دراسة الطب في الخارج و وزارة التعليم العالي
الثلاثاء 21 فبراير / شباط 2012 - 22:46
د. سداد جواد التميمي
استشاري الأمراض النفسية و النفسية العصبية - المملكة المتحدة
لفتت احدى الاخوات انتباهي الى ان وزارة التعليم العالي العراقية ترسل الطلبة المتوفقين بعد انتهاء الدراسة الثانوية لدارسة الطب في ايرلندا و استراليا. لا شك ان التعليم العالي له اهميته الكبيرة في نهضة البلد و لكن لا بد من مناقشة أمر هذه البعثات و بالتحديد دراسة بكالوريوس الطب و الجراحة في اوربا او استراليا او غيرها من بلدان العالم المتحضر، و هل هي سياسة حكيمة ام لا ؟. نقاشي سيتركز على مجال اختصاصي و لن اتجاوز الى مجالات اخرى في التعليم العالي.
التعليم الجامعي:
لا يخلوا العراق من جامعات عريقة كانت لها منزلتها عربياً و عالمياً في السابق. تدهور أمر التعليم الجامعي في العراق بعد عقود من الحروب و هاجر و هُجر الكثير من العاملين في هذا المجال، و لكن رغم كل هذه المحن لا يزال هناك من يكافح و يعلم و يخدم الجيل الجديد.
لكي تستمر عجلة التقدم في العمل و المسير الى الامام في التعليم الجامعي ليس هناك مفر من جذب الطلبة المتوفقين الى الجامعات العراقية. يشكل هؤلاء الطلبة نواة لتحفيز الطلبة الاخرين للتعليم المستجد و تراهم يحفزون الكادر التعليمي لتطوير التعليم و عمل البحوث. مع غياب طلبة متوفقين يتدهور التعليم الجامعي و ترى مستوى الجامعات يبدأ بالانخفاض تدريجيا و ينتهي امرها في سلة المهملات مع الوقت.
هناك جامعات عريقة من الدرجة الاولى في أوربا و في بريطانيا تحديداً. كذلك هناك جامعات من الدرجة الثانية و هناك صراحة مؤسسات تسميها جامعات غير آنها مؤسسات تعليمية لا تستحق هذا الوصف لا من قريب أو بعيد. تحرص الجامعات العريقة على اختيار الطلبة المتوفقين بعناية و تركز على التحصيل العلمي. بعد ذلك يتم أجراء اختبارات مكثفة اضافية لاختيار الطلبة. اما ما تُسمى بالجامعات فتراها تقبل الطلبة اعتمادا على فعالياتهم العلمية و غير العلمية أحياناً و لا تعمل اختبارات إضافية لهم. بعد عقد من الزمان و حكومة حزب عمال بريطانية تدهور التعليم الجامعي في بريطانيا حيث حرصت الحكومة السابقة على اجبار الجامعات لقبول طلبة اعتماداً على الفعاليات الغير علمية و انحدارهم الطبقي و خاصة في مجال الطب. لم تستطيع الحكومة اجبار جامعات أوكسفورد و كمبردج و لندن على تغيير سياساتها في قبول الطلبة و بالذات أوكسفورد و كمبردج و في كافة الفروع العلمية و الانسانية، و ترى هذه الجامعات احياناً تجذب الطلبة المتوفقين اليها في مراحل مبكرة جداً و خاصة في الفروع الانسانية لان هؤلاء يشكلون نواة المجتمع للتطور في كافة المجالات.
كان هناك جامعة في مقام أوكسفورد و كمبردج اسمها جامعة كوين Queen University في بلفاست عاصمة ايرلندا الشمالية. غيرت هذه الجامعة سياستها في قبول الطلبة قبل عشرات السنين من جراء ضغوط سياسية و تدهور مستواها تدريجياً و حالها حال اي جامعة اخرى هذه الايام .
على ضوء ذلك فان وزارة التعليم العراقية بدلاً من ان تحتفظ بالطلبة المتوفقين ترسلهم الى الخارج لدراسة التعليم الجامعي الاولي و تحرم الجامعات العراقية منهم و هذه السياسة لا تؤدي الا الى دفع التعليم العالي نحو الهاوية.
التعليم الطبي الاولي:
اقصر مدة لتعليم الطب في بريطانيا و ايرلندا هي خمسة سنوات و تكاليف التعليم للطالب الأجنبي لا تقل عن ١٠٠ الف دولار سنوياً. بعدها يتأهل المتخرج من الكلية لمرحلة التدريب الاساسية لمدة عامين. يتبع ذلك مدة تدريب لا تقل عن ثلاثة اعوام ثم مرحلة تدريب اختصاص لا تقل عن اربعة اعوام. بعد كل هذا يمكن للطبيب ان ينتقل الى ممارسة الطب كاستشاري. يمر الطبيب خلال هذه الفترة كذلك بالعديد من الاختبارات لا تزيد نسبة النجاح فيها عن ٣٠٪ في احسن الاحوال. بعبارة أخرى ان فترة تدريب طالب الطب لكي يصبح طبيباً أخصائياً لا تقل عن ١٥ عاماً منذ يوم دخوله الى كلية الطب.
اما الطالب الذي ينهي دراسته في كلية طب بريطانية او ايرلندية او استرالية بعد خمسة او ست سنوات و يعود الى موطنه الاصلي فعليه ان يمر بمرحلة تدريب أخرى في وطنه لكي يصبح مؤهلاً لخدمةالمجنمع بدرجة من الكفاءة. لا شك بان الطالب العراقي الذي يقضي ٥-٦ سنوات في ايرلندا لم يتم تدريبه بعد و بعد ان يعود الى العراق للتدريب مرة أخري سيواجه ازمة علمية و حضارية و اجتماعية. اما اذا استمر في العمل و التدريب في الغرب لعشرة سنوات اضافية فاحتمال عودته لممارسة المهنة في موطنه الاصل تتضاءل تدريجياً. على ضوء ذلك فان ارسال الطلبة المتوفقين الى الخارج لدراسة الطب هي سياسة خاطئة و خالية من المنطق ناهيك عن تكاليفها المادية الجنونية التي يمكن استثمارها لتحسين الخدمات الاجتماعية و التعليمية للبلد.
أما ارسال الاطباء الى خارج الوطن للتخصص في مجالات معينة استناداً الى احتياجات البلد بعد مراحل التدريب الاولي في العراق فهو امر لا يمكن الاستغناء عنه في المستقبل القريب.
احتياجات العراق الصحية البشرية:
اذا كانت الحكومة العراقية جادة في مسعاها لتطوير الطاقات البشرية للخدمات الصحية في العراق فعليها ان تفكر في تحويل انظارها الى كافة فروع التمريض، العلاجات المهنية، و مجالات التقنية الطبية و غير ذلك من ما لا عد له و لا حصر. ان الخدمات الطبية في العصر الحاضر يتم تقديمها عبر فرق صحية متعددة الاختصاصات و الطبيب لا يشكل الا عضو واحد من اعضاء هذه الفرق. أذا كانت الحكومة العراقية جادة في مسعاها فربما حان الوقت ان تبدأ بأرسال بعض الطلبة لدراسة التمريض و العلاج المهني بدلاً من التعليم الطبي الاولي. ان تكاليف تدريب هذه الكوادر اقل بكثير من التعليم الطبي و خدماتهم لا تقل أهمية من الخدمات التي يقدمها الطبيب ان لم تكن أهم بكثير أحياناً. يجب ان يصاحب ذلك توعية وطنية لأهمية التحاق الطلبة في هذه الاختصاصات المهنية و ضمان تحسين رواتبهم المعيشية. بدون خدمات هذه الكوادر لا مستقبل للطب في العراق ولا كل العالم العربي.
لقد حان الوقت لوقف مثل هذه السياسة التي لا تستند الى رؤية علمية لتحسين التعليم الجامعي و الخدمات الطبية في العراق.
سداد جواد التميمي.