لو بقيتُ نائماَ لكان أهون
    الأثنين 20 فبراير / شباط 2012 - 22:47
    علي كركوكي
    يستحيل التمييز بين أيامنا التي تحمل نفس طابع المسرة، ايماناً بهذه الأستحالة وكعادتي استقبلت اليوم الجديد بالأستيقاظ مبكراَ منشرح القلب. أصرت الوالدة حفظها الله على عدم خروجي من البيت.. على لحم بطني..، فوضعت لي ما مقسوم من النعم على الطاولة، ولم تبخل القسمة فكانت السفرة مليئة بأنواع من الجبن والزبد والزيتون الأسود الذي كان يزاحم الأخضر لنيل شرف الوصول الى أمعائي النتنة
    استعدت لترك البيت متوجهاَ الى الدراسة بكل حيوية بعد التزود بالطاقة الكافية لمقارعة اليوم الجديد، لم أرد التأخر عن الوقت الذي حددته للخروج من الدار لسببين وهما: عدم التأخر عن طلب العلم و تزامنه مع وقت خروج بنت جارنا الجديد، كانت تختلف عن الأخريات في الكبرياء والعفة، رمتني بسهام الاعجاب بها ولهذا أردت أن أفوز بها، علِمت بنيتي الخسيسة ..البريئة في قاموسي..، فقررت التعارف معها دون الرجوع الى مجلس النواب خوفاً من الفيتو من الجهات التي لا تعرف العشق
    حالفني الحظ وجرت الرياح بما أشتهي
    سلكنا نفس الطريق المؤدي الى موقف وسائل النقل المتعددة القريبة من محل سكنانا، بكل أحاسيسي.. المكتوبة على أوراق الشجر..كنت اتمنى نقل الموقف الى ابعد مسافة ممكنة. كل شئ في ذلك اليوم كان مميزاً، كالتبليط الحديث للطريق بأسفلت مستورد!!!! والأرصفة المكسوة بأحجار جُلبت من ايطاليا (كما سمعنا)، ناهيك عن الروائح الزكية المنبعثة من الأزهار والورود المنتشرة في الجزرات الوسطية وعلى شرفات البيوت المطلة على طرفي الشارع
    تعارفي عليها كان كافياً لتبديد حزني على مضى الطريق كلمح البصر، وصلنا الى الموقف واستقلينا الحافلة التالية و جلسنا في الصف الخلفي، تشجعت و جلست بقربها وقلبي ينبض بحب البلد الذي أعطانا جميعا كل شيء!!!، لم تستطع التستر على خجلها، أكرمتها بكسر حاجز الخجل، فُكَت عقدة لساني، بادرت بالحديث فتحججت بالسؤال عن نوع العطر الذي تستخدمه، ردت بأن أباها قد جلب لها زجاجة عطر من بلد العطور في سفرته الاخيرة، صوتها كان رقيقاً، صوت تخجل رقة قطرات الندى من تحديه، الحق يقال: اِن جمالها البارع الذي لا يقاوم وتطيبها برائحة زكية أحسست بأني أسعد شاب على الكرة الأرضية المفلطحة الشكل
    نفضت غبار الخجل عن نفسها و سألتني سؤالاً جريئاً، لم أكن أتصور أنها سوف تبادر بهكذا أسئلة تخدش الحياء ونحن في هذا السِّن، ما كان عليها طرح هكذا أسئلة محرجة، سألت نفسي بصوت خافت مزعج جدًّا، كيف لشابة تتظاهر بالكبرياء والعفة وتسأل هكذا اسئلة لا تتناسب مع الخصال الطيبة؟، كم تمنيت لو لم أكن قد تعرفت عليها أو حتى الجلوس بجانبها، لم أجد مفراً للتهرب من الأجابة، فوضت أمري الى الله فأجبتها حفاظاً على اللياقة العامة نزولاً لرغبة الشعب، سوف اقر بما سألت حتى لا أتحمل شخصياً العواقب الأخلاقية والقانونية: سألتني عن مرحلتي الدِّراسيَّة!!!
    فزعت من النوم. وإذا ببائع إسطوانات الغاز يهدر بأعلى صوته (صوت مذكور في سورة لقمان)، ويطرق بمطرقة تشبه مطارق محكمة الثورة السيئة الصيت على قفا الأسطوانات المسكينة، كل شيء جميل في المنام ذهب أدراج الرياح، حاولت النوم ثانية للأمساك بخيط من خيوط تلك التفاصيل الجميلة ولكن ليس كل يتمناه المرء يدركه. أليس النوم أهون؟

    علي كركوكي

    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media