العراق الى أين ؟ 1-2
الأربعاء 22 فبراير / شباط 2012 - 20:53
ضياء السورملي
ربما يكون مفيدا أن نسأل الى أين يسير العراق وبأي إتجاه يتجه أو الى أي منحدر ينحدر وإلى أي مستوى عال يرتفع ، عاش العراق ويعيش منذ تأسيس الدولة العراقية سلسلة من الحروب خاضها أو حدثت على أرضه من قبل دول وشعوب مجاورة له ، صديقة كانت او عدوة حيث بلغت هذه الصراعات ذروتها بالهجوم على ايران واحتلال الكويت ودخول القوات الاميركية والقوات المتحالفة معها من الجيوش العربية والعالمية واحتلالها العراق.
وهذا جعل من العراق حقلا للتجارب العسكرية والاستخباراتيه للعديد من الدول التي كانت تطمع او تطمح بالحصول على مكاسب ومكتسبات من هذا الحقل الذي جعل شعب العراق نموذجا لتطبيق التجربة وجعل من تضاريس وسهول العراق وجباله وانهاره وخيراته وثرواته وامواله ونفطه ونخيله وزراعته وموارده مدخلات لتجاربه .
لقد أثر الحكم الدكتاتوري وصنيعته واحكامه وقوانينه وزبانيته بشكل سلبي في الوضع الحالي في العراق مما أدى الى كسر موازين السلوك الاجتماعي، وتسلط طغمة جاهلة ساديه باغية ضالعة بالقتل والجريمة لفترة طويلة من الزمن يقودهم حكم انفرادي مدعوم بافكار حزب شوفيني قاد البلاد الى مهازل أنتجت على إثرها مقابر جماعية وهجرات مليونية وتشريد وتعذيب فئات كبيرة من مكونات المجتمع العراقي .
لم يكن غريبا أن يتفجر الوضع في العراق كنتيجة لهذه الحقبة الطويلة من الظلم والقهر والاستبداد ، وتفرز المرحلة الحالية صراعات سياسية بين مكونات المجتمع العراقي يمكن وصفها وتصنيفها كما يلي :
1. الصراعات العرقية بسبب اختلاف العرق البشري لمكونات الشعب وكان الصراع واضحا بين العرب من جهة وبين الاقليات الاخرى مثل الكورد والتركمان والاشوريين من جهة اخرى وفيما بين المكونات نفسها ايضا.
2. الصراعات الطائفية الدينية وهذه الصراعات تقوم على اساس الاختلافات في المذاهب الدينية حيث كان الصراع شديدا بين معتنقي المذاهب الاسلامية الاربعة ( الشافعي ، الحنبلي ، الحنفي والمالكي) وما صاحب ذلك من تطرف بين الاحزاب التي كانت تقف مؤيدة ومعارضة لتلك المذاهب يقودهم تنظيم القاعدة الذي يحمل افكارا تكفيرية تتمثل بالفكر الوهابي وينضم اليهم ويناصرهم في تلك الافكار حملة الفكر السلفي والاخوان المسلمون . ومن نتائج تلك الصراعات الدينية هي ما حصل من تشريد ومحاربة لمعتنقي الديانات المسيحية واليهودية والصابئة والشبك والبهائية وغيرهم من باقي الديانات
3. الصراعات الفكرية وتتمثل بالصراع بين الايديولوجيات الفكرية مثل الفكر القومي البعثي الشوفيني والفكر الشيوعي الماركسي والفكر القومي العروبي المعتدل والفكر الليبرالي والعلماني والافكار الاسلاموية المتزمتة او الاسلامية المعتدلة
ظاهرة الكتل السياسية :
نشأت ظاهرة الكتل والاحزاب السياسية المتعددة بعد سقوط نظام حزب البعث العبثي ، كتل سياسية كثيرة ، تبلورت قسم من هذه الكتل واجتمعت مع بعضها البعض لتشكل لها كيانات سياسية تتنافس من اجل الحصول على السلطة .
قسم من هذه الكتل السياسية تميز بالعراقة والقدم ورسوخ المبادئ الحزبية والاهداف الواضحة ضمن سياساتها مثل الحزب الديقراطي الكوردستاني والحزب الشيوعي العراقي وحزب الاتحاد الوطني الكوردستاني وحزب الدعوة تنظيم العراق ، وبجانب هذه الاحزاب طفت على ساحة العمل السياسي في العراق احزاب مدعومة من دول ومنظمات لها اهداف وغايات نشأت من اجلها، طمعا في الحصول على مواقع متقدمة في رسم سياسات العراق ومستقبله .
وهناك احزاب وكتل وتنظيمات تلاشت بسرعة بسبب فقدانها لمقومات العمل التنظيمي والسياسي وقلة التمويلات المالية التي تساعد على ديمومتها وانعدام النضج السياسي لمكوناتها وقياداته ولهذا تبخرت من الساحة السياسية بسرعة.
وبمرور الزمن تبلورت ثلاث كتل او اربعة رئيسية تمثلت بكيانات لاحزاب متآلفة مع بعضها مثل :
* الاحزاب الكوردية وهدفها هو الوصول الى تحقيق مطامح الشعب الكوردي والاقليات التي تعيش معهم في اقليم كوردستان وتحقيق مبدأ الحكم الفيدرالي في العراق
* وكتلة المكون الشيعي وهدفها المحافظة على قيادة العراق وحكومته وشعبه باعتبارهم الغالبية العربية العراقية والتي تخلصت من نير حكم الاقلية السنية ومسك زمام الحكم من خلال الادارة المركزية للبلاد مع المحافظة على بقاء اقليم كوردستان ضمن ادارة ذاتية
* وكتلة المكون السياسي السني التي تحاول جاهدة بكل الوسائل الديمقراطية وغير الديمقراطية من اجل الحصول على السلطة مرة اخرى بعد ان أنتزعت منها مقاليد الحكم بقوة الاحتلال . وهدفها المعلن وغير المعلن هو عودة الحكم لها وعودتهم لسدة الحكم مرة ثانية
* مكونات صغيرة اخرى تحاول جاهدة الحصول على قوة نسبية تمثلها باعتبارهم من مكونات الاقليات القومية العرقية او الدينية ، من هذه المكونات هم القومية التركمانية الثالثة في العراق وكذلك بقية الطوائف والملل المبعثرة على خارطة العراق مثل الاشوريين والارمن والكلدان والكورد الفيليين والشبك والايزيديين .
اشتد الصراع بين هذه الكتل الاربعة للفوز باكبر سند في حصة الدولة من القوة التشريعية والتنفذية والقضائية.
انهك هذا الصراع الدولة العراقية وعمل على نشر الفساد الاداري والمالي والاجتماعي مما جعل السيطرة على مقاليد الامور ضربا من الخيال وانتشرت الفوضى الامنية رغم المحاولات الهزيلة للوقوف بوجه هذه التيارات الفاسدة التي أدمت المجتمع العراقي بصراعاتها غير العقلانية .
ربما يحاول البعض رسم صورة جميلة وشفافة متفائلة متباهيا ببعض التطور الملحوظ في بعض المواقع هنا وهناك ، الا أن الصورة الحقيقة ترسم ملامح قاتمة لمجتمع إنهارت أسسه وتهدمت أركانه وشلت حركته الاقتصادية والتجارية ونهبت ثرواته بسبب تسلط شلة من الحكام الفاسدين الذين تعاقبوا على ادارة الدولة العراقية بعد سقوط نظام البعث العبثي .
ان الفشل الكبير في مرافق الدولة مجملة ، لا يمكن ارجاعه بالتاكيد الى شخص رئيس الوزراء لوحده او رئيس الجمهورية او رئيس السلطة القضائية او رئيس السلطة التشريعية ، ان الفشل والتدهور الحاصل في العراق هو مسؤولية جماعية مشتركة ، اشتركت وتشترك فيه مجمل الاحزاب المتصارعة على السلطة وعلى مناصب السلطة وعلى ثروات السلطة وكذلك ايضا شرائح مكونات المجتمع التي دأبت على السلوك الشاذ والفرهود والنصب والدجل والسرقة والنفاق الاجتماعي وانقيادها وراء تيارات عبثية مزيفة محمية برداء الدين وغيرها من العباءات المتهرئة .
ان مسخ السلوك وما افرزته المرحلة السابقة من تداعيات كان أحد أسبابها ،القياديون السياسيون في هذا البلد ، او كل من سلم له منصب قيادى أو أنيطت به مهام على مستوى القيادة وهو لا يصلح الا نزيلا في احد الزنزانات لكونه لا يستحق اكثر من لقب مجرم وموقعه ومكانه من المفترض ان يكون في معتقل لكي يقضي معظم حياته هناك حماية لافراد الشعب من شروره .
منصب النائب الاول لرئيس الجمهورية ومع ذلك يبقى هذا الشخص طليقا رغم اجرامه ويبقى محميا من اعلى هرم في السلطة ويبقى رئيس الجمهورية في منصبه لا يقدم الاستقالة على هذه الفضيحة التي حلت بنائبه .
ربما هذه الانتكاسات وغيرها كثير ، كانت غير معلنة بسبب وجود القوات الاميركية في العراق وادارتها للدفة السياسية والعسكرية بشكل مباشر او غير مباشر من خلال الاستشارة والهجوم على اوكار العصابات المجرمة او ربما انها هي اي اميركا كانت سببا في عدم كشفها لمسؤولين مجرمين خشية إندلاع حروب جانبية تؤثر على وجودها وتوقع بها المزيد من الخسائر البشرية والمادية والمعنوية .
وهنا يأتي تساؤل مهم ، هل ينطبق علينا المثل الشعبي : اذا كان رب البيت بالدف ناقرا فان شيمة أهل البيت كلهم رقص ، هذا مثل يضرب ولا يقاس به ، فهل يعني هذا المثل انه اذا كان المسؤول الكبير محميا من قبل مسؤول آخر رغم كل جرائمه ، هل سيكون نصيبنا الرقص والطرب ، وهل سيرقص شعبنا على انغام الجريمة والحانها .وهل سيهدأ لنا بال بعد كل هذا الكم الهائل من الجرائم والتدمير والقتل والمفخخات وانواع متعددة من مسميات كثيرة لادوات القتل والغدر .
يقول البعض اننا الان نتجاوز مرحلة المراهقة السياسية ونتجه نحو النضج وهذه الحالة هي طبيعية لظروف مثل ظروف العراق ، اذا كانت مراهقتنا السياسية كلها قتل وتدمير ونهب وانحلال في سلوك المجتمع وفساد اداري فان النتيجة الطبيعية لمثل هذه الأساسات المراهقة لمستقبلنا بعد هذه المراهقة السياسية حسب المنطق العلمي ستكون المرحلة الكارثية والانهيار السريع للمجتمع باكمله .
وهذا ما يجعل الرأي السائد هو ان العراق بحاجة الى إنقلابات وثورات ادارية وتغيير جذري في بناء أسسه واساساته وتغيير لهذا الطاقم الفاشل من القيادات المريضة والهرمة والمهزومة بطاقم آخر يعتمد في اختياره على عناصر القيادة والكارزما وقوة الشخصية والالمام بالمعرفة والعلم والتخصصات الدقيقة وان يحتل الموقع القيادي المناسب شخصا مناسبا مؤهلا بدلا من المجرمين والعناصر الفاسدة والمهزومة والناقصة والخالية من الوجدان .
واذا ما اردنا التفاؤل بفرضية ان العراق يسير بخطوات نحو التغيير ، فالتفاؤل جيد ولكنه لا يكفي لوحده ، المطلوب هو العمل المستمر والجاد والاخلاص والوطنية العالية في رغبة التغيير بعيدا عن وسائل القتل والاجرام ، والمطلوب هو سياسات حكيمة وخطط تتميز بالدقة والجودة تعمل على النهوض بكل مكونات المجتمع وتعمل على رفاهيته وسعادته مستثمرة كل الثروات في العراق بايجابية مثمرة .