الإعلام العربي.. أين هو من الجماهير؟!..
السبت 18 فبراير / شباط 2012 - 21:21
سليم البصون
في الرسالة التي وجهها الرئيس العراقي احمد حسن البكر الى الاجتماع الأول للمنظمات والاتحادات الصحفية لدول عدم الانحياز الذي عقد في بغداد ، وتلاها عنه وزير الإعلام سعد قاسم حمودي ، قال الرئيس العراقي ان الإعلام لم يعد مسؤولية الأنظمة وإنما أصبح حقا للجماهير تعبر من خلاله عن أمانيها وطموحاتها وتستخدمه سلاحا لشحذ وعيه وإرهاف يقظتها إزاء المؤامرة التي تحاك ضد الأمة العربية .
الذي يقول هذا القول هو رئيس دولة يحكمها نظام ، ليست وسائل إعلام فيه كلها ملكا لهذا النظام وتتحدث باسمه وتنطق بتوجيهاته ويسيطر عليها رجاله فحسب ، بل ان الجماهير محرومة فيه من ان "تعلم" شيئا ، لا "تعلمه" اياه غير وسائل "إعلام"النظام .
وإذا كان الإعلام العربي، موضوعا للكتاب والمفكرين العرب خاضوا في تبيان أخطائه كثيرا، فان "الإعلام" العراقي يعطي المثل السيئ لهذا الإعلام الذي ما بعده من إعلام !..
وما ريب في ان الإعلام ـ إذاعة وصحافة ـ في جل الدول العربية ، وبخاصة الأنظمة الدكتاتورية والفردية ، والدول التي تواكب ركابها ، ينطق باسم حكام هذه الدول ، فيهلل ويطبل ويزمر لكل بيان وتصريح ، حتى وان كان كفرا أو شرا، لان هذا الإعلام هو لسان النظام الحاكم، والنظام الحاكم هو الذي صنع هذا الإعلام،ورسم له كلامه وأصداء كلامه ، وخطوطه وظلال هذه الخطوط ، ولا يمتلك احد ان يحيد قيد أنملة، وإلا تكون حياته في كف النظام الحاكم .
والإعلام عند معظم الدول العربية هو ليس إعلام الشعب ، ولا إعلام الدولة ، إنما هو إعلام الحكم القائم على ان هناك تباينا فيه تبعا لتباين هذه الأنظمة خلاف الأنظمة الدكتاتورية التي فيها الإعلام لسان النظام .
بعد انتهاء حرب أكتوبر، انبرت الأجهزة الإعلامية العربية وبعض الإعلام التي تمارس الدعاية والادعاء ، تقول ان الإعلام العربي اخذ يعي مسؤولياته ويدرك رسالته ، وانه أحرز نجاحات في مهمته وانه طلق الأساليب الغوغائية والتهويشات الإذاعية، وان عهد احمد سعيد وأمثاله مضى وانقضى ، الى غير ذلك من ادعاء هذه الأجهزة بسلامة الخط الإعلامي العربي الجديد.
واستعراض الأحداث ، ونصيب أجهزة الإعلام فيها ، ومواكبته له ، منذ حرب أكتوبر حتى الأن نقف على الرد الكبير لسؤال كبير هو هل أدرك الإعلام العربي مهمته حقا، وهل أدى رسالته، ووفى بواجبه على النحو الذي يخدم القضايا العربية، ويعبر حقا عن مطامح ومشاعر الجماهير العربية ؟!..
بديهي ، بل منطقي ، ان وظيفة الإعلام العربي ينبغي ان ينظر أليها في ضوء تطورات الأحداث في المنطقة وتطلعات شعوبها في السلام والاستقرار الرخاء، فأجهزة الإعلام ليست مجرد أداة تأثير كبير في الرأي العام وليست وسيلة توجيه هادف له كما إنها ليست مجرد سلاح خطير يستخدمه الحاكمون كما يشاءون ، وإنما ينبغي ان تكون هذه الأجهزة الإعلامية وسيلة تعبير الجماهير من تطلعاتها وطموحاتها الى السلام والخير والحرية والرفاه.
ولا مراء ان العمل الإعلامي وسيلة من الوسائل الدعائية التي نلجأ إليها الدول للدعوة الى قضية معينة للتركيز عليها وتوجيه الأنظار إليها ، سواء بالنسبة الى مواطنيها أو الى سواهم خارج مجتمعها .
لقد برهنت الأحداث والتجارب وما زالت ـ فوق الساحة العربية ـ على ان أجهزة الإعلام العربي ،إنما جندت لخدمة أغراض الحاكمين، وفي ذات الوقت كانت وسيلة هؤلاء الحاكمين لخدع الجماهير، للحديث عن كل شيء ، إلا عما يدور ـ حقا ـ في نفوس الجماهير، وإذا تحدثت عن مشاكل الجماهير وتصورتهما وتطلعاتها فإنما تتحدث عن ظواهر عادية ومظاهر سطحية ، لا تتغلغل في الصدور والجذور ، ولا تتوغل في الضمائر والسرائر ، وإذا تحدثت عن الأجهزة ـ إذاعة وصحافة ـ بدعوى توعية الجماهير ، فلا تبث فيها على الأغلب إلا المعلومات المغلوطة والوقائع المشوهة، وكثيرا ما تستمع هذه الجماهير الى حقائق ووقائع من أجهزة إعلام عالمية تكون هي والمعلومات التي قرأتها واستمعت إليها من أجهزة الإعلام العربية على طرفي نقيض.
وكل شخص موضعي يدرك كم عانت الشعوب العربية من الإعلام العربي ، في ظروف الحرب ، أو في الظروف العادية ، فقد سجل هذا الإعلام منذ ظهور أزمة الشرق الأوسط ما ضاق به ذرعا الكثيرون من الساسة ورجال الفكر الأحرار في البلاد العربية بل ان بعض الحكام والساسة المعتدلين أو الموضعين أنفسهم ، اقروا بفشل الإعلام العربي ، ونادوا بان يكون إعلاما موضوعيا أمينا صادقا ، ينقل الحقائق للجماهير، وينقل عن الجماهير تصوراتها وطموحاتها .
أما ما يقوله الرئيس العراقي احمد حسن البكر ، وسواه أكثر من واحد، وأما ما نسمعه ونقرأه ، من أمور هذا الإعلام ، فهو بعيد كل البعد عن ان يكون إعلام الجماهير العربية .
الذي هو واقع ، هو إعلام المهاترات والاتهامات ، والمزايدات والمناقصات ، والافتئات على الحقائق في الوطن العربي ، وعند الغير !..
ان ا لإعلام ـ أيها السادة وكما تعرفون ـ هو سلاح ماض يمكن استثماره للخير ويمكن استغلاله للشر ، ومصلحة الشعوب العربية ومصلحة القضايا العربية ، ومصلحة المنطقة تقتضي استثماره للخير ..وللخير والسلام فقط !..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم ا لمرحوم سليم البصون
نشرت في جريدة الأنباء "أورشليم "القدس في 24/1/1979.