كان معروفاً في تركيا العثمانية في القرن التاسع عشر أن المسيحيين لم يكن لهم الحق الكامل بالمواطنية بل كانوا رعايا في حماية العثمانيين، بحسب العرف العثماني (الاسلامي)، حيث أن كل أسرة مسيحية، أو قرية أو حي مسيحي، كان من المتعارف عليه أن يكون تابعاً وأن يكون مسمّى (كمُلكية ونفوذ) باسم أغا أو بيك تركي أو كردي.
فعلى سبيل المثال حينما يلتقي شخص ما مسلم بآخر أرمني ومن أجل أن يتعرف من أين يكون هذا الأرمني يسأله : " أنت حصانُ أي أغا ؟ " أي خاصة من هذا الحصان ؟ !
لكن هذا الأرمني المسيحي الواقع تحت الظلم والحيف العثماني ما كان له أن يرفض نعته بالحصان خوفاً على حياته، لأن دماء المسيحيين والأرمن بنظر العثمانيين هي دماء حيوان (حصان) وكرامتهم ليست أكثر من كرامة الحمار في العرف العثماني. مع أن الأرمني والمسيحي بصورة عامة في الدولة العثمانية يعرف قدر نفسه لكن أزاء سؤال الظالم المستبد السائل لم يكن أمامهم خيارأ آخر سوى الجواب على السؤال. بأنه كاوور (كافر) الأغا الفلاني. ويتم التعامل معه بشكل جيد أو طالح ، نسبة لأهمية الأغا ونفوذه وسلطته.
هذا مثال بسيط من أمثلة تعامل تركيا العثمانية غير الانساني مع المسيحيين والأرمن على أنهم أشياء يملكونها وليس أكثر من أملاك، كان حال المسيحيين والأرمن خاصة حال الممتلكات الأخرى كالحيوانات والغنم وأنهم مشروع للخدمة أو للذبح.
ولتوضيح ربط التعامل معهم كمشروع للذبح نضرب هذا المثال الذي يذكره صادق شهيد بيك في كتابه (كشف أسرار تركيا) الصادر سنة 1898 :
"سمع أحد الأفندية الكبار الأتراك بأن أحد الأرمن من سكان مدينته قد اشترى حقلاً باسم مسلم ـ بدفعه لصديقه المسلم رشوة ليتمكن من إجراء وتنظيم شراء الحقل ـ فما كان من الأفندي الا أن يرسل الى الأرمني بوجوب حضوره أمامه، ودار الحديث التالي بينهما :
الأفندي : شوربجي، ألم تسمع بأن الله قد رزقنا بمولود جديد في هذه الأيام ؟
الأرمني : نعم أفندي قد سمعت وإنشاء الله يكون المولود ذو عمر طويل .
الأفندي : لكن أنت تعرف بأنه من عادات مدينتنا أن يتم تقديم الهدايا للمولود الجديد.
الأرمني : بالضبط سيدي، فأنه يستحق كل ثروة مصر كهدية تُقدم للولد المولود الجديد .
الأفندي : دعنا نرى ماذا ستقدم أنت له من هدية ؟
الأرمني: أنا أقدم حياته فداء له، لكن للأسف ما هي الهدية التي يمكن أن يقدمها فقير مثلي ؟
الأفندي : ممممم، سمعت بأنك قد اشتريت حقلاً باسم أحد أصدقائك المسلمين، أليس صحيح هذا ؟
الأرمني : ولكن من أين لشحاذ مثلي أن يشتري حقلاً ؟
الأفندي : شوف شوربجي ، أنا أفكر فقط لمصلحتك وخيرك ، هل يمكنك أن تفكر وتعتقد بأن هؤلاء الذئاب (يقصد الأفندية والأغوات الأتراك) الآخرين سيدعوك ويتركونك تتمتع بملكك للحقل ؟ بالطبع لا.
أنا أخبرك بما عليك أن تفعله. من الأفضل لك أن تترك ملكك هذا هدية لمولودنا الجديد. فلماذا تريد أن تشتري العذاب والموت وتدمير حياتك بمالك الخاص ؟ وإذا احتجت لأي شيء بعدها تعال اليّ. "
هذا الحديث بين الشخصين، الأفندي والأرمني، مثال بسيط ليس لحالة الأرمن في حياتهم في تركيا العثمانية بل يدلّ أيضاً على ما كان يعرفه الأغوات والأفندية والمتنفذين (الذئاب) في تركيا عن أشياء كثيرة لما سيحدث لمستقبل الأرمن.
صورة أخرى من صور الرعب والخوف وعدم الأمان الذي عاش فيه الأرمن في تركيا العثمانية (وطنهم الأصلي) هي مسألة كيف يتصرفون بأموالهم وأين بامكانهم الحفاظ عليها.
فمن المعروف عن الأرمن أنه شعب يحب العمل في الزراعة والصناعة والتجارة والمال وصياغة الذهب والمجوهرات، ولكونهم كانوا عرضة الى السرقات من قبل العصابات الكردية ومن قبل الأتراك ، الذين كانوا ينهبون ويسرقون أموال وبيوت الأرمن لكون ذلك قد تم تحليله للاتراك المسلمين وللأكراد، فما كان من سبيل الاً إخفاء الاموال لمن كان يملك أموالاً أو ذهباً من الأرمن، وكثيراً ما كانوا يخفونه في الأرض، أو في اناء من النحاس ويدفنونه تحت الأرض. وبخصوص الملابس فكانوا يلبسون اللباس البسيط والفقير لعدم إثارة عيون الأكراد والأتراك والشك بهم ويصبحون سبباً وعرضة لنهب بيوتهم.
وحينما تبغي عائلة السفر داخل تركيا ، تقوم العائلة بتكليف أحد الأكراد إن كان صديقاً يمكن الوثوق به، لقاء مبلغ يدفعونه له، ليرافقهم في السفر ليتمكن من حمايتهم من الجماعات الكردية وليجعل الأكراد يظنون بأن هذه العائلة من أقارب الكردي فيتخلصون هكذا من قطاعي الطرق أكراد الذين كان مصدر رزقه هو السرقة والسطو على الأرمن بأي طريقة وبأي حال من الأحوال.
ويروي الكثير من الأرمن بأنهم كانوا يغلقون أبواب بيوتهم قبل غروب الشمس ويضعون أحجاراً أو صخوراً كبيرة خلفها ليأمنوا عدم دخول اللصوص اليها بسهولة وإن حصل فسيحدث ضجة كبيرة يمكن أن تخلصهم من السراق.
في الأسواق وفي الشوارع العامة كانوا يتحاشون الاقتراب من الترك أو من الأكراد ، تحسباً لأي مشكلة يمكن أن يخلقها لهم الكردي بحجة تبدأ بأن الأرمني زاحمه الطريق ولا تنتهي الاً بدفع الاموال للتخلص من مشكلة أكبر قد تؤدي بحياة الأرمني.
وفي حال قام كردي أو تركي بشتم أو مسبة الأرمني (وكثيراً ما كان يحصل هذا ليس فقط في تركيا العثمانية بل حتى في الولايات العثمانية العربية ، وربما لا زال الى حد اليوم في بعض الدول العربية !)، فالأرمني (أو المسيحي) لا يمكنه أن يرد على الشتيمة بمثلها لأنه سيُعرّض حياته للخطر إن بادل مسبة ديانته بسبّ ديانة المسلم الذي ابتدأ بالمسبات. فكان الأرمني يأكل المسبة ويسكت وربما في قلبه وفي داخله وفي بيته من بعدها يسبّ بأقوى من المسبات التي تلقاها وتزيد الكراهية والبغضاء في الجانب المسالم أيضاً.
اليوم ما الذي تغير ؟
واليوم نرى الكثير من الكتاب العرب الذين لا يقبلون أن يعترفوا بأن هذه الممارسات تعتبر جزءاً من تربية المجتمعات إن كانت منذ الزمن العثماني أو ما بعده. فالأمر لم تتم معالجته مجتمعياً لحد الآن. فاليوم كل المسلمين في العالم يمكنهم أن يسبوا ويشتموا أديان كل باقي العالم، مع ان لا أحد يعير اهتماماً لمسباتهم، لكن العالم يستغرب من هذه التصرفات. لكن الويل لمن يسبّ مسلماً في دينه أو رسوله أو أحد شخصياته، أعتقد أن هذا يعود الى التربية المجتمعية المريضة وغير السليمة في المجتمعات العربية والاسلامية التي تنشيء الاجيال على المسبات والكلمات النابية بحق الآخرين .
لا تلعبون ولا تتحدثون الاَ عند الضرورة مع المسلمين :
كانت هذه نصيحة الآباء والأمهات والأجداد الأرمن لأولادهم وأحفادهم ، لأنهم قد اختبروا وعانوا كثيراً من الحيف والظلم من قبل (الكثير من ) الأكراد والأتراك وغيرهم من المسلمين في الدولة العثمانية (وفي الدولة الفارسية الايرانية أيضاً) من غير حق أو سبب يدعو الى احتقار (مواطنيهم ؟!) الأرمن أو المسيحيين عامة. وكانوا يوصونهم بأن لا يتعلموا من المسلمين أخلاقهم وعاداتهم في السبً وعدم احترام الآخرين والاعتداء على الآخرين لمجرد أنهم ليسوا منهم أو لا يشبهونهم أو لمجرد أنهم ليسوا مسلمين.
وكثيراً ما كانت بعض عوائل الأرمن (وليس جميعها) المحافِظة على أولادها كانت تقص شعر بناتها كالأولاد لكي لا يعرفها أو يميزها الأكراد أو الأتراك الذين طانوا يخطفون بنات الأرمن الحلوات، لغاية أن تصل الى عمر الزواج أو يتقدم ويخطب يدها أحد الأرمن تبدأ باطالة شعرها مخفية إياه.
(للدردشات تتمة)
