لنشيد؛ طالما تنافست عليه الأحزاب العراقية، في ما سجلته لنفسها من تاريخ نضال ومواجهة، لكن سالم رجل من أهل مدينة الدغارة، كان يأكل مثل الناس، ويمشي في الأسواق، وله حكاية فريدة؛ تسجل لتاريخ فتى من قرى الجنوب، ثابر شاباً ليصبح مفوض شرطة ينظم المرور ببغداد الستينيات، حتى تقاعد، عائداً لمجالس العشيرة، ينظّم فيها شؤوناً إدارية تتعلق بالتعاملات مع الدولة، فثمة من يعترض على قناة للسقي قيد الإنشاء، وآخرون يعترضون على مبازل تقطع أراضيهم، فيجدون من يسعى متطوعاً للركض بين دوائر دولة كان له فيها إداريون يعرفونه ويعرفهم، ويتوسّط بينهم لإنجاز خدمات متنوعة، كان أهم شيء بينها مؤجل على الدوام؛ ذلك الطريق الترابي الذي لم تبق من حيلة لتعبيده بالاسفلت إلا وسعى إليها (سالم)، لكن دون جدوى، حتى إن محافظ الديوانية في منتصف التسعينيات وافق على مقابلته حاملاً رزمة أوراق ووثائق ومستندات وخرائط وصحف طرحها بين يدي المسؤول الكبير، ليتلقى الشيخ الجليل بعد دقائق صراخاً من شخص يلوح قرب وجهه بالمسدس قائلاً: ويحك أيها العجوز الخرف أتريد أن تقنعني إن طريق (منطقة الهلالات) لم يعبّد إلى الآن، وهذه جريدة الحزب و(الثورة) تزف الخبر والبشرى منذ سنة عن إنجازه وإتمام!.
قال سالم: يا سيدي.. هذا ليس صحيحاً..لم تكن سوى أمتار من (السبيس الأسود) في بداية الطريق.. فقاطعه المحافظ وهو يأمر الزبانية بإخراجه حاسر الرأس بعد أن القوا عقاله ويشماغه المختلط بدموع الأسى.
في 2004 جالستُ الجد سالم في مجلس مهيب وهو يلوح أمام الحضور بصحيفة جديدة غير تلك الجريدة القديمة البائسة، قال بفرح منذ اليوم عليكم أن تتيقنوا إن التغيير حصل في العراق، وإن كل شيء سيكون مثلما تريدون، في هذه الجريدة يوجد نقد للحكومة الجديدة وشكوى بخصوص الطريق الإسفلتي، وسترون.
وبقي على هذا الحال؛ كلما سخروا من رزمة أوراقه وتجواله عليلاً يكابد الأمراض، قال لهم: لا تيأسوا ... يوم أمس هاتفني أخي قائلاً: لك وصية ميت يا أخي، ونشج عميقاً بالدمع وهو ينعى إلي ذلك الجد المهيب، قال كانت وصيته أن يجد من يحمل عنه هم ذلك الطريق الباقي في الحلم، لعلّ أطفال تلك القرية لا يضطرّون للمشي حفاة في الطين العميق، ولعلّ المرضى يجدون من يسعفهم سريعا نحو مستشفى قريب.
ورغم اليأس من النتائج سلفاً، لكن الناس كانت تستبشر برجل ينفق من ماله سعياً لخدمة الآخرين بلا مقابل، حتى كان الناس يرون فيه حزبهم، وهو زاهد حتى بهذه الهيبة، وها هو يرحل تاركاً حزمة أوراق تمتد إلى بداية سبعينيات القرن الماضي مر عليها الزمن بالمحو والجحود.