ألعراق والاردن ... وألمخاض السياسي العسير..
أ. د. حسين حامد حسين
ألمقدمة :
تداعيات الأزمة في العراق أبرزت وجود فجوة متفاقمة في المصداقية بين النخبة الاردنية الحاكمة والشعب الاردني . وهذه الفجوة تتعلق بالمواقف الأردنية وقبولها لسياسة الولايات المتحدة، والتي لا تلقى قبولا في العالم العربي والاسلامي. (1) .فعلى سبيل المثال، اظهر استطلاع شعبي ان 9% فقط من الأردنيين يعتقدون أن القوة العسكرية ضد صدام حسين كانت مبررة (2) . كما وأن هذه الفجوة المتفاقمة في المصداقية كانت ضد الحكومة الملكية في الداخل من جهة، وبين الرأي العام الأردني والولايات المتحدة من جهة اخرى. ولكن ذلك لم يغب تماما عن واشنطن، بل هو أحد الأسباب التي تجعل الولايات المتحدة في بعض الأحيان تتحلى بضبط النفس فيما تطلبه من الأردن. وهذا ما قد يفسر أيضا لماذا، في بعض الأحيان، تبرز علنا الخلافات بين القادة الأردنيين والولايات المتحدة.
ومع ذلك ، فأن الشعب العراقي لا يزال يعاني من جحود الاردن تجاهه . فالزعماء العراقيون يتهمون المملكة من اتخاذها موقفا متساهل للغاية مع الارهاب، بل هي تشجع الزمر البعثية الارهابية. لكن الأردن يرفض بشدة هذه الاتهامات ، حيث يقول انه نفسه يخشى من تصدير الإرهاب اليه ومن عدم الاستقرار في العراق .
وعلى الرغم من أن المملكة تكيل بمكيالين وتمتهن مصداقيتها مع شعبها، فهي وراء الكواليس تدعم بقوة الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق وإبقاءه تحت الاحتلال لحوالي تسع سنين، كما وان الملك عبد الله بدا على استعداد لدفع الثمن لتحالفه الوثيق مع الولايات المتحدة من أجل استمرار ما يراه نافعا لمصالح أكبر للأردن.
أزمة الثقة المتبادلة :
المشكلة القائمة والاكثر أهمية هي ما يتعلق بالمسائل التجارية والاقتصادية والتي وان كانت تولد التعاون الإيجابي بين الأردن والعراق، لكنها أيضا مصدرا لخلافات عسيرة. فالعراق يعتمد في تجارته ومواصلات نقله عن طريق الأردن، والتجارة الثنائية بين البلدين قوية، ولكن الأردن هو في الحقيقة ملاذ آمن ومناسب للعراقيين في جلب الثروات العراقية من أصول غير مشروعة. والقصص عن العراقيين باستخدام المال اللازم لشراء العقارات في عمان وبملايين الدولارات هي مسألة شائعة جدا. وألاكثر أهمية، أن النظام العراقي الجديد طالما افصح عن قلقه من أن رجالات النظام السابق تستخدم الأردن كقاعدة لتوظيف ودعم الارهاب. وصرح الدكتور كبة في منتصف 2005، مشيرا الى ان "عائلة صدام تتواجد في الاردن مع ثروة ضخمة. والقانون الأردني يسمح لهؤلاء في دعم الأنشطة السياسية "، وأضاف ، " انهم يحاولون احياء حزب البعث. وهذا أمر غير مقبول بل وموقف عدواني من وجهة النظر العراقية. " (3)، لكن السلطات الأردنية ترفض مثل هذه الاتهامات، وتقول أن الانتقادات العراقية تنبع من تكتيك "لوم الآخرين". وما يقوله د. كبة غير واضح . كما وان الامتثال التام لكل مايقال من الصعب تأكيده وذلك لانعدام الشفافية. (4) ، على الأقل من حيث ألأموال من عهد صدام.
"والمقابلات مع المسؤولين الامريكيين حول هذا الموضوع، قد أكدوا ان الاردن قد امتثلت بشكل عام مع طلبات الولايات المتحدة والعراق لتعقب وإرجاع تلك الأصول (الاموال)". وعلى الرغم من أن الأردن يتمتع ببعض المزايا الاقتصادية الاضافية نتيجة لعدم الاستقرار في العراق، فأن هذه الفوائد التي يجنيها من العراقيين الذي هربوا بالمال العراقي العام قد تسبب اضرارا في الاقتصاد الأردني على المدى الطويل. وتجارة العقارات أفضل مثال على هذا فهي نعمة ونقمة. فالطفرة النوعية للعقارات لها تباين وتأثير كبير على الاقتصاد الأردني حيث تساهم في إيجاد فجوة في الدخل وهي آخذة في الاتساع .
وقبل عام 2003 فأن ورقة التوازن الاقتصادي هي أيضا مصدرا للخلاف. فالأردن يدعي ان له استحقاقا لما يقرب من مليار دولار من الديون التجارية العراقية. والمملكة عملت دون كلل لضمان أن لا يتم جمع ديونها في عملية الديون الكبيرة المتعددة الأطراف من مسؤولين أردنيين ممن يعتبرون ذلك الدين "استثنائيا" وانه يجب التعامل معه من خلال حسابات منفصلة. كما وانهم يدعون من أن الولايات المتحدة لا تدعم عمان بشكل كامل في تأمين هذه الأموال، وأن المملكة أوضحت أنها قامت أيضا بالضغط على الدول الدائنة لتخفيض الديون العراقية من خلال تقديم عقودا لإعادة إعمار الاردن من قبل دول مجاورة (5) ، لكن تبقى تلك الديون من المسأئل المعقدة. فعلى سبيل المثال، أنه من دون تقديم التنازلات لصدام فأن الحسابات العامة كانت تبدو مختلفة جدا. وإذا كانت الأردن عازمة على الضغط من اجل هذه المسألة، فينبغي على الولايات المتحدة وغيرها من الدول الدائنة الضغط على الأردن من اجل أن يكون أكثر استعدادا في الكشف عن الاموال العراقية الموجودة في عمان من عهد صدام (6) .
أن أزمة الثقة المتبادلة بين الاردن والعراق قد تفاقمت وبشكل مطرد في وقت مبكر من عام 2005، وما تزال تمثل تهديدا إلى أزمة ثقة دائمة بين البلدين . فبالنظر إلى العلاقة الوثيقة بين المملكة الاردنية وصدام في الماضي ، وحقيقة أن القيادة الجديدة في العراق وبشكل كبير هي من المنفيين و المضطهدين الشيعة من قبل صدام حسين، فالخلاف بين البلدين ليس مستغربا. اذ لم تكن تحذيرات الملك عبد الله عن "الهلال" الشيعي في أواخر عام 2004 قد استقبلت برضا من قبل أعضاء الائتلاف العراقي الموحد، والذي اكتسح الانتخابات وقاد البرلمان العراقي الاول ويقوده الآن في الدورة الثانية، في مرحلة ما بعد صدام. وعلاوة على ذلك، فبالنظر إلى أن بعض الارهابيين هم أنفسهم أردنيون، فان اعتقادا قد ترسخ لدى بعض الشيعة العراقيين أن الحكومة الأردنية متواطئة في تصديرالمتطرفين ممن هم على شاكلة الزرقاوي الى العراق (7). كما ان الرأي الشعبي العراقي هو الاخر يعتقد ان عمان متورطة في تصدير الارهاب للعراق، وعلى أفضل تقدير، فأن مخاوف النخبة السياسية في العراق الجديد هي أن عمان متساهلة للغاية في تقديم الدعم للحركات الارهاببة .
وفي تقريره بعنوان " العراق والاردن بين التعاون والازمات" يذكر (سكوت لاسنسكي) :
Scott Lasensky
"أن الشيئ الذي كان أكثر دراماتيكية في تأجيج أزمة الثقة العراقية - الاردنية هو الحادث الذي وقع في فبراير- شباط عام 2005 عندما تم تفجير مدينة الحلة في العراق. فقد أفادت التقارير أن الجانب الاردني، كان مسؤلا عن الهجوم، حيت قتل اكثر من 120 عراقيا أكثرهم كان من الشيعة (8).وفي الاردن تم نشر النعي والاشادة بالانتحاري رائد البنا، وهو أردني، باعتباره "شهيدا".
وقضية البنا أحدثت ضجة كبرى في العراق، وانتقد القادة العراقيين الاردن بشدة . و ظلت عمان تتلقى الاتهامات والتعنيفات لأشهر. وقال ليث كبة، المتحدث باسم رئيس الوزراء العراقي المؤقت ابراهيم الجعفري "نحن نأسف للقول أنه حتى الآن، أن عددا كبيرا من الشخصيات في النظام (السابق) يقومون بدعم أولئك الذين يشرفون على المجموعات إلارهابية ويتخذون الأردن مقرا لهم" (9).
وبعد تفجير الحلة، هاجم المتظاهرون السفارة الاردنية في بغداد، وتلى ذلك سحب السفراء وتبادل الاتهامات، ثم انخفاضا حادا في العلاقات بين البلدين. وقال رئيس المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق عبد العزيز الحكيم، أن الأردن يقوم بتصدير "الارهابيين" الى العراق. لكن لم تمض عدة اسابيع حتى عادت العلاقات الدبلوماسية الرسمية الى طبيعتها". ثم حدثت تفجيرات عمان في وقت لاحق من ذلك العام وساهمت في تغذيت انعدام الثقة في الاتجاه الآخر، حيث أن المهاجمين كانوا من العراق .
وتلت ذلك علامات واضحة لخروقات ظلت قائمة، فمثلا رفض بعض القادة العراقيين السفر إلى الأردن لعقد وحضورالمؤتمرات والاجتماعات. وفي اجتماع لوزراء داخلية الدول المجاورة في يونيو- حزيران 2005 ، أدان وزير الداخلية العراقي السابق بيان جبر كل من الاردن وسوريا في عدم بذل الجهود الكافية لوقف موجة الارهابيين الأجانب للعراق. كما وان كتاب أعمدة الصحف الأردنية، أزعجوا العراقيين، حيث ان الكثير منهم أتهمونهم بتوجيه اهتمام أكبر بكثير إلى خطاب مناهضة الولايات المتحدة بدلا من ادانة العرب أنفسهم في تصديرهم العنف للعراق. وكان هناك أيضا استياء عراقي متجذر في الاعتقاد بأن أعضاء المؤسسة الأردنية قد استفادوا كثيرا من نظام صدام حسين، في حين كان متوسط العراقيين يعانون بشكل كبير و ملحوظ، فأن امورا مهمة كالنقل، والعلاقات التجارية، والتدريب الأمني، و ألاردن "كبوابة"، ظلت الى حد كبير بمنأى عن احداث الحلة وتفجيرات فندق عمان. ولقد كانت الزيارات التي قام بها الرئيس العراقي جلال طالباني لرئيس الوزراء الأردني معروف البخيت تساهم في تخفيف حدة التوترات نوعا ما، لكن أزمة الثقة لا تزال قائمة. فجزءا من المشكلة التي تركت دون معالجة، هو تعرض النخب الأردنية للسخط وإلى حد كبير من قبل مجتمع المنفيين العراقيين، وهذه يمكن أن تتطور إلى أزمة أكثر خطورة". (11)
ألمخاوف ألاردنية :
كما هو الحال لدى اغلبية الطائفة السنية في الدول المجاورة للعراق، فأن الاغلبية السنية المسيطرة في الأردن، تبدي حرصا حول مستقبل الأقلية السنية في العراق !! و(تنصح باستمرار وعلنا ) الولايات المتحدة لاتخاذ مزيد من الخطوات لضمان أن المجتمع السني في العراق لا يشعر بالتهديد (12).
ويخشى الاردن من استمرار عدم الاستقرار والعنف في العراق. ولعل هذا يفسر تعليق الملك عبد الله في منتصف عام 2004 أن عراق ما بعد صدام يحتاج الى رجل قوي. "أود أن أقول إن الوضع (في العراق ما بعد صدام) سيحتاج لزعامة شخص من الداخل قوي جدا. . . شخص ذي خلفية عسكرية لديه خبرة و يتسم بالشدة. " ومنذ انتخابات يناير 2005- كانون ثاني، لم يكرر الملك هذا الموقف ثانية، ولكن تفاقم العنف في العراق عززت بالتأكيد وجهة النظر تلك بين الأردنيين. (13)
وحول القلق بشأن ايران ، طالما قام الملك بالتحذير من هلال جديد للنفوذ الشيعي والذي يمكن ان يزعزع الاستقرار في المنطقة ويعمد على تغيير موازين القوى. وقال عبد الله :"فحتى المملكة العربية السعودية لا تستطيع تحصين نفسها... (من) إمكانية الصراع بين الشيعة والسنة. . . والذي يمكن أن يخرج من حدود العراق. "وأثار الملك عبد الله شبح قوس اتساع النفوذ الشيعي في مناقشاته مع القادة الأميركيين، لكنه عاد فخفف من حدة مثل ذلك الخطاب في الأماكن العامة بعد أن شعر بأثار ردود فعل عدائية من القيادة العراقية الجديدة ومن إيران .(13)
والتخوف من النفوذ الايراني في العراق سبب اخر لقلق كبير بالنسبة للأردن : فالقلق يدورحول اتساع نفوذ طهران في المنطقة ويعتبرعامل مشترك في المملكة الاردنية سواء داخل الدوائر الرسمية أو بين منتقدي الحكومة. ومصدر هذا الخوف يتعلق بالانقسامات بين العرب وإيران وبين السنة والشيعة في المنطقة، ومخاوف الأردن الخاصة تتركز حول الإسلام السياسي، فضلا أن إيران في مرحلة ما بعد عام 1979 وهي تحاول تصدير ثورتها الإسلامية، تقوم بدعم متواصل لمجموعات الرفض الفلسطينية، مثل حماس، وما يشكل ذلك من تحديا للسلام بين الأردن وإسرائيل. (13)
والأردن كدولة عربية سنية، فأن القضية الوحيدة التي يتفق عليها الملك والشعب الاردني وعلى ما يبدو ، هو الشعور "بالتضامن السني مع بعضهم البعض"، فالسنة في العراق يشعرون بالتقارب نحو معظم السنة الأردنيين ومع العرب السنة بشكل عام، بل ولهم تجذاب دائم كمصدر للهوية والتراث من خلال سنوات حكم صدام عندما كان العرب السنة يسيطرون على العراق ويحتفظون بصلات واسعة مع الأردنيين. والملك عبد الله يلعب على ورقة السنة هذه لتعزيز دعمه في الداخل وكذلك لتحسين مكانة الأردن في العالم العربي." (14)
فكل ما تسبب ألوضع في العراق الى اختلالات اقتصادية كبرى، يشعر القادة الأردنيين بحرارة ذلك في داخل الاردن. ففي عام 2005 ارتفعت أسعار الوقود، نتيجة مباشرة للحرب في العراق، فكانت مصدرا رئيسيا لاستياء الرأي العام مع حكومة رئيس الوزراء حينها، عدنان بدران . وحتى الآن، فان قدرة الأردن على ضمانات لتأمين الطاقة البديلة، جنبا إلى جنب مع التجارة والنهضة العمرانية التي تلت سقوط نظام صدام حسين، قد ساهمت في منع أي اضطرابات اقتصادية خطيرة. لكن الأردنيين قلقون بشأن التكلفة المتزايدة باطراد للوقود وعما إذا كان يمكن أن يستمر الاردن ذي فائدة بمثابته "بوابة" للعراق على المدى الطويل. وما ان تطفو فقاعة الاضطرابات الداخلية بشكل واقعي على السطح في الاردن، فمن الأرجح أن يكون ذلك استجابة لعوامل اقتصادية بدلا من قرارات السياسة الخارجية، كما هو الحال مع مظاهرات الخبز في 1989 و 1996. فالنفط كان دائما هو العامل المهم في علاقات الأردن مع العراق منذ 1980. واسباب ذلك ، ليس فقط لان العراق كان احد أكبر اللاعبين في الاقتصاد الأردني، ولكن أيضا أن صدام حسين قام بمفرده بتحقيق ضمان لمعظم الطاقة في الأردن باسعار أقل من أسعار السوق. وعليه ، فان صدام فتح بوابات أزدهار تجارة الاردن بوضع النفط بذاك الشكل للأردن في وقت متأخر من عام 1990. وقامت ادارة الرئيس بيل كلينتون في ذلك الوقت بغض الطرف، لانها رأت أنه لا مفر من اعتبار ذلك كمقايضة من أجل الحفاظ على أكبر نظام يخضع للعقوبات الدولية. وعلى الرغم من عدم رضا الاردنيين عن وحشية صدام حسين تجاه شعبه، كانت بغداد متبرع سخي لهم. والاردن اليوم لديه فرصة لحصة كبيرة في استعادة ذلك السخاء أو استبداله. فذلك متوقف على سياسة الاردن تجاه العراق وعدم استمرار الاردن في التعنت في عدم تسليم العراقيين البعثيين المطلوبين للقضاء العراقي كرغد صدام حسين وغيرها كثيرون.
وفي آب 2006، زار رئيس الوزراء الدكتور معروف البخيت بغداد وحصل على التزام عراقي لتوريد 10000 برميل من النفط يوميا بسعر مخفض قليلا.
العراقيون في الاردن :
مثل ما فعلت سوريا وايران، فان الأردن استضاف جالية كبيرة من المغتربين العراقيين منذ الحرب بين العراق وايران. وعلى الرغم مما يعرف عن سوريا وايران، كونهما يمثلان ملاذا آمنا للمعارضين العراقيين، فان الأردن، التي حافظت على علاقات قوية مع صدام حسين، استضافت الجالية العراقية ألاقل نشاطا من الناحية السياسية. والعراقيون في الأردن يمتلكون نزعة علمانية ومعظمهم من الطائفة السنية، وهم قوميون في التوجه، وهذا يتناسب تماما مع الهوية الوطنية الأردنية . وعلى عكس الأردنيين أنفسهم، فان العراقيين في الأردن كانوا لا يحملون محبة لصدام حسين ولكنهم كانوا مؤيدين مخلصين للعراق في حربه مع ايران. وبعد هزيمة العراق في حرب الخليج عام 1990-91، وفرض العقوبات التي تلت ذلك من قبل الأمم المتحدة، توسع المجتمع العراقي المغترب إلى عدة مئات ألإلوف . وخلال فترة التسعينات ، كان الأردن منفذ العراق الرئيسي للغرب .
وفي فترة ما بعد صدام حسين، توافد العراقيون إلى الأردن وفي أعداد تفوق بكثير ما تدفق من السكان في أي وقت سابق ومن ما متواجد في الوقت الحاضر من عراقيين في سوريا والبلدان المجاورة الأخرى. وألارقام الدقيقة يصعب الحصول عليها، و التقديرات فيما يخص الاعداد تتباين إلى حد كبير، ولكن الشيئ الاكيد ان تلك الاعداد تنامت بشكل مطرد منذ سقوط نظام صدام حسين، وخصوصا منذ الاندلاع الواسع النطاق للعنف الطائفي. ففي السنوات الأخيرة، ذكرت مصادر مختلفة أن الرقم يتراوح بين 450000 و 800000، وربما قد يصل الى مليون شخص. وفي منتصف عام 2006، وقد نقل ذلك عن مسؤول أردني رفيع المستوى، أن الرقم 800000 ، لكنه شدد على أن الحكومة الاردنية تفضل الاعتماد على تقديرات منخفضة. وقالت مصادر غير رسمية عديدة ان الافتراض الشائع بين النخبة السياسية في الأردن هو أن أعداد الجالية العراقية لا يقل عن مليون شخص. وعند الاخذ بعوامل الهجرة المستمرة عبر الحدود، وكذلك العودة إلى الوطن، فمن الممكن أن عدة ملايين من العراقيين قد قضوا على الأقل بعض الوقت في الأردن على مر السنين. (15)
وأحدث تقدير لعدد سكان الأردن هو 5.9 مليون نسمة، لكن أعداد اللاجئين العراقيين في تلك النسبة الكبيرة من التدفق البشري يمكن أن يكون فيه تهديد محتمل. واللاجئين في معظمهم من العرب السنة، سواءا في الأردن أو في سوريا، ويتطابق ذلك مع وجهة نظرهم القومية. ولكن منذ احداث تفجيرات نوفمبر تشرين الثاني الانتحارية في عمان عام 2005، فقد أصبح العراقي غير مرغوب فيه وعلى نحو متزايد في الأردن. ولا يعزى ذلك فقط الى أن العراقيين أصبحت لهم ارتباطات مع العنف الإسلامي الجهادي المتشدد، ولكن أيضا بسبب بروز بعض التوترات والمشاكل الاقتصادية، من بينها مثلا مشكلة الحصول على الرعاية الصحية وتوفر السكن باسعار معقولة وفرص العمل والتعليم. والمجتمع الجديد للمغتربين العراقيين في الأردن يتكون من شريحة كبيرة من القيادات العربية السنية، ومن البعثيين السابقين والنخب العسكرية لزعماء العشائر من محافظة الانبار والجماعات الاسلامية مثل جمعية علماء المسلمين. وعندما نضع التوترات جانبا، يبقى الاردن هو البوابة الغربية للعراق والوجهة المفضلة للمغتربين العراقيين ، ولا يزال الأردن يشكل الحلقة الحاسمة بين العراق والمنطقة، والمجتمع الدولي. (15)
ولكن في نفس الوقت، فان قضية المغتربين العراقيين هي أيضا مصدرا للتوتر وقلق القادة العراقيين حول "هجرة الأدمغة". كما وانها من جهة اخرى، مصدر قلق متنامي لكبار المسؤولين الاردنيين من قبل المتشددين الاسلامين الذين يتدفقون عبر الحدود في البلاد. وعلاوة على ذلك، فإن الحكومة العراقية تطالب الأردن بتسليم الابنة الكبرى لصدام حسين، رغد، والمتهمة بتمويل التمرد والارهاب، ولكن قرار الأردن لاستضافتها لا يزال راسخا.(15) وفي ذلك مشكلة كبيرة بالنسبة للشعب العراقي الذي يعاني من فتك الارهاب ويتهم الاردن في تغذيته ودعمه .
ألخاتمة :
نظرا لأن لدى الاردن، كل المصلحة في استمرار التعاون مع العراق نظرا للمصالح الاقتصادية الكثيرة مع العراق وخصوصا ما يتعلق بحاجة المملكة للنفط العراقي، فاننا نجد أن من مصلحة المملكة استمرار التعاون مع العراق .
كذلك نجد ان رسالة الأردن إلى العراق تحتاج إلى تعزيز حقيقة أن العراق لجميع العراقيين، والامتناع عن تأطير العلاقات الثنائية أو الإقليمية في سياق طائفي. وحول هذه المسألة، تستطيع الولايات المتحدة تقديم رسائل جادة وواضحة الى عمان لتوضيح موقفها غير المتسامح مع الحكومة الاردنية حينما تتبنى مواقفا طائفية من اجل السنة في العراق، والتي تأتي حتما على حساب شرعية الحكومة العراقية في الداخل ومصداقيتها في المنطقة.
وعلى الاردن أيضا أن تضع في اعتباراتها أن الدور الصحيح للأطراف الخارجية هو التعاون مع النظام الديمقراطي الجديد في العراق وذلك عن طريق جعل الحكومة الاردنية أكثر اتصالا واكثر تفاعلا من النواحي الايجابية من اجل ان تعتاد على اساليب السياسة العراقية الجديدة، لتسهيل التعامل مع الأزمات في المستقبل.
ويمكن أيضا استعادة الثقة من خلال تدابير عملية بسيطة ولكنها مهمة من ناحية الرمز والنتائج. كقيام جهد مشترك للجنة عسكرية عراقية - اردنية ، تكون مهمتها تقديم تقارير دورية حول أمن الحدود بين الطرفين. ومن شأن هذه الخطوة التقليل من القلق العراقي فيما يخص الامن على حدوده. كذلك فان مما يمكن أن يساعد أيضا على استعادة الثقة وضع لجنة مماثلة بين البلدين، فيما يخص المعاملات والعلاقات التجارية والمالية.
ومن بين المشاكل التي يعاني منها الاردن هو ما يخص (الديمقراطية والاصلاحات ) في الداخل. حيث لا يستطيع الاردن جعل الشعب الاردني سعيدا والمملكة تواجه تحديات كبيرة من الداخل والخارج.
في صحيفة (بيروت ديلي ستار) :Beirut Daily Starكتب رامي خوري في مايو- مايس 2005
"أن ما يسميه البعض "بالاستثناء الأردني" ، فانه يقوض الجهود ألامريكية لدعم أوسع من اجل الإصلاح في العالم العربي. فالمشكلة تصبح أكثر إلحاحا من قبل الأردن نفسه حينما تمنح المملكة نفسها دورا غير حقيقي فيما يتعلق بالإصلاحات السياسية. "الفجوة بين خطاب الأردن عن الديمقراطية وبين سجله الديمقراطي الواقعي متقاطعة وبشكل توسع في السنوات الأخيرة". (16)
ولكن كما هو الحال غالبا مع السياسة الخارجية، فإن العلاقة بين الولايات المتحدة والأردن تشمل جدول أعمال متنوعة من المقايضات، فأن الحجة من أجل "الاستثناء الأردني" والتي تقوم على تحقيق توازن بين تشجيع الإصلاحات من دون زعزعة استقرار النظام في الداخل، قد طال أمد المجادلة حولها. فقد تم ترسيخ هذا النوع من التفكير بعد هجمات 11 سبتمبر والحرب في العراق، وتلك الأحداث عززت قيمة "استراتيجية" الاردن انذاك. وقد يكون المنطق الذي رافق هذه الحجة في شيئا واردا لبعض الوقت، ولكنها قد تقود في نهاية المطاف الى هزيمة منكرة للاردن. فالكثير من ضبط النفس من قبل للولايات المتحدة في التركيز على الإصلاحات "والحكم الرشيد" قد أضعف مصداقية الولايات المتحدة في الأردن والعالم العربي. وعلاوة على ذلك، لو كان قد تم تحقيق المزيد من التقدم بشأن الإصلاحات في الأردن، لكان له تأثير هائل في جميع أنحاء العالم العربي.
وختاما، يمكن أيضا لأزمة ثقة ان تتم معالجتها من خلال زيادة التفاعل بين الأردنيين والعراقيين على كل المستويات من خلال اعادة النظر بالمطالب العراقية المشروعة فيما يخص التعاون من اجل تسهيل تنفيذ قرارات السلطة القضائية في بغداد بشأن الاحكام الصادرة ضد المجموعات العراقية التي تم ادانتها في تمول الارهاب والقاطنة في المملكة.
ألمصادر :
1. For example،an overwhelming majority of Jordanians (70 percent) believe that suicide attacks against American targets in Iraq are justified. For three years running، Jordan has registered some of the highest anti-American views of any country in the Muslim world. See the Pew survey report، A Year after Iraq War: Mistrust of America in Europe Ever Higher، Muslim Anger Persists (Washington، D.C.: Pew Research Center for the People and the Press، March 2003)، http://people-press.org/reports/display.php3?ReportID=206.
2. Survey data from "U.S. standing in the Middle East Faces Serious Crisis” (Amman: University of Jordan، Center for Strategic Studies، April 2004).
3. Kubba in "Iraq Wants Jordan to Extradite Ex-Regime Figures behind Insurgency.”
4. Interviews with Jordanian intellectuals and former government officials، September 22–25، 2005، Athens.
5. See "Jordan Calls for Reconstruction Contracts to Lessen Iraq Debt،” Agence France-Presse، September 13، 2004.
6. The debt issue was reportedly raised during Prime Minister Bakhit’s August 2006 visit to Bagh¬dad. A Jordanian official suggested to the author that one way to resolve the issue would be to "swap” the Iraqi commercial debt with the frozen assets of Iraq’s al-Rafidayn Bank held by Jordan، which، like the debt، totals approximately $1 billion.
7. See Middle East Media Research Institute، Al-Hayat Inquiry. For more background on Jordanians and the Iraqi insurgency، see James Glanz، "In Jordanian Case، Hints of Iraq Jihad Networks، ” New York Times، July 29، 2005; and Nir Rosen، "Iraq’s Jordanian Jihadis، ” The New York Times Magazine، February 19، 2006، and idem، "Thinking Like a Jihadist: Iraq’s Jordanian Connection، ” World Policy Journal 23، no. 1 (Spring 2006): 1–16.
8. "Jordan’s Largest Political Party Boycotts Lower House Sessions، ” Deutsche Press-Agentur، August 21، 2006.
9. See Dexter Filkins، "Tortuous Trail: From a Bombing in Iraq to Fury at a Family in Jordan، ” New York Times، March 15، 2005; Steve Negus، "Iraq Spat Deepens as Jordan Evacuates Embassy، ” Financial Times (London)، March 22، 2005; Nimrod Raphaeli، "Iraqi-Jordanian Tension Over the Most Lethal Suicide Bombing in Iraq، ” Middle East Research Institute، March 29، 2005، www.intelligence.org.il/eng/memri/apr_a_05.htm; and Rawya Rageh، "Iraq، Jordan at Odds over Border Security، ” Associated Press، March 21، 2005. The editor of the Jordanian paper that broke the story was forced to resign.
10. Alan Cowell، "Old Iraq Army Could Provide a Leader، Jordan’s King Says، ” New York Times، May 18، 2004.
. 11Daniel L. Byman and Kenneth M. Pollack، "Carriers of Conflict،” The Atlantic Monthly، Novem¬ber 2006; UN High Commissioner for Refugees; U.S. Committee for Refugees and Immigrants; World Factbook 2006
12. Alan Cowell، "Old Iraq Army Could Provide a Leader، Jordan’s King Says،” New York Times، May 18، 2004.
13.Marwan Muasher، transcript of remarks at the Brookings Institution’s Saban Center for Middle East Policy forum on "A View from Jordan: Iraq، the Peace Process، and Arab Reform، ” Washington، D.C.، September 30، 2004، www. brookings.edu/fp/saban/events/muasher20040930.pdf، p . 9.
14. See Robin Wright and Peter Baker، "Iraq، Jordan See Threat to Election from Iran; Leaders Warn Against Forming Religious States،” Washington Post، December 8، 2004.
15. The figures at the high end of the range came from the author’s interview with a senior Jordanian official، August 30، 2006.
16. "Jordan’s Largest Political Party Boycotts Lower House Sessions،” Deutsche Press-Agentur، August 21، 2006.