وداعا يا لطيفة الحاج..
    الأربعاء 9 مايو / أيار 2012 - 20:33
    د. عزيز الحاج
    رحت أسمي كل يوم أحد باليوم اليتيم. ففي كل أحد كنت أهاتفك  مشتاقا وأنا أنادي ممازحا: " هل هنا الحجية باشا لطيفة خانم!"، فتضحكين. ولكن أيام الأحد، منذ أربعين يوما على رحيلك، تحولت عندي لأيتام. وكم من مرة رحت ساهيا وبلا وعي آخذ الهاتف لأطلب بغداد وأكلمك، فأتراجع فورا وأنا حزين.

    صحيح أنك عمُرت للثمانين، ولكنك تحملت وحدك الكثير جدا، بروح التضحية، وبصبر وشجاعة، من أعباء العائلة في بغداد الحروب والأزمات زمن صدام، وعراق ما بعده: عهد الطائفية، والمفخفخات والكواتم، والصراع السياسي والطائفي، وتخبط الحكام، وانهيار الخدمات. وفي كل مرة كنت تشكين من انقطاع الكهرباء في الحر والبرد، ليلا أو نهارا، مع جحافل الغبار الذي يعمي العيون وينفذ للصدور.

    في عمرك الثمانيني لم تتمتعي إلا قليلا بالراحة، ولاسيما عندما كنت تستطيعين زيارتي والشقيقة فريدة في فرنسا، فترتاحين قليلا وتطمئنين ونطمئن معك.

    خطفتك الضربة الدماغية بعد معاناة أليمة في عراق كان الطب متقدما فيه منذ العهد الملكي، فإذا هو اليوم  يفتقد الكثير من أوليات النظام الصحي، وفي بغداد التي تحولت لمزابل وفيضانات المجاري القذرة بينما المليارات تهدر وتنهب في وضح النهار. وكم من طبيب يقتل والقاتل مجهول! وكم من طبيب يحمّلونه مسؤولية حالة مرضية ميئوس منها، فتأتي العشيرة للثار بالقتل  أو لطلب الفدية، في زمن انفلتت فيه العشائرية وعنعناتها وخصوماتها بتشجيع من الحكام. وصار الطبيب والمضمد يخشيان زيارة المريض في البيت ما لم تضمن سلامتهما بحراسة ما!

    كانت اعز صديقة لديك ماري المسيحية، التي اضطرت وعائلتها للهجرة، كما هاجر الآلاف من المسيحيين العراقيين في عهد " الديمقراطية العراقية" المبجلة، ديمقراطية الإسلام السياسي، ومطاردة الأقليات الدينية، و المحاصصة الطائفية، ودوام الأزمات.

    في أربعينيتك يا غاليتنا الراحلة أقول لعل الموت أراحك من المعاناة الطويلة، فالموت هو " الراحة الكبرى" كما يقال. وتأتي لحظات أشعر فيها أن الموت علاج من التوجع لآلامنا اليومية والعائلية والعامة. وتذكرين كيف خاطبت المرحومة الوالدة حين  رحل عني أعزاء من أقرباء وأصدقاء وزملاء كفاح، إذ قلت في قصيدة لي:

                "أماه فارقني أحبائي وأتعبني زماني

             أماه أسأل والسؤال يظل ينخر في كياني :

           لمَ يرحل الأحباب عني، واحدا من بعد ثاني،

    فأحس أن العمر بعدهمُ[ بعدهمو] قد افتقد المعاني؟!!!؟"

    فوداعا يا عزيزتي، يا لؤلؤة العائلة؛ وداعا.. وإلى اللقاء..   

    عزيز الحاج في 10 أيار 2012

    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media