خصوصية التدخل العسكري الخارجي في سوريا
    الجمعة 17 فبراير / شباط 2012 - 21:36
    عبد الغني علي يحيى
    في الأونة الأخيرة، كثير الحديث عن تورط مسلح لعدد من الأطراف الخارجية في الأحداث السورية  الراهنة، وردت تسميتها (الاطراف) في مقال للكاتب السياسي المعروف : عبدالرحمن الراشد وكالاتي: ايران والعراق وحزب الله والقاعدة، علماً ان الأخبار ومن مصادر متباينة تجمع على تدخل مسلح في الشأن السوري، ومنها ان ايران ارسلت 15000 عنصر من فيلق القدس الى سوريا، كما قام التيار الصدري في العراق بضخ مقاتلية من جيش المهدي اليها، دع جانباً شحنات الاسلحةالروسية ..الخ ، وقبل هذه الأنباء باسابيع لم يكن نبأ وصول (100) حافلة تقل جنودا عراقيين وافراد من ميليشيات على الارجح انها موالية للتيار الصدري، ومن دون جواز سفر طبعا الى سوريا لحماية نظام بشار الاسد مفاجأة للمتتبعين لاخر التطورات في العلاقات العراقية السورية التي بدأت منذ اواسط اذار الماضي تتعزز بتعزز وتعمق الاصطفاف الطائفي في المنطقة، رغم احاطة ذلك الوصول بالسرية وعدم الاعلان عنه رسميا من جانب بغداد الى الان. وواضح ان  الهدف المتوخاة من وراء ذلك هو دعم النظام السوري العلوي بوجه المعارضة  السورية ذات الغالبية السنية، وقبل ذلك النبأ قالت مصادر على ضيقها ان مقا تلين من (جيش المهدي) الجناح العسكري للتيار الصدري يقاتلون الى جانب قوات الاسد ضد الثوار السوريين وأكد  مواطنون عراقيون من محافظة الانبار العراقية التي تحادد سوريا على ضلوع جيش المهدي في القتال الدائر بسوريا لوكالة السومرية نيوز العراقية. عليه والحالة هذه لا يستبعد ان يكون هناك مسلحون للحرس الثوري الايراني او خبراء ايرانيون وافراد من حزب الله اللبناني يشاركون العراقيين في التصدي للثورة السورية. كما لا يشكل عدم الاعلان ذاك سابقة في تاريخ التدخلات العسكرية الدولية، فبعد انقلاب 8 شباط عام 1963 البعثي في العراق، ارسلت الحكومة البعثية السورية قوات لها لمساندة البعث العراقي كما اسفلنا ضد الثورة الكردية، وبعد سقوط حكومة البعث العراقي في تشرين الثاني من العام نفسه على يد عسكريين موالين الى حد ما الى التيار الناصري، ارسل الرئيس المصري جمال عبدالناصر سرا قوات عسكرية الى العراق لتكون عونا لحكومة عبدالسلام محمد عارف، والتي تمركزت في معسكر تاجي ببغداد الا انه لاسباب عدة، منها عدم اغضاب الكرد الذي كانوا على علاقة حسنة بعبدالناصر من جهة، ومن جهة اخرى خشية من الاحتكاك بايران، الذي لم يكن يحمد عقباه. سرعان ما غادر الجنود المصريون العراق علما ان كلا التدخلين بقيا بعيدين عن متناول التغطية الاعلامية التقليدية لاسباب لامحل لذكرها. وهناك اكثر من مثال على مشاركة قوات دولة ما في القتال داخل اراضي دولة اخرى اما نزولا عند طلب من الاخيرة او لمعا رضيها او رغما عنهما، فسوريا مثلا مارست التدخل العسكري خارج حدودها مرة في عام 1963 لنصرة البعث العراقي كما اسلفنا ومرة  في العام 1975 عندما اجتاح جيشها لبنان، الطريف ان الدائرة دارت على سوريا اليوم واذا بها تتحول الى ميدان لقتال جيوش وميليشيات على ارضها، علما ان الهزيمة حالفتها في العراق عام 1963 وفيما بعد في لبنان كذلك عندما اجبرت على سحب قواتها منها.
    جدير بالذكر، ان الدول العربية، هي الاكثر من بين دول العالم، بعد القوتين العظميين : امريكا والاتحاد السوفيتي السابق، في مجال التعاطي مع التدخلات العسكرية من حيث ارسا ل جيوشها الى خارج اوطانها لمقاتلة الغير اوترحيبها بجيوش من خارج اوطانها، ففي اواخر الستينيات من القرن الماضي وصل الالاف من افراد الجيش الشاهنشاهي الايراني الى سلطنة (عمان) بناء على طلب من سلطان عمان لمقاتلة القوات ذات النزعة الشيوعية في اقليم ظفار والتي كانت مدعومة من اليمن الجنوبي السابق. ولقد تمكنت القوات الشاهنشاهية والعمانية من القضاء على ثوار ظفار.
    لم تكن استعانة (عمان) بالايرانيين وليس بالدول العربية عملا عربيا فريدا من نوعه، دولة عربية تستعين بأيران وليس بالدول العربية اذ سبق وان استقدم (سيف بن ذي يزن) قبل قرون الجيش الفارسي لحماية امارته من قبائل عربية.وبقي ذلك الجيش ما يقارب ال 7 سنوات في تلك الامارة.
    والامثلة تترى على التعاطي العربي مع التدخلات العسكرية سواء في المطالبة بالتدخلات او القيام بارسال قوات عربية الى خارج حدود بلدانها. ففي الستينيات من القرن المنصرم، وصل اليمن جنود مصريون للقتال الى جانب قوات الرئيس (عبدلله السلال) ضد قوات الامام بدر بن يحيى. وفي الربع الاخير من القرن عينه، وبناء على مناشدة من الرئيس الزائيري (موبوتو) ، بعث الملك المغربي حسن الثاني بقوات له الى زائير  = الكنغو الديموقراطية الحالية لاخماد ثورة شعب اقليم شابا والدفاع عن نظام (موبوتو) الذي انهار هو ونظامه فيما بعد. وهكذا نجد ان جميع التدخلات العسكرية العربية لم تكن عادلة بدليل فشل جميعها في تحقيق اهدافها، لانها رمت الى صيانة نظم ديكتاتورية وحكام طغاة وضد شعوب مغلوبة على امرها.
    عدا دول عربية، فان الدولتين العظميين امريكا والاتحاد السوفيتي السابق كانا من اكثر الدول اقحاما لجيوشهما في حروب خارج حدودهما، ففي عام 1956 اقتحم الجيش السوفيتي، (هنغاريا) وقمع ثورة شعبها الرافض للاحتلال السوفيتي والنظام الشيوعي المفروض عليه (على الشعب الهنغاري) ، وفي عام 1968 دخل ذلك الجيش جيكوسلوفاكيا وقمع مطالبة الشعب الجيكوسلوفاكي بالحرية، وفي ثمانينيات القرن الماضي، اجتاحت الجيوش السوفيتية افغانستان لاسناد الحكومة الشيوعية الموالية للسوفيت. وبعد سنوات توجت التدخلات العسكرية السوفيتية في افغانستان بالانسحاب وكذلك في اوروبا الشرقية التي انهارت فيها النظم الشيوعية كافة وانهار حلفها العسكري (وارشو) .
    جراء صراع القطبين في القرن الماضي وتدخلاتهما العسكرية لاجل حماية النظم الدكتاتورية الموالية لهما، لاننسى ان القطب الاعظم الاخر (امريكا) تورط بدوره في اكثر من تدخل عسكري، مباشر وغير مباشر، ففي عام 1962 ان لم تخني الذاكرة، تدخلت امريكا في الشان الكوبي عبر معارضين كوبيين فكانت واقعة خليج الخنازير وفيها منيت امريكا بهزيمة نكراء وفي عام 1975 تعرضت الى نكسة اخرى في اقطار الهند الصينية : فيتنام الجنوبية، كمبوديا، لاوس، وفي ثمانينيات القرن الماضي تدخلت عسكريا في (كرينادا) بأمريكا الوسطى واجبرت الضباط اليسارين الانقلابيين على التنحي عن سلطة  الانقلاب وللحيلولة دون ظهور (كوبا) ثانية في تلك المنطقة.
    مما تقدم يتبين، ان التدخلات العكسرية في القرن العشرين جاءت في معظمها لاسناد الدكتاتوريات ضد الشعوب، سواء التي ما رستها دول عربية او القطبان المنوه عنهما، لذا باءت اي التدخلات العسكرية تلك في معظمها بالفشل. دع جانبا عدم ارتياح الشعوب من خوض جيوشها حروبا خارج اوطانها. وامل ان لا يفهم من كلامي هذا، ان كل تدخل عسكري دولي مدان او مرفوض، فثمة تداخلاتا عسكرية تثمن وتمجد،كالتدخل العسكري الهندي في باكستان الشرقية (بنغلاديش الحالية) عام 1972 الذي انقذ البنغلاديشيين من ظلم وطغيان حكام (باكستان الغربية) اي (باكستان الحالية) . ومن التدخلات العسكرية الايجابية، التدخل العسكري الفيتنامي في كمبوديا، وذلك في ثمانينيات القرن الفائت الذي ازال حكم (بول بوت) الكابوسي الرهيب، والقول نفسه ينسحب على التحالف الدولي الذي ضم نحو (30) دولة عام 1991 لاجبار القوات العراقية على مغادرة الكويت واعادة الحرية والاستقلال الى شعبها. لقد ادى ذلك التدخل الى تدخل اخر. ايجابي ايضا، الا وهو اقدام ذلك التحالف على حماية شعب كردستان من القوات العراقية الصدامية وفرض منطقة حظر جوي على الجزء الاكبر من كردستان العراق، والذي نجم عته قيام نظام ديموقراطي في كردستان العراقية وحركة عمرانية عظيمة، وبعد سنوات على تحرير الكويت من النظام العراقي  وبطلب من المعارضة العراقية اسقط ذلك النظام عام 2003 وذلك بفضل التدخل العسكري الخارجي.
    نخلص لمامر، ان التدخلات العسكرية في ظل نظام القطب الواحد، اتت في معظمها ان لم نقل في جميعها لصالح الشعوب المضطهدة، فالتدخل العسكري للناتو في البلقان، انصف المسلمين بتاسيس دولة لهم، كما ساعد على تثبيت الاستقلال لشعوب (كرواتيا) و (مقدونيا) ايضا، ويقدر عاليا قيام الاتحاد الافريقي بارسا له لقوات اممية افريقية الى الصومال لمنع وصول حركة المجاهدين  الشباب الى الحكم. وقبله توجه (الناتو) الى افغانستان عام 2001 والذي اسفرعن ازاحة (طاليبان) عن الحكم، ثم ان العرب في (ربيعهم العربي) عين على التدخل العسكري الخارجي لأجل تحقيق الانتصار لثوراتهم. ويبدو ان االتدخل العسكري الدولي اوالخارجي  ضروري وشرط للتغيير سيما في عصرنا هذا ولقد كان الليبيون على حق يوم طلبوا العون من (الناتو) والجامعة العربية لقلب نظام القذافي، ويتطلع السوريون منذ فترة الىى تدخل عسكري خارجي لينهي معاناتهم من جور نظام الاسد ان مايميز التدخل العسكري في سوريا حالياً عن تدخلات عسكرية دولية سابقة  هو انه غير معلن الى الأن، اضف الى ذلك ان اكثر من  طرف يمارس التدخل فيها دولي (ايران،العراق،روسيا) وعلى صعيد المنظمات  (حزب الله، القاعدة)، والذي في معظمه(التدخل الحالي) يصب في صالح النظام السوري
    في الختام، ان التدخل العسكري العراقي الايراني وتدخلات حزب الله والقاعدة والدعم العسكري الروسي  لنظام الأسد غير المعلن في سوريا سيواجه المصير نفسه للتدخلات العسكرية لدول عربية والقطبيين المذكورين في القرن الماضي، وان غدا لناظره قريب.


    •    رئيس تحرير صحيفة راية الموصل- العراق
    •    Al_botani2008@yahoo.com
     
    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media